اللؤلؤ في الإمارات...موروث واستدامة
في أقدم مناطق الغوص عبر التاريخ تكاملية تكريم اللؤلؤ
معرفة عميقة بمصائد اللؤلؤ ومواقعها، فضلا عن مهارات في الملاحة البحرية. فالغوّاصون هم رجال المهام الصعبة، حيث يقضون يومهم في الغوص لاستخراج المحار من قاع البحر في ظروف خطرة، أما «السيب» فهو المسؤول عن الحبال المستخدمة لإنزال الغواصين إلى المغاصات، ومن ثم سحبهم إلى السطح عند إرسالهم إشارة بجاهزيتهم بذلك، و«التبّابة»، وهم صبية تتراوح عاماً، وعادة ما يكونون من أبناء أفراد 14 و 10 أعمارهم ما بين الطاقم، يقومون بمساعدة «السيب» في سحب الغواص، كما يتدرب بعضهم على الغوص. ويشاركهم «الرضيفة» وهم الأولاد الصغار الذين يقومون بتقديم الشاي والطعام للغواصين ويساعدون في فلق محاراللؤلؤ، فيما يضطلع «النهام» بمسؤولية تسلية البحارة والترويح عنهم وبث الحماس فيهم خلال الأشهر الطويلة في البحربإلقاء الأهازيج والأشعاربصوته العذب. ويتولى «النوخذة» قيادة السفينة، فيما يقود «السردال» أسطول الغوص «السنيار»، فهو أمير الغوص وأمهر النواخذة، وأكثرهم خبرة ودراية بشؤون الملاحة والفلك والهيرات. في الإمارات..أقدم غوص تمتلك الإمارات أقدم اللآلىء في العالم، ما يدل على أن صيد اللؤلؤ كان معروفا في الإمارات منذ آلاف السنين، فقبل سنوات قريبة
خالد صالح ملكاوي مثَّل صيد اللؤلؤ أبرز نشاط اقتصادي لأهل الإمارات لفترة طويلة من تاريخهم، ومازالت سيرته حية في الذاكرة والتقاليد، فقد شكَّلت مياه الخليج العربي بيئة مثالية للغوص لصيد اللؤلؤ، ومثَّلت تجارة اللؤلؤ عصب الحياة والتجارة الأكبر في الإمارات، فعمل في هذه التجارة الآلاف من سكان الدولة في جميع إماراتها، وظلت حرفة صيد اللؤلؤ، في ظل الاهتمام الرسمي والشعبي بالحفاظ على بريقها والعمل على استدامتها، الحرفة التي تحتفظ بمكانتها كجزء من هوية وإرث المجتمع والأجيال، وحظيت بالتكريم بصيغ متنوعة باعتبارها زينة، وحرفة، وصناعة، وبكونها جزءا من تاريخ أهلها. وفي الإمارات ومنطقة الخليج العربي، تشكل ذاكرة الغوص بحثا عن اللؤلؤ ركنا أساسيا في سيرورة حياة أهل المنطقة، بصفة الغوص مهنة وتقليدا وتراثاً، مارسه الآباء والأجداد على مدى حقبة زمنية طويلة، كمصدر للرزق وباعث للحياة على ساحل الخليج العربي، في صورة عكست جوانب مهمة من الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في دول المنطقة في الماعضي، قبل ظهور الذهب الأسود. وقد وحَّـد الغوص الفكر الاقتصادي الخليجي، ووحَّد لغة التعامل المالي، كما أوجد نظاما اجتماعيا موحَّداً؛ فكانت تنطلق معه أساطيل صيد اللؤلؤ إلى مغاصات للمحار من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر من مركب، 900 مركب، وللبحرين 1200 كل موسم، وكان للإمارات 15 مركب، وكان المركب الواحد لا يتجاوز الـ 600 وللكويت غواصا لنحوأربعة أشهر. 120 إلى 80 متراً، يحمل ما بين نظام دقيق وعمل متخصص تميزت رحلات الغوص لصيد اللؤلؤبدقة بالغة وبتراتبية، وبمهام تقوم على التخصص، فتعتمد عملية الصيد على نظام محدد يقوم على العمل الجماعي، والتنظيم والإدارة الفاعلة، وتقسيم المهام خلال رحلة الغوص، ويتضمن فريق العمل عددا من الرجال الذين يضطلعون بكثير من المهام المتكاملة التي تؤدي في نهاية المطاف إلى رحلة غوص ناجحة. ويتطلب فن صيد اللؤلؤ
