مجلة تُراث عدد 287 - سبتمبر 2023

سرد الذاكرة

الاجتماعية والحياة بشكل عام، تلك المجالس خرّجت من الأجيال من هم اليوم يشغلون أعلى المراتب، ومن هنا كان لكل نظرة عين أثرها في التربية، ولكل حركة أو إشارة مدلولها الذي يفهمه الشاب وتفهمه الفتاة، في المجالس فوائد جمّة، ومتعة لا تضاهيها متعة، حيث يجتمع الكبارمن الأجداد، والآباء يتواصلون ويقضون أوقاتهم بين عمل واستمتاع، وزيارات، هناك حركة مجتمعية أبطالها أبناء المجتمع الذين في ترابطهم وحدة القلوب، والعقول كذلك. تهتم والدتي بالتفاصيل الصغيرة من «غْدان» الثياب الذي تعلّق عليه الملابس بعد الغسيل إلى ذلك «الكاتلي» المُذهب الذي لايوجد له شبيه، فقد اقتناه والدي من سفراته المتعدّدة، هو سرير للنوم تعلوه ستارة من القماش الذي يسمى «مزرّاي» مثبتة على أعمدة أربعة تحيط بالسرير، ويبدو كأنه مهيئ لليلة زفاف، البيوت القديمة لها رائحة الحب وعبق العود والعنبر، جدرانها حكايات وخرافات وخيال وجمال وأغنيات وقصائد تشق صدرالليل، كم من عاشق مر بتلك السكيك يترنح وجدا وهوى عالقا في الروح، للحب نكهته الخاصة ومداه واتساعه وأثره في تلك الأيام الجميلة والليالي المُقمرة، والحشمة التي جمعت أبناء المكان، كل فرد منهم مسؤول عن أهله وعن جيرانه، هالة من الحب والتعاضد تسود المجتمع، كم كان رائعا وبهيا ذاك الحب الذي يتقاسمه الناس كأنهم عشاق من زمن الصبر. تفاصيل صغيرة تتصل بنا، بالمكان من حولنا، تلك الضواحي والمزارع المحيطة بالقرية يقغضي أصحابها فيها أجمل الأوقات، يزرعون ويحصدون، وكم من عود «همبا» تفيأنا تحت ظلاله، وكم قطفنا من عطايا الله حبات ليمون طازجة، و«خرايف»

رطبها كلون الذهب يتلألأ في كفوفنا خيرا وفيرا يتقاسمه الناس هو رغيف الحياة البسيطة الذي يبعث السعادة في النفوس، ويشيع البهجة لا حقد ولا حسد. في الليالي المقمرات المُنيرات وعلى «المنايم» واحدتها «منامة» تتحلق البنات حول الجدات والأمهات يستمعن للخراريف التي تعلمهن قيمة الأسرة والوالدين والأرض تلك التي ينتمين إليها وتهبهم جميعا من خيراتها الكثير، عند البحر تُعلّق أمنيات «البديحة» وفي مساحات الصحراء الشاسعة يتسلل «يِمَل حمدان» القابع في مكانه «بارك في محلّه كما يقولون» لينطبق عليه المثل القائل في خروفة متداولة «كل المراعي ترعى وترتعي، إلا يمل حمدان في الظل بارك» هي الحكايات والبدايات، والزمن الأجمل بكل هالات الفرح التي خلّفها في أرواحنا، وعلى عطرها القابع في الذاكرة نُقيم

ميالسهممدارسهم

شيخه الجابري عند تلك النخلة الساكنة في قلب الحوش الكبيرحيث عريش البرستي، وبعض دجاجات ينقرن الأرض، ويعبثن بكل ما هوصغير ورقيق ودقيق من خَشاش الأرض وبقايا الطعام، وأمي زينب تلك السيدة البهية، حنطية البشرة، فارعة الطول، دائمة الابتسامة التي جاءت من مكران واستقرت هي وأسرتها في تلك البقعة الحبيبة من بقاع الأرض، ورافقت والدتي سنين طوال تهتم بها وبنا، وتهيئ ما نحتاجه، وتقف مع والدتي في كل شاردة وواردة، تسافرمعنا وتعود، تهتم بتفاصيلنا الصغيرة، ويكبرأبناؤها معنا، فنصبح كالأشقاء وإن لم يجمعنا الدم، أوحليب الأمهات. كانت تهيئ المجالس النسائية التي تستقبل فيها والدتي ضيفاتها وجاراتها، يحتشدن ويتجمعن في المناسبات الدينية والسنوية، وفي الليالي المُقمرات البهية، يتسامرن، يتبادلن أطراف الحديث، يتناولن قهوة الضحى، ويتشاركن التفاصيل الصغيرة من تبادل الأطعمة والوجبات، والخبرات، يجلسن في حلقات عند الضحى، واحدة تضرب التّلي، وأخرى تصنع البوادل، وثالثة تُحيك ملابس الرجال، وأخريات يقفن على بَخّارالملح، والتمر، والمؤن لتوفيرالنواقص، حياة مفعمة بالحب وبالعمل، وبالنشاط والحيوية والفزعة، مجالس النساء تُشبه مجالس الرجال فهي مدارس تربوية تعليمية طازجة ومؤثرة، وذات حضور طاغ بما يدور فيها من أحداث وأحاديث. «الميالس مدارس» هذه حقيقة لمسها من عاش في حقبة المجالس المفتوحة، مجالس الرجال وكذلك النساء، حيث يتعلم النشء في تلك المجالس ومن تلك التجمعات الرجالية والنسائية الكثيرمن القيم والمبادئ وأصول التعامل والمعاملات، و«سنع» العلاقات

باحثة وأديبة من الإمارات

129

128

2023 سبتمبر 287 / العدد

ميالسهم مدارسهم

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online