مجلة تُراث عدد 286 - أغسطس 2023

سرد الذاكرة

نسامح أخانا إذا أخطأ». وكان هذا التصريح بداية كسرالحصار الاقتصادي على العراق، وبداية تدفق المساعدات الإنسانية إلى الشعب العراقي. كما أننا لا يمكن أن ننؠسى أنه - رحمه الله - أول من استخدم سلاح البترول. وبحكم عملي مع الدكتور مانع ، فقد 1973 العتيبة الذي كان وزيرا للبترول في أثناء حرب أكتوبر أتيح لي أن أعيش هذه القضية؛ إذ لم يتحمَّل - رحمه الله - قرار وزراء البترول العرب خلال اجتماعهم في الكويت، والذي لم يزد شهريا إلى أن يتم وقف الدعم 5% على تخفيض الإنتاج بنسبة للعدو الإسرائيلي. وأعطى تعليماته الحاسمة إلى معاليه لعقد مؤتمرصحفي والإعلان أن دولة الإمارات العربية المتحدة قررت قطع البترول عن الولايات المتحدة الأمريكية والدول التي تؤيد العدوالإسرائيلي. كان القرارشجاعاً، وحكيما في الوقت نفسه، إذ قامت الدول العربية المنتجة للبترول فيما بعد بتبني هذا القرار، وقطع النفط عن مؤيدي إسرائيل وداعميها. وكان لهذا القراردوره . 1973 المشهود في تحقيق انتصارأكتوبرالمجيد عام حكاية بعد القصيدة ، وكنا 1975 حدثني الشيخ زايد - رحمه الله - ذات يوم من عام في قصر «الجرف»، وبعد أن ألقيت أمامه قصيدة طويلة كنت قدمتها للإذاعة بعنوان «أم الرجال» أتيت في أحد أبياتها على ذكر سمك القرش، فقال رحمه الله: كنت في البحرلصيد الجراجير، وكان مركبنا صغيرا يتسع بالكاد لأربعة أشخاص، ومعنا أداة لصيد الجرجور، وهي عبارة عن رمح ينتهي برأس مدبب معقوف بحيث إذا أصاب الجرجور، يعلق به كما تعلق السمكة بالسنارة،

الجِمال في الدولة أيضاً، وكان يشجع المواطنين على الاهتمام بهذه الثروة من خلال تقديم الدعم المالي للمواطن على كل جَمل يمتلكه، ويعود هذا الاهتمام إلى وفاء سموه للجمل كصديق كان له دور فاعل في أيام الشدة قبل ظهور النفط في البلاد. زعيم متفرد أعد نفؠسي من المحظوظين القلائل الذين جمعتهم بالشيخ زايد - رحمه الله - علاقة مميزة؛ فقد كان يغمرني بعطفه، ويخصني بالاهتمام، حتى إذا ما التقيته بعد غيبة طويلة يقابلني بالترحاب، ويناديني باسمي الأول «خليل» ضاحكا باسماً، ما يُشعرني بالاعتزاز، ويجعلني أحس أنني لست أمام رئيس دولة عظيم فحسب، بل أمام صديق حميم.. يشعر بوجودي، ويسأل عن أسرتي، ويتابع أحوالي العملية والصحية. ولقد أتاح لي - رحمه الله - أن أحضر معه لنتحدث في كثيرمن الأمور، وأتعرف فكره وتوجهاته. ولعلني أستطيع ذات يوم أن أجمع هذه الحوارات التي دارت بيننا في كتاب يحفظ للأجيال بعض جوانب شخصية زعيم متفرد، وفارس ندر وجود مثيله. جمع - رحمه الله - بين صفات الزعيم القائد وما يتطلبه ذلك من حزم وحسم واتخاذ القرارالمناسب في الوقت المناسب، وصفات الوالد الرؤوف والصديق المقرب من الجميع. كنا أمامه نشعربعظمته وهيبته من غيرأن يصيبنا الخوف أو نتخلى عن طبيعتنا. كنا نشعر أنه قريب منا، يعرفنا واحدا واحداً، كنا حقيقة نحبه ونستمتع بوجوده معنا، ولم نكن نفكرلحظة باستغلال هذا القرب لطلب ءشيء خاص برغم إدراكنا أن كل ما نطلبه منه يستجاب. كان - رحمه الله - بجود

ولا يتمكن الجرجور من الإفلات؛ لأن الحبل المربوط بالرمح مثبت في مقدمة الزورق. وفجأة ظهرأمامي جرجور ضخم جداً. وجَّهت إليه الرمح، فأصبته إصابة موفقة جعلت رأس الرمح يدخل داخل جسم الجرجور الذي أصابته المفاجأة بالجنون.. وبسرعته الفائقة، جر الزورق الذي كنا فيه، كنا أربعة رجال، وبدأ الزورق يمتلئ بالماء، وأوشكنا على الغرق، فلم أتردد في شَهر خنجري، وقطع الحبل؛ لإنقاذ المركب ومن عليه. أدركت وأنا أستمع إلى الحكاية أن الشجاعة ضد التهور؛ فشجاعة الشيخ زايد - رحمه الله - هي التي جعلته يقرر في اللحظة الحاسمة أن يقطع الحبل ويتخلص من الخطرالمحدق به وبمن معه إعلامي وشاعر

حاتم الطائي، وحلم معن بن زائدة، وحكمة لقمان، وشجاعة خالد بن الوليد. لقد شعرالمحيطون بالشيخ زايد - رحمه الله - باليتم بعد موته؛ لأنهم فقدوا برحيله الأب الحاني والصديق الوفي والمرشد الموجه والمنجد الملبي.. فإذا تأخر أحدهم عن مجلسه أوعمله، سأل عنه، فإن كان مريضا عاده واهتم بعلاجه، وإن كان في مشكلة، قام بمساعدته على حلها والخروج منها. كان - رحمه الله -يهتم حتى بـ«المقهوي» الذي يصب له القهوة، وبالحارس الذي يحرسه، وبالمسؤول عن مطبخه.. والحديث عن هذا الجانب لا نهاية له، ولكني شاهدت بنفؠسي كيف كان يتعامل مع العاملين لديه، وكيف كان يصغي إليهم ويشاركهم أفراحهم وأتراحهم. إنه سجل حافل وزاخربالإنجازات التي جعلت المواطن في دولة الإمارات متمتعا بحقوق وامتيازات لا يمكن لأحد إنكارها أو تجاهلها. نصرة الإنسان العربي اهتم المغفور له بإذن الله تعالى بالإنسان العربي، وكانت له مواقف كبيرة في نصرة العرب، ومن أمثلة ذلك: قضية فك الحصارالاقتصادي عن العراق بعد أن علم - رحمه الله - أن ذلك الحصارتسبب في موت كثيرمن الأطفال. وبادربإعطاء تعليماته بإرسال كل المواد الغذائية والطبية وغيرها إلى الشعب العراقي. برغم خلافه مع القيادة العراقية، آنذاك، التي أدخلت العراق في حرب أضرت به وبجميع الدول المجاورة. وكنت محظوظا وأنا أصغي إلى القائد وهو يقول، بعد أن استمع إلى قصيدة الدكتور مانع العتيبة: «نحن العرب نصالح عدونا، ولكننا مع الأسف لا

95

94

2023 أغسطس 286 / العدد

مجلس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في مدينة العين

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online