ارتياد الآفاق
«إيطاليا القرن السابع عشر» بعيون «أمير الحداثة اللبناني» م 1618 - 1613 رحلة الأمير فخر الدين المعني إلى إيطاليا
سبب الرحلة عندما عقد الأميرمعاهدات تجارية ناجحة مع دوق تسكانا وربح منها أموالا طائلة مكنته من تقوية جيشه وتطوير إماراته خاف العثمانيون من استفحال أمره فصدر الأمر للسردار أحمد باشا الحافظ بالمسير إلى ابن معن واسترداد الحصون والقلاع التي بحوزته فأعد جيشا ًعظيما يقوده أربعة عشر أميراً، وخمسون لواء (سنجقاً) أطبق على بلاد المعني من البر والبحر، فنصحه مستشاره بضرورة مغادرة البلاد للحفاظ على حياته وحياة عائلته لحين استقرارالأمور خاصة أن جيشه شديد الولاء له وسيتولى مهمة الدفاع لحين عودته، وعندما سنحت الفرصة غادر الأمير ميناء صيدا على متن سفينة هولندية، ترافقه سفينتان فرنسيتان تحملان أسرته ومرافقيه، توجهت السفن الثلاث إلى دولة تسكانا، فوصلت إليها بعد أن اجتازت مخاطر جمَّـة فرقت بين سفينة الأمير والسفينتين الأخريين، وصلت سفينة الأمير في م إلى أسكلة الفورنا 1613 الخامس والعشرين من أكتوبر، عام (ليفورنو) بعد ثلاثة وخمسين يوما من الإبحار، ثم بعدها بأربعة أيام وصلت السفينتان الأخريان. بقي الأميرفي منفاه الاختياري نحو خمس سنوات وشهرين تنقــل خلالها بين مدن تسكانا، وصقلية، ونابلي، وسجل في المذكرات
التي بين أيدينا اليوم انطباعاته عن تمدن الغرب، وكان لهذه التجربة الأوروبية أثرها العميق في سعي الأميرفخرالدين للحاق بدول أوروبا الناهضة، واقتباس ما يفيد بلاده من منجزاتها. النص ولغة السرد لابد لقارئ هذه الرحلة من أن يغض الطرف عن المعاييرالبلاغية واللغوية ذلك لأننا أمام نص مكتوب باللهجة الشامية المحكية قبل أربعة قرون، فعندما يرى برج بيزا سيسميه (مادنة) مأذنة أي (مئذنة بالفصحى)، وعندما يقول طبت فهو يعني سقطت، والخزانة عنده خرستانات وهي كلمة فارسية، ومخزن السلاح هو الجبخانة وهي تركية، والسفينة الصغيرة اسمها عنده شخاتير، فهو نص طريف شكلا ومحتوى، لأنه يعكس صورة الزمن الذي كتب فيه، لكن أهميته تكمن في كونه يعطينا تصورا عن خطابهم اليومي، ولغتهم ومصطلحاتهم التي يتداولونها، وأدواتهم، وأشيائهم
عدنان، انتقل جد الأسرة «أيوب» من نجد إلى الجزيرة الفراتية بعشيرته، وعُرف نسله هناك بــ«بني أيوب» إلى أن ظهرفيهم الأمير ربيعة الذي غادرالجزيرة ليُـقيم في الجبل الأعلى من نواحي حلب، ثم خلفه ولده معن بن ربيعة جد الأسرة المعنية الذي صاهر التنوخيين أصحاب معرة النعمان، وخاض حروبا عظيمة ضد الإفرنج، ثم اضطر إلى الرحيل إلى سهل البقاع، ثم التحصن بالجبال العالية من لبنان المشرفة على البحر ليشن غاراته على الإفرنجة في السواحل البحرية، فعمّر واستوطن منطقة وتقاطرالناس إليه. )3 ( «الشوف» وخلفه ولده ُالأمير يونس، وتحالف مع الشهابيين من حوران إلى وادي التـيم فقويت شوكته. حاضرة )4 ( ولد الأمير فخر الدين المعني الثاني في «بعقلين» م، وشهد في طفولته مجازر إبراهيم باشا 1572 «الشوف» سنة بحق أهالي الشوف وفقد والده الأميرقرقماس وهوفي الثانية عشرة من عمره، وتسلم إمارة الشوف وهودون العشرين من العمر، ثم تولى سنجقيتي بيروت وصيدا، ودخل في صراع مرير مع الدولة العثمانية لتوسيع نطاق إمارته لتشمل سنجق صيدا والبقاعين، وصفد، ومد َّسلطته المباشرة وغيرالمباشرة إلى ما وراء طرابلس ووادي التيم، وبعلبك والبقاع، وكلـِّس وضواحي حلب، وحوران، وعجلون، وبانياس، وكسروان، والثغور البحرية، وبيروت. كما حاول الحفاظ على شعرة معاوية مع الباب العالي.
محمد عبد العزيز السقا رجل دولة محنـَّـك، ومحارب عنيد؛ ومؤسس لبنان الحديث، واجه بتوازن أكبر إمبراطورية في الشرق دفاعا عن شعب أرهقته المظالم والحملات العسكرية المتتالية من الولاة العثمانيين. هوالأميرفخرالدين المعني الثاني الذي ساقه قدره إلى رحلة طويلة زادت عن خمسة أعوام سجل فيها انطباعاته ومشاهداته عن المدن والبلدان التي زارها أو أقام فيها، جاء - 1613 الكتاب بعنوان: «رحلة الأمير فخر الدين إلى إيطاليا ( م)»، الحائز على جائزة ابن بطوطة للرحلة الكلاسيكية 1618 ليضعنا أمام )1 ( م من تحقيق وتقديم قاسم وهب 2006 عام نص من أقدم ما دُوّن عن أوروبا في عصورها الحديثة، إن لم يكن أقدمها على الإطلاق، ولتصبح ملاحظات الأمير وانطباعاته عما استحدثه الأوروبيون شاهدا على مشروع نهضوي كان الأميرفخرالدين قد شرع في تنفيذه خلال العقد الأول من القرن السابع عشر، وسخّـرلإنجاحه المال والرجال لولا أن خذلته الظروف، وبسقوطه خسرالشرق العربي مئتي سنة من فرصة مواكبة الحداثة والإسهام في صنعها. وإذا كان أدب الرحلة الغربي قد عمل على تنميط الشرق والشرقيين بواسطة مخيلة جائعة إلى السِّحري والأيرو؟سي والعجائبيّ، فإن أدب الرحلة العربي إلى الغرب ركّز على تتبع ملامح النهضة العلمية والصناعية، وتطوّر العمران، ومظاهر العصرنة فانصرف الرَّحالة العرب إلى تكحيل عيونهم بصور النهضة الحديثة مدفوعين،بشغف البحث عن الجديد، وبالرغبة العميقة الجارفة في الاستكشاف واستلهام التجارب، واقتفاء أثرالآخرللخروج من حالة الشلل الحضاري التي وجد العرب أنفسهم فريسة لها، وما الكتاب الذي بين أيدينا اليوم . )2 ( إلا صورة على ذلك صاحب الرحلة فخرالدين بن قرقماس بن فخرالدين المعني، الملقب بسلطان البر، من بني معن من سلالة ربيعة َالفرس بن نزار بن معد بن
قلعة الصليبيين البحرية - لبنان - صيدا
77
76
2023 سبتمبر 287 / العدد
م 1618 - 1613 «إيطاليا القرن السابع عشر» بعيون «أمير الحداثة اللبناني» رحلة الأمير فخر الدين المعني إلى إيطاليا
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online