إضاءة
خلف الباب
ماذا عن اللهب - النارالتي نشعلها بأيدينا أوتشتعل هي من تلقاء نفسها - ما هي هذه النار؟ ما كنـهها؟ ما مكوناتها؟... أي عظمة تلك تتقد وبسيطرة نستغلها وإذا فقدنا السيطرة عليها لا تبقي علينا أو على غيرنا- ما هي مادتها وعناصرها؟ ما هذا الذي يشتعل ويهيئ لنا الخشب والحطب والورق والأشياء؟ .. لكن المُحرق ما هو؟ كيف داخله وباطنه وظاهره؟ رغم أنه محسوس بالنظرولا نطيقه ولا ندركه باللمس أوالاقتراب. الهواء لانراه ولاندرك إلاأثره.. ما هوالهواء؟ ما هوكنهه ومكوناته؟.. نشعربه نسيما نحتاجه في قيظ الوقت ويتحول إلى سموم بقدرة خالقه وإلى رياح عاتية تقلع المشجروالمدروتهلك الحرث والنسل والمبنى. ما هوالهواء هذا الذي نحسه ونشعربأثره ولا نراه؟ عشرات وعشرات بل آلاف من جنود الله ومخلوقاته نسمع عنها وربما نلمسها ولكننا لا نعرفها ولا ندركها. فأي عجزلهذا الإنسان ولهذا العقل حين يختلي بنفسه خلف باب موصد وحيدا مفكرا في نفسه وفي خلق الله من حوله يشعربعجزه أكثرأمام هذا الفيض المكنون وهذه الإدراكات العلوية وهذه النعم التي قد لا يدركها أحياناً.. خلف الباب.. وفي عزلتنا علينا التيقن بأننا مجرد أصفار صغيرة وربما أقل في هذا الكون العظيم وفي هذا اللامنتهي والذي لا ندركه ولا نحيط إلا بأقل القليل جدا عنه- هذا الفضاء السحيق الذي يقاس بمليارات السنين الضوئية والمكتنزبمليارات النجوم
حين يغلق الباب، ويفرغ المكان من البشر.. أو حين يغلق على مكان ليس فيه أحد إلا أنا... ماذا يحدث لي؟ أو برواية أخرى ماذا يحدث لك أو لنا حين نخلص إلى الجلوس في مكان معتم من البشر.. بالنسبة لي أنفا؟سي هي التي تؤنسني رتيبها المنتظم.. ووجيب الأعضاء الأخرى المتناثرة فيّ.. ! تتوحد في رتابتها وفي انتظام حركتها البيولوجية.. في دورتها الأبدية المستمرة في استحضارحركتها دون انتباه مني إلا لصوت آخريفرض ذاته.. إنه صمت الفراغ المحيط حولي.. يحدثني بفداحة العزلة.. وانهمار صوت الأشياء المبهم وصوت الذات القارعة فيعلوهمس النفس الملتاعة في انكماشها.. رهبة الهدوء القاني يفتح للعقل شهية الجموح للبحث في متابعات ودروب الحياة وفراغات النفس التي تتكور لتندلق دوما بحرارة اليأس أو القنوط.. أو تفجير مكامن الوعي بالأشياء والأفكاروالرؤى وتجارب الوقت وحوارات السنين التي عبرت دون تلكؤ.. العزلة خلف الباب المغلق تهمي بالنفس وتدفعها للبحث عن معنى الحياة عن الخلاص.. عن الأبد اللامنتهي في صيرورة لا ندرك كنهها. ولا تفتح لنا دروبا للوعي بمكنون ما هو كائن أو موجود أو مفروض أونكون مأمورين به أومجبرين عليه بلا سؤال وبلا إقرار منا لأنه بإقرارعلوي. وعلينا اجترارحركتنا البندولية دون شغف السؤال ودون جنون البحث عنا فينا.. لماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ أسئلة الوجود القابعة في حنايا العقل بلا إجابة ولا مجيب وبلا منير يفتح لنا كوات تُهدّىء النفس الجياشة بأسئلتها والملتاعة بقلقها. العقل الكامن فينا لا يملك إلابحارا ولا يملك التصور ولا يمكنه لمحدوديته رغم أنه لامحدود من المعرفة أومن اليقين أو من الاسترشاد إلا بدفء الإيمان وعزيمة القبول والإذعان بالرضا. العقل محدود ولا محدود لأنه يمتلك طاقات لا نهائية من جنون الخلق والابتكار والعشق والمراودة والوقوف على ظواهر الكون المبسوطة أمام الإنسان بعظمة خالقها ومحدث دورانها وسكونها. هذا المكتشف العظيم ما زال وسيظل في حيرته وجهله أمام ما لم يكتشفه بعد وكلما وضع ضوءا على منجز شعرأنه أحقروأصغر وأن المحيط حوله عميق جدا وبعيد ولا يمكن الوصول إليه.. العقل البشري الذي هو في حد ذاته شحمة صغيرة حين تقف على تخومها ستجد العجب العجاب، وأن هذه الشحمة نورانية
