إضاءة
شريعة الباب
صاحب سيارة كنت تقودها بلعنة الاحتراس والاحتراز والسير على حبل من مسد الشارع.. فجأة ستتخلى عن رهابك اليومي ليستقبلك سكون وهدوء يربت عليك بدفء إنساني يعيد إليك السكينة. أخلاق الباب وشريعته الذي ودعته وأغلقته للولوج المطمئن الآمن سيستقبلك ببشر الدخول... وبدفء المكان وبدفء الإنسان الذي ينتظرك إن كان موجودا وإن لم يكن فأنت دخلت في محيط السكينة والدعة ودفء الرضا - ستعلو ابتسامتك التي هربت منك طوال النهار تحت ضغط الناس والمتعاملين وجماعة المحيط الخارجي الذي يقظصي سلبياته وطاقاته غيرالإيجابية؛ لتلتقط ابتسامة حانية هنا وربما لمسة يد تربت عليك تهدهد وجعك وتنسيك ما كان خارج الباب لتدخل إلى عوالم وشريعة يضفيها الباب عليك شريعة الرضا بالمكان و بدفئه ودفء من معك وستمسك بظل من حنان يتفجر مع هذه الإنسانيات المغايرة... وعندها ستتخلى طواعية عن قسوة ملامحك وستفتح طاقات من الود تشعرك ببشريتك وإنسانيتك . الباب الذى انغلق عليك الآن سيداريك عن الخارج وسيفصل بين عالمين مختلفين، والباب الذي أغلق عليك ظاهره من الخارج يطل على الزحام والفضول والقلق، والرائين ومشكلات كل هذه الملايين وضغوطهم وطاقاتهم السلبية، وباطنه الداخل ظِل مختلف. وسكينة وهدوء. وبسمة يستقبلك بها مكانك اللطيف الآمن فتتحلى أنت بأخلاقك الأصيلة وتتخلى عمّا تمترست خلفه طوال يومك وتعلو استقامتك وتتحلل من جمود وضعك القوي الخارجي لتنحل رتابة استقواء قيم الخارج وتحل مكانها قيم الراحة والهدوء والتحلي بالاستراوح ونعومة من حولك وستضفي عليك أشياؤك ودفء ما تمتلك من رضا وسكينة بهاء اللحظة وجماليات الروح وستتجلى في نفسك. الباب رحمة لأنه يفصلك عن عالم ضابح آن لك أن تستريح منه وسيدخلك إلى عوالم الدعة والرضا والدفء الإنساني الذي يضم أناسا من لحم ودم ينتظرونك بالبشروالترحاب والسعادة والباب الذي ينفتح لك بيسرهونفسه الباب الذي يستعظصي على الغريب أوالقادم عنوة غيرالمرغوب فيه . الباب سيظلل وُجاء من حر الشارع وابتراد المشاعر في الخارج وأنانية الناس ونظرائهم الرائية وربما الحاسدة أحيانا أوالخانقة
للباب قيم وقوانين وشرائع .. حين نخرج منه إلى معترك الحياة والشارع والعمل والمواصلات سنتخلى عن هذه الشرائع - وعن التزاماته وقوانينه - سنتجمل وسنلبس أجمل الثياب ونرسم وجوهنا وبسمتنا وضحكتنا.. وسنتدثر بالجد والجدية والنشاط والحيوية وكل منا سيقصد وجهته، العامل إلى عمله وصنعته والموظف إلى مكتبه والطالب إلى مدرسته أو كليته وهكذا كل سيسير بجدية لا يلوي على ءشيء سوى البحث عن طريقه وأداة توصيله إن كان قطارا أو سيارة نقل «باص» أو سيارته الخاصة أو سيارة أجرة أو حتى بالأقدام - كل يجري في موعده إلى مبتغاه وفي العودة العكسية بالدرب نفسه إلى أن يصل إلى بابه فيضع المفتاح في رتاجه أو مكمته ليدخل إلى رحابة منزله المنتظرة إن كان بمفرده أو ستلاقيه زوجته أو أسرته أو إخوانه.. ليتحلل من كل صلابته وجديته.. ليدلف إلى مكان مختلف. يبدأ من ولوج الباب إلى حين الوصول إلى سمت المنزل وداخله وهناك سيخلع ملابسه ويتحلل من أفكاره من تجهمه من جديته - من وقاره الشديد ليتحول بفضل الباب المغلق إلى كائن آخر وتتلبسه لبوسات أخرى مختلفة عما في الخارج وهو متسلح بالنشاط والهمة والبحث في الأفق عن الخطوة التالية ليفتح لنفسه دربا نحومبتغاه الأخيرالذي يقصده عملا أوسياحة أوسوقا للتسوق والشراء، لكنه سيحاور بجسده ويناور ویراود بحسه کي يمرق بين هذه الجموع التي تسير في نفق الحياة تجري وتلعب والكل معجون باللامبالاة. الكل يجري - فيلقحه زمهريرالقسوة الدافعة على اللهاث أو حتى شواء الظل حين يطول الانتظار في مناسك ومحطات قطارات المترو أو الباص أو أي وسيلة مواصلات تعج بأزيز حركتها في المدينة المترامية الواسعة التي يؤمها الآلاف بل الملايين لا يلوون في الظاهرعلى ءشيء ولكنهم منومون مؤلدجون مبتعثون إلى مقاصدهم... حين تخرج من الباب ستكون جزءا من هذا اللهاث اليومي ستتدرج معهم وتصيرمجرد أشباح تجري يمنة ويسرة في تململ أحيانا وبهمة أحيانا وبدافع فطري لاتدرکه، هدفه الجري وراء المبتغى غير الواضح.. حين تخرج من باب المكان تتحول إلى مجرد رمزإنساني أو بشري يمثل فتنة الزحام وقهرالانحشارفي الآلاف أو في أدوات المواصلات. نتخلى عن كل ءشيء إلا جدية مصطنعة وبسمة باهتة أو غير
