مجلة تُراث عدد 287 - سبتمبر 2023

ارتياد الآفاق

البسيطة، وملابسهم، وطرائق عيشهم، والفرق بين الدارج من كلامهم والدارج من كلامنا، ومدى قربهم أوبعدهم عن اللغة التي نقرؤها في مؤلفات زمانهم، وطريقتهم في التعبيرعن المستجدات، وتعريبهم للدخيل من الأسماء، إلى غير ذلك من الأمور التي تثير فضولنا وتجعلنا أقرب إلى فهمهم ومعرفتهم، كما يمنحنا النص فرصة الإصغاء إلى ما يقوله عن البلاد القاصية والمغايرة في آن معا في توقيت فارق من الزمن. مسار الرحلة م بحرا ًمن ميناء 1613 بدأ الأميرفخرالدين رحلته في سبتمبرعام صيدا، إلى تسكانا فمر بجزيرة كنديا ومنها أبحر إلى صقلية، ثم جزيرة سردينيا فجزيرة قرصقا (كورسيكا)، ثم رست السفينة في مينا الكرنة (ليفورنو) ميناء دولة تسكانا، ثم مر بمدينة بيزا فمرجانة متوجها إلى إفرنسيا (فلورنسا) لمقابلة الغران دوكا، ثم عاد إلى الكرنة لاصطحاب أسرته والإقامة في فلورنسا تحت رعاية الغران دوكا، وبدعوة من سلطان إسبانيا انتقل من فلورنسا إلى «مسينا» مرورا بـ «الكرنة» (ليفورنو) ومن «مسينا» قام بزيارة إلى بلاده، فرست سفينته في «الدامور» من ساحل لبنان ولم يتمكن من النزول إلى البر، ولكنه التقى بأهله وذويه وأعيان بلاده على متن السفينة ثم قفل راجعا إلى صقلية فمر برأس الخنزير على الساحل السوري ومنها إلى برالقرمان (كرمان) من الأراعضي التركية، ثم أبحرإلى جزيرة زنتو (زنته) من ساحل اليونان الغربي، ومنها إلى جزيرة الجفلونية (كفلونيا) ثم إلى جزيرة مالطة ليحل ضيفا على حاكمها، ثم إلى جزيرة صقلية حيث يقيم مضيفه فيها. فقام بزيارة بعض مدن الجزيرة وموانئها مثل «باليرمو» و«مازورة» و»بلد الكريك»، ثم عاد إلى «باليرمو» لينتقل منها بمعية الدوق إلى «نابلي» ليقيم نحو سنتين. ومنها عاد أدراجه إلى بلاده مرورا ًبـ «مسينا» فميناء عكا حيث انتهت رحلة العودة بعد مغضي خمس سنوات وشهرين على خروجه من البلاد. من الرحلة: تصف لنا الرحلة العديد من المشاهد والوقائع، بدءا من مشاورات الانطلاق، وتردد الأمير في ركوب البحر، ومواجهة القرصان وما جرى للمركبين في البحر، ومدينة بيزا، ومدينة مسينا، ومدينة فلورنسا، وقصورهم، وأعيادهم وألعابهم، وقدم لنا أقدم وصف عن المسرح في أوروبا، وحفلات الرقص، ومتحف التاريخ والجغرافية والمتحف الحربي، والكنائس، وصناعة البارود، والبيمارستانات ونظامها، والأديرة، والبنوك

ونظامها، والطباعة، ومزارع السمك، ومالطة، وصقلية، وبليرمو، ونابلي، والأسرى العرب، والأميرفخرالدين يرفض عرضا لاعتناق النصرانية والكثيرمن الحكايا والمشاهد.. • مدينة بيزا وهي مدينة كبيرة عظيمة لها صور، ونهرشاق المدينة، ويطلع فيه الشخاتير (يقصد السفن الصغيرة) والقوارب إلى مدينة فرنسيا. ومن النهر المذكور خليج إلى إليفورنا أخذه أبو الدوكا لأجل الشخاتير فيه إلى مدينة بيزا. وفي وسط المدينة المذكورة ثلاثة جسور عظام، وفي هذه المدينة المادنة (المأذنة أي «المئذنة م) 1174 بالفصحى» ويقصد برج بيزا المشهور الذي بني عام العوجا وكانوا معلقين فيها النواقيس لأجل معرفة الساعات، ولحضور الصلوات، ويسمونها: «ماريّـا»، وانعواج هذه المادنة «المئذنة» أمرعجيب من صناعة البنائين معمولة مربعة، وجميع الحيطان الأربعة رخام. مدماك رخام أبيض، ومدماك رخام أسود. وإذا رميت حصوة على مساحة حيطها من محل ضرب الناقوس، ونزلت إلى تحت، توجد الحصوة طبّـت بعيد عن حيطها الذي قرب الأرض خمسة عشرقدماً؛ فيكون انعواج هذه المادنة «المئذنة» خمسة عشرقدماً، ولايوجد بها أي خلل أوأي عيب في بنيانها أبداً! • من أعيادهم وألعابهم وفي ذلك الوقت صادف عندهم عيد المرافع الذي يقومون به قبل صيامهم الكبير، ويعملون في ذلك العيد لعبا متنوعة: من ذلك أنهم يعملون وجوها مصبّغة ويلبسونها، ويشيلون ما في باطن بيض الدجاج، ويحطون موضعه ماء الورد، ويتضارب فيه الأكابر بعضهم مع بعض ومع النساء. وأما الأصاغر يضعون ماء

برج بيزا المائل

وجسورها، ويعملون دواب بعجل معدّية على الجسور، حتى صورة إليفورنا في قلاعها وخندقها، وماء البحردايرة على الخندق ويعملون أشياء كثيرة، وما شاكل ذلك، ولعب وأحوال عجيبة وغريبة. • حفلات الرقص وكذلك يرقص النسوان والرجال، كل من يرقص مع ندّه: امرأة الدوكا مع الدوكا على مراتب أكابرهم من البيوت، لأن عادتهم ما تحتجب النسوان عن الرجال لا في الرقص، ولا في الزقاقات، حتى إذا غاب الرجل تقعد المرأة تبيع في الدكان عوضا عنه. • متحف التاريخ والجغرافية وأطلع الأوروبيون حكام المدن الأمير على مواضعهم، وعلى التحف الموجودة. وكانوا حاطينها في خرستانات وأبوابهم من شريط النحاس مسكرة بأقفال، وتبان الحوايج التي فيها من غير فتح. وجميع سلاطين الإسلام، ومشايخ العرب مصورينهم، حتى كرة الأرض، والسبع سموات من نحاس تدور. حتى مصورين الوقايع والأكوان التي صارت قديماً، وأخيرا ًاليهود الذين صلبوا شبيه المسيح على لبسهم القديم، كل زمان بزمنه، حتى الأقاليم السبعة مصورينها ببحورها، وجزرها، ومدنها. • المتحف الحربي وعرضوا على حضرة الأميرالجبخانة، حتى كانوا مصورين صورة

ورد موضع الماء، ويتضاربون فيه. ويضعون خودة على خشبة، ويضربون الخودة في الرمح والفرس راكض، والرمح يمسكونه من أسفله، والرمح كل ماله بيدق أعلاه... والرمح ما يكون لـه حربة، بل يكون في رأسه منزل رصاص حتى يعلّـم موضع الضربة. ويتسابقون بين الخيل في زقاق عريض في وسط المدينة من طول المدينة إلى عرضها أيضاً، ويقف الناس متفرجين على الخيالة، ويركـّبون الأولاد الخيل وتتراوح أعمارهم من عشر سنين إلى عشرين سنة، ويركبون الخيل من غيرسرج في اللجام... • المسرح كذلك يقومون في الليل باللعب والرقص، الرجال والنسوان في بيت كبير، ويعملون في البيت ءشي حتى يبان أنه بعيد، وله حُمرة مثل حُمرة السماء، وناس ماشية وسط الحمرة على نوع الملايكة. وكذلك يعملون في أرضية البيت لوالب خشب، ويغطونها بقماش على لون البحر، واللوالب والخشب تبقى تدور معهم وتحتهم حتى يبان أنