سرد الذاكرة
)16 ذكريات زمن البدايات ( مجلس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في مدينة العين
مجلس شعروأدب وثقافة عامة. وكنت محظوظا بحضوري الكثير من لقاءات القائد بالأدباء والمثقفين عموماً، وأصغيت إليه وهو يناقشهم، ويفتح أمامهم أبواب الموضوعات التي تهم الإنسان العربي، وخاصة المواطن في دولة الإمارات. خضرة الصحراء اهتم الشيخ زايد - رحمه الله - بالصحراء، فكانت علاقته بها علاقة حب حقيقي، ولا أنؠسى كم كان يعشقها، ويتفرس رمالها. لقد كان وفيـا لها؛ فهي التي فجَّرت ثروة النفط، وهوالذي رد لها الجميل بالجميل، فسهربنفسه على أن ينشراللون الأخضرفيها. وهذا ما جعله يحول مساحة كبيرة من الصحراء إلى مزارع وزعها على المواطنين، وقدَّم لهم المساعدة المادية والفنية، وطلب من المسؤولين في جميع البلديات القيام بشراء محاصيل المزارع وبأثمان تحقق للمواطن الربح وتشجعه على الاهتمام بالزراعة. كما اهتم - رحمه الله - بشجرة النخيل، تلك الشجرة المباركة التي كانت خيرصديق وقت الضيق، حتى بلغ عدد أشجارالنخيل في الإمارات ما يزيد على ثلاثين مليون نخلة. واهتم بتنمية ثروة
من هذا الإنتاج النصف مليون دولار يوميـاً؛ فسعر البرميل كان أقل من دولارين، وعائدات الدولة كانت أقل من دولار عن كل برميل ينتج. ولكن منذ البداية، أعلن الشيخ زايد أن جميع عائدات البترول ستستخدم لمصلحة الشعب، فقال قولته التاريخية: «إذا كان الله سبحانه وتعالى قد مَن علينا بالثروة، فإن أول ما فعلناه؛ لكسب رضا الله وتوفيقه هو تسخيرهذه الثروة لخدمة الشعب». فكر وأدب كان - رحمه الله - شاعراً، وشاعرا مبدعاً، وإن كان لم يقرأ دواوين الشعراء القدامى، إلا أنه كان يحرص في مجلسه على الإصغاء لأولئك الذين قرؤوا وحفظوا شعر الفطاحل السابقين والمعاصرين، ومن هؤلاء الحفّاظ: عبد الله العتيبة - رحمه الله - الذي كان موسوعة في حد ذاته؛ فقد كان يحفظ شعر عنترة والمتنبي وغيرهما.... وكان يحب الشعر، وينظمه على الفطرة. واهتم الشيخ زايد بنظم الشعر النبطي حيث شاكى كثيرا من الشعراء وشاكوه كذلك، وفي مقدمتهم معالي الدكتور مانع سعيد العتيبة رفيق مسيرته الذي لم يكن ينقطع عن مجلسه إلا في مهماته الرسمية كوزير للبترول أو كمبعوث خاص للكثيرين من رؤساء الدول العربية والأجنبية. وكان لي شرف الإشراف على طباعة كتاب «الشعر والقائد» للدكتور العتيبة، وهو أول ما نشررسميا من شعرالشيخ زايد. وقد اهتم ـ رحمه الله ـ بشعراء الإمارات، وأصغى إلى شعرهم، وكان كريما في مكافأتهم على إبداعهم، ما أدى إلى نهضة غير مسبوقة للشعر والشعراء في الدولة. لقد وجَّه سموه بفتح الأبواب على مصاريعها أمام الأدباء في الصحف والمجلات والإذاعة والتلفزيون، وكان مجلسه يزخر بالعديد من أدباء الإمارات والدول العربية، وهذا ما جعل مجلسه
ورغم أنني في ذلك العام، وفي ذلك اللقاء الأول لم أتجاوز الثلاثين بعد، فإن الفرصة التي أتيحت لي للتحدث إلى القائد - رحمه الله - كانت تاريخية، ويومها سألني عن اسمي وبلدي وحياتي الأسرية، وأجبت عن أسئلته وأنا غيرمصدق أنني أكلم القائد بهذه البساطة وبهذا الحب. ومنذ ذلك اللقاء الأول، بدأت شخصية القائد تتضح أمامي؛ فهو برغم عدم حصوله على الشهادات العلمية العالية، فإن ثقافته التي بدت واضحة من خلال حديثه مع المواطنين الذين حضروا إلى مجلسه، جعلتني أقتنع أنني أمام زعيم حقيقي مليء بالمعلومات، وخاصة في المجالات السياسية والأدبية. اتخذ سموه في تلك الجلسة قرارات عدة خاصة بتقديم الدعم المادي والعمراني للمواطنين في المنطقة الغربية (ليوا)، ولم تدخل تلك القرارات إلى المتاهات الإدارية، بل تم تنفيذ بعضها على الفور، والباقي لم يحتج لأكثر من يوم واحد. ما زلت أذكر بعض ما ركز عليه في حديثه إلى المواطنين، مثل: الاهتمام بتعليم الجيل الجديد مستشهدا على ذلك ببيت الشعر: العلـم يبنـــــــــــــــــــــي بيوتـــــــــــــــــــــــــا لا عمــــــــــــــــاد لها والجهـــــل يهـــــــــــــــدم بيت العــــــــــــــــــــزوالكـــــــرم
خليل عيلبوني ، في مدينة العين، حيث كُلفت 1971 كان اللقاء الأول في فبراير بمهمة تغطية اهتمامات القائد الراحل بالزراعة. ولأول مرة أدخل إلى المجلس في قصره القديم في مدينة العين، وأصافحه وأتحدث إليه. فالرجل كان ذا هيبة مميزة. ولكن منذ اللقاء الأول، أدركت أنني أمام شخصية لا تنتمي إلى زماننا هذا؛ حيث يحيط الرؤساء أنفسهم بحراسات مشددة، وأسوار منيعة تجعل الوصول إليهم مستحيلاً، وخاصة على أبناء الشعب البسطاء. في مجلس زايد، رأيت لأول مرة كيف يلتحم القائد بشعبه، وكيف تزول الأسوار والحواجز، وكيف يشعر المواطن بالندية، وأن صوته مسموع ورأيه مهم. «هلله بالخير يا زايد..»، كان هذا
أول ما سمعته من مواطن جاء من «ليوا» للسلام على سموه. «هلله بالخير، اقرب يا سفيان»، ذلك جواب الشيخ زايد. فوجئت أن سموه يعرف الجميع بأسمائهم. لا أستطيع إنكار الدهشة التي شعرت بها وأنا أصغي إلى مواطن عادي ينادي الشيخ زايد باسمه، ولاالانبهارالذي أصابني وأنا أسمع رد الشيخ عليه. تكرر المشهد مع مواطنين آخرين لتحفر صورة لم تتغيرحتى اليوم.
كذلك الزراعة، حيث أكد أن الجميع يجب أن يعمل؛ لكي يغطي اللون الأخضركل رمال أبوظبي. في ذلك الزمن، كانت القدرة المالية لأبوظبي 600 محدودة؛ فالإنتاج النفطي لم يكن يزيد على ألف برميل في اليوم. ولا تتعدى عائدات أبوظبي
خليل عيلبوني
93
92
2023 أغسطس 286 / العدد
مجلس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في مدينة العين
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online