أحيانا أوالغاضبة أحيانا بلاسبب ظاهرسوی جحيم السعي غير المرتب والبحث عن خلاص لا يأتي وتكون الحياة ضروبا من إشكالات متجددة لاتنتهي فيتم رمي حمولات وعثائهم عليك أنت الصامت في سعيك الجاد والمتجهم مثلهم في سياق لهاث أبدي سائد دوما بلا وصول أوبلا انتهاء. الباب الآن انغلق عليك ففاض بسكينته - وأوعز إليك بسرعة الهدوء وحنان الجدرالمحيطة بك المتطلعة إلى أنفاسك وروحك كي تتصاعد منها نشوة التواصل الحميم مع سيدها الذي غاب عنها كثيراً، فتبشر بالبشر وتطل عليك برضا يتلبسك في حنان يضمرك منذ ولجت من باب هو الخطوة الأولى نحو جنتك الصغرى أوجنتك الدنيا. الباب يمتلك ما يضفيه عليك من موسيقى مفصلاته حين تنشر بفرح وهي تتسمع خطوك العائد إليها بعد غياب، شريعته الفرح في الاستقبال ودعوات السلامة في الوداع، الباب ليس أصما ولا كتلة من خشب ومساميروألوان، الباب تواصل حميمية فرح مستدام لمجرد أن تتعامل معه وتجبره على أن ينفصل مصراع عن مصراع لتفتح كوة تسمح لك بالمرور وهو منصاع في حركته من أجلك ويدور حول نفسه من أجلك لا يفعلها للغريب أوالمعتدي أوالآثم القادم بالشر... لاتستهين برقته.. ولا تحقرمن فعله حين يطيعك ويلتف على نفسه من أجلك كي تمرق عن جنباته... وإذا ما تعاملت معه بعمق ستجده بابا من رحمة ودفء يسهم دون أن تدرك في إسعادك ويضفي عليك بهاء الرضا والسكينة والسرعة
عبد الفتاح صبري روائي وناقد مصري
موجودة من الأساس فننظر في فراغ محدقين في اللاءشيء الذي لا يتحقق أبدا .. طابور المصعد يئن من بطء غيرحنون، وبلادة الحركة وعدم عدالة الوقت حين يضيع على أعتاب أقدامنا التي تتجسد في وقفتها في انتظاردورنا في الصعود أوالنزول أوالانتظار. حين نخرج من الباب تستقبلنا شوارعنا الممتدة في غير رحمة والمزدحمة في غير ترتيب. والمتداخلة حد الشبكة العنكبوتية فتصيبك بدهشة التحلل من قيم نمارسها خلف الباب، وتلبسك لبوس الجهامة والتأمل والسؤال والبحث دوما عن الخلاص والتوصل إلى حل ينجي من هذه الاشتباكات فتنحو للأنانية كي تتخلص من هذه الاشتباكات الإنسانية المعقدة في طريقك إلى عملك ومبتغاك لتبحث عن خلاصك وطريقك الأسهل خلف هذه الجموع وخلف تلك الكتل البشرية المصابة بداء التراخي في حركتها أحيانا أو المتجمدة عند فواصل الشوارع والدوارات - فتضطرللبحث عن نفسك للخلاص السريع - لأنك ستتخلى عن هدوئك وكمال التزامك أيضا لتصاب بالتوتروالعصبية والقلق. وحين تمرق من كل هذه الوعثاء وتصل إلى مكمنك النهائي ستجد أنك لابد رغم إجهادك من أن تتأنق وتتصنع وتضع ابتسامة ولو صناعية على شفاهك.. إذا ستتعلم النفاق والممالأة والدهان كي تعيش في بيئة العمل وأنت مرتاح لنظرة الآخرين التي اشتريتها بهذا التجمل والتمترس خلف المصنوع متخليا عمّا تضمره فتصاب بالضغط والسكري ومرض الملاوعة ونكران ذاتك كما تريد هي. وحين تعود إلى رحلتك العكسية بالطرق النفسية والبدنية نفسها التي ارتديتها في رحلة الصباح لتدق بابك أوتدع مفتاحك يدور في مكمنه لينفتح مصراعيه وتدخل إلى سكنك أو دارك متخليا عن الكتلة الضاجة خلفك في الشارع والمواصلات أو حتى إن كنت
2023 أغسطس 286 / العدد 71
70 شريعة الباب
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online