عثرعلماء الآثارفي دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي على أقدم لؤلؤة في العالم في جزيرة مروح قبالة سواحل أبوظبي، تعود إلى ما يقارب من ثمانية آلاف عام. ويُعد هذا الاكتشاف دليلا على وجود مهنة صيد اللؤلؤ والمحار في دولة الإمارات منذ عصور سلفت، وهوأقدم دليل مُكتَشَف على صيد اللؤلؤفي العالم. وقبل اكتشاف «لؤلؤة أبوظبي»، كان قد تم اكتشاف أقدم لؤلؤة في دولة الإمارات في موقع يعود للعصر الحجري الحديث في أم القيوين، كما تم العثور على العديد من اللآلئ القديمة في مقبرة تعود إلى العصرنفسه بالقرب من جبل البحيص في إمارة الشارقة، إلا أن التأريخ الكربوني يظهربأن «لؤلؤة أبوظبي» أقدم من هذين الاكتشافين. تعد لؤلؤة أبوظبي اكتشافا مهماً، ودليلا على عراقة وقدم الأنشطة البحرية في الإمارات، وأن اللؤلؤشكل الدعامة الأساسية لاقتصاد الإمارات لآلاف السنين، إذ يرى بعض الخبراء احتمال أن يكون قد تم استخدام اللؤلؤفي عمليات التبادل التجاري مع بلاد الرافدين «العراق القديم» مقابل المنتجات الخزفية وغيرها من السلع. كما تُظهر الآثار التي تم اكتشافها في جبل البحيص في الشارقة أن اللؤلؤ كان يستخدم كحلي للزينة من قِبل السكان المحليين أيضاً. تكامل رسمي وأهلي وفي الإمارات التي يتميزشعبها بالتمسك القوي بأصالته وبالحفاظ على موروثه وإحيائه، إلى جانب مواكبته مقومات العصر والحداثة، تتشابك المبادرات الشعبية مع الجهود الرسمية في الحفاظ على مختلف مفردات التراث، إذ يبرز هذا التضافر الوطني الرسمي والشعبي جليا في الحفاظ على موروث اللؤلؤ؛ فتتعدد المشاريع والمبادرات وتتنوع الثمار التي تبقي على صيد
اللؤلؤمكوّنا أصيلا من تاريخ المجتمع وثقافته، وتقود إلى استدامة هذا الموروث مع الأجيال المتعاقبة وبمعايير العصر وتقنياته. تجسد المتاحف المعنية بصيد اللؤلؤفي الإمارات هذا الاهتمام، وتعكس هذا التراث الغني وتقدم للزوارفرصة لاستكشاف تاريخ هذه الصناعة وقيمتها الثقافية؛ فمن الميسور قراءة جزء من تاريخ الغوص عبر متحف الشارقة البحري، إذ يعرض المتحف لزائره تفاصيل الحياة البحرية التي شكلت جزءا رئيسيا من تراث الشارقة، حيث كان للبحر تأثير واسع في تطور المدن الساحلية وازدهارها منذ آلاف القرون؛ فيعرض السفن الخشبية التقليدية التي جابت البحاربغية الغوص بحثا عن اللؤلؤ، ولأغراض الصيد والتجارة، كما يمكن الاستمتاع بمشاهدة جملة كبيرة من اللآلئ المبهرة التي جمعها الأجداد من أعماق الخليج، التي ما زالت تتمتع بذاك البهاء الذي أشرقت به منذ لحظة إخراجها من صدفاتها قبل عقود بعيدة. كما يتيح متحف اللؤلؤ في مبنى بنك «الإمارات دبي الوطني» على
23
22
2023 أغسطس 286 / العدد
تكاملية تكريم اللؤلؤ في أقدم مناطق الغوص عبر التاريخ
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online