والكواكب هل خُلق لنا نحن أهل الأرض فقط؟ سؤال يبحث الإنسان عن جوابه ولن يصل ولكنه سيظل يبحث ويكد إلى يوم الساعة. وبالتالي خلف الباب وفي عزلتنا يجب العودة إلى البارىء المصور الخالق صاحب الكون وصاحب البداية والنهاية جل شأنه وسلطانه. الأبواب صنعت لتكون مدخلا ومخرجا وعازلة ومهيئة الوقت والمكان لعزلة مؤقتة يمارس فيها الإنسان طقوس فكره كي يتأمل ويتعلم ويتصاغرأمام عظمة الكون وخلقه وأمام ما لم يدركه من ظواهروأشياء وحتى عن مخلوقات وجنود الله محيطة به لا يستطيع أن يحصيـها أوحتى يدرك منتهاها وفوائدها التي أرادها الخالق لها لنحافظ على الحياة والبيئة واستدامة الكون العظيم. العزلة خلف الأبواب ربما تفتح للعقل أحيانا مجالاته وتهدي لنا مسارات نفسية وذهنية تقودنا إلى فتح أبواب في قلوبنا وعقولنا نحونا ونحو الآخرونحو من نعايشهم في الحياة لتأكيد تواصلات من أحاسيس ومشاعرود وحب، وكره وبغض أحياناً، وربما تهدينا أحيانا هذه الأوقات الصافية خلف الأبواب من الصخب والناس مسارات دفء؛ لننعم بالرضا والسكينة حين تكون النفس مطمئنة هادئة متلقية بوعي الإيمان لقدرها ولحتمية وجودها. العزلة خلف الأبواب حالة لا بد من عيشها كي نتدثر بالأمن النفؠسي وطمأنينة الحياة ورضا السكينة
عبد الفتاح صبري روائي وناقد مصري
العقل والسيطرة وأنها سر أسرار الإنسان حين تحرك الأعضاء وحين تسيطرعليها بموجات كهرباء وموجات مغناطيسية ومعامل للصد والسيطرة وإنتاج آلاف المواد والعناصروالأملاح وكل بقدره وميسّرلما خلق له.. حين نتأمل كيف لهذا المخ البشري وبقدرة نورانية أن يدير آلاف العمليات في جزء من الثانية عمليات بيولوجية وكيميائية وهندسية وكهربائية وغيرها.. كي نتحرك.. كي نعيش كي نفكركي نحيا ونتألم ونفرح ونسعد ونصحووننام. العقل الكامن فينا الذي صنع الآلة وهندس الحياة وسيطر على الكون بمخترعات لا حصر لها ولا حدود لدورتها في حياتنا.. وكلما تقدمت البشرية زادت هذه المخترعات التي تفتح للبشرية طاقات للتقدم والازدهار وعلو الحضارة.. هذا العقل صاحب فقط، ماذا 5% الطاقات الجبارة يستمدها من إمكانياته بمعدل مثلا أو يزيد. هذا 10% لو فتح الإله لهذا العقل كي يتمكن من العقل رغم ما قدمه لنفسه وللإنسان وللبشرية ورغم ما أحدثه من تقدّم وعلو ومكانة الإنسان فإنه لا يزال قاصرا في الفهم والوعي بمدركات الحياة بل وفي فهم بعض الظواهر والمكنزات التي أحدثها الإنسان نفسه في عصور سابقة.. فما بالك بظواهر الكون.. وإشارات عن مخلوقات الله الأخرى وجنوده التي لا نعلمها وما تحدثه في حياتنا وفي صيرورة الحياة ودورانها.. ماذا عن السموات؟ وماذا عن الأرضين؟ وماذا عن الجنة والنار؟ ماذا عن الجن والملائكة والشياطين؟ ولا تبعد بعيداً.. ماذا عن تكويننا نحن؟ عن أعضائنا؟ عن حركتنا؟ عن الروح التي تهبنا الحيوية والحركة والاتقاد والوجود؟
2023 سبتمبر 287 / العدد 71
70 خلف الباب
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online