مجلة تُراث عدد 287 - سبتمبر 2023

التراث المعماري الحديث في الإمارات.. أصالة وابتكار واستدامة

التصور الافتراضي اليوم لم تعد هناك قبة ولا ضريح ولا حتى إشارة إلى وجود ذلك الضريح، فلعل التنقيب الذي بدأ حديثا ومتأخرا جدا لم يبلغ مبلغه العميق حتى الآن ولم تصل كشوف علماء الآثار إلى هذه المرحلة التي تؤرّخ ضمن القرن الثامن عشر، ومن المؤكد أن الضريح قد ناله التخريب إثرفترة التعصب الديني الوهابي الذي طال أجزاء من الجزيرة العربية. ولكن دعونا نضع تصورا لذلك الضريح الخاص بزين العابدين بن عبد الله الحداد، إنه يبدو في المخيلة على شكل قُبة بيضاء كُروية، موصولة من العالم الأرعضي إلى العالم السماوي، هكذا تبدو القِباب الإسلامية الضريحية، وقد يحوي الضريح شبابيك وخزائن حائطية، ومدخله حتما في اتجاه المحراب أو أحد الأضلاع الجانبية، ولا شك أن للقِباب الضريحية دلالات ورموزا روحية يخضع لها المريد بالخشوع ويستشعرالعظمة والصفاء الداخلي مُحاطا بالإيحاء والارتقاء . جماليات ودلالات إن معظم المنازل بُنيت من «الأورال» البحري، وهي الشعب المرجانية والأصداف. الأبواب المقوسة: تكثرفي الجزيرة الحمراء بيوت ذات أبواب مقوسة على شكل حدوة الحصان، والقوس رمزروحاني يعادل دلالة التأهب والاستعداد والتهيئة، وانبثاق الزائرللدخول الحُرنحوالفضاء الساروالمُشرق عبر المدخل المُرحَب به، وعبر عتبة تحكي قصة التلاقي مع شعوب الأرض. الأيقونات النباتية والطيور: تكثر هذه الرسومات على الرواشن والأعمدة ونقوش العتبات والمداخل والأبواب والسقوف الجصية والفواصل الجصية بين الغرف أو الليوان، ويبدو أنها مقتبسة من الهندسة المعمارية الهندية وغابات الهند العظيمة إثرالتلاقي التجاري العريق ما بين الهند والخليج العربي منذ حقب مديدة من تاريخ الاتصال والتواصل الحضاري، فنجد بتلات زهرة اللوتس على شكل موتيفات تجريدية متناظرة. الرموز الفلكية الإسلامية: مثل الهلال والنجوم أوالدورة القمرية وحافة قرص الشمس الدوّارالمنبثق عنه دوائرصغيرة متناظرة ومتوازية: وقد تكرر ذلك التأثر بالفلسفة الشعبية الصينية عبر رموز لا مباشرة من خلال التشكيل الملخص في (التناغم) تناغم ورقتين متشابهتين واتحادهما وسط فراغ هائل، أو رموز متضادة في لونها واتجاهها، لكنها متشابهة في شكلها، كدلالة

موحية بـ(القطبية) فكل الأشياء المتضادة تعطي حياة/ والتشابه وعدمه هو الآشيء نفسه/ ثم إن كل الحقائق ما هي إلا أنصاف حقائق، وقد يمكن التوفيق بين المتناقضات كلها، كمبدأ أصيل في التوازن ما بين اللين واليانع. الدوائر: كذلك نجد على الأبواب الأشكال الهندسية المتداخلة بتبسيط متناه ومكرر، مثل الدوائر التي تحوي في أرحامها المربعات ويعلوها قوس مقطعي. تكرارالوحدة الواحدة والفراغ والتوريق والتسطير. الخطوط المستقيمة: ثلاثة خطوط تأخذ شكل شعاع الشمس المخترق للدائرة (الأرض) وخاصة على مداخل أبواب البيوت. عناقيد العنب: كما برز التأثر بالطابع البيئي اليمني عبر تنميط جمالي لرسم أوراق العنب ذات الثلاثة فصوص، وعناقيد العنب المتعانقة في انحناءات وحلزونات تتخذ شكل كؤوس مكررة. النقط: نجدها بوضوح على شكل نقطة مركزية على باب فرعي داخل البيت، أوتبرز كمساميردائرية تأخذ تشكيلا منسقا بدقة وموزعا بين فراغات هائلة على الأبواب الخشبية للبيوت. وللنقطة دلالات روحية عميقة، فهي الوحدة التي ظهر منها كل امتداد طبيعي تصميمي للمكان والزمان والحدث، هي مركزالوجود الذي تدور حوله أفلاك الأشياء، هي الجزء العظيم الذي يتجزأ بديمومة كبيرة، وتعود الأجزاء إليه. وما الحياة إلا نقطة بين نقطتين (حياة

/ موت). يقول الحلاج: «النقطة أصل كل خط، والخط كله نقطة مجتمعة، فلا غنى للخط عن النقطة، ولا للنقطة عن الخط، وكل خط مستقيم أو منحرف هو متحرك من النقطة بعينها، وكل ما يقع عليه بصرأحد فهونقطة بين نقطتين». الشعاع: تتكرر الأشعة المتوازية في التشكيل المعماري وخاصة على مداخل البيوت والأبواب والممرات الفاصلة بين الغرف. الخطوط المتموجة: تكون على شكل موتيفات مبسطة تجريدية متناظرة تشكّل إطارا لعتبة باب مربع أو إطارا متموجا مقوسا للأبواب أوالنوافذ أوبين ممرات الغرف والليوان. ولشكل الموجة دلالة الحركة والنشاط والتدفق، وهي مستوحية في البيوت الشاطئية من البيئة البحرية. وقد يكون التموج الناعم دالا على حركة التيارالهوائي وانتعاش البيت ببركة الطاقة والرزق. الكتابة الدينية: تكثر على السقف العالي لباب البيت المواجه للفناء الخارجي والعابرين أو الزائرين، وهي متكررة بعبارات مثل: (الله أكبر)، (بسم الله الرحمن الرحيم)، وتأخذ طابعا وظيفيا للإعلان عن هيبة أهل البيت ووقارهم وأمانهم، كما أنها بمنزلة دعوة الزائربالتلفظ المبارك أوالاستئذان المشروع بكلمات الله قبل الدخول إلى أهل البيت. البرج: كان البرج يشكل جزءا رئيسيا من الوحدات الدفاعية

للمنطقة، استخدمت في بنائه الدعامات الخشبية المأخوذة من أشجارالمانجروف وسعف النخيل والحجارة المرجانية وحجارة الشاطئ، واستعان العمال على ترميمه عبر حقن خليط من المواد التقليدية في جدرانه، مثل الجيرلتدعيم المبنى. ولم تدخل في أعمال الترميم أي مواد كيماوية أو حديثة، وذلك لمحاكاة طريقة البناء الأصلية والحفاظ على الهوية التاريخية للموقع كاتبة وروائية إماراتية الهوامش والمصادر: م. 2007 ، هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، 23 . رحلة إلى الصير، أحمد راشد ثاني، ص 1 . تصوير: لولوة المنصوري. 2

59

58

2023 سبتمبر 287 / العدد

الجزيرة الحمراء ذاكرة عمرانية متجذرة منذ قرون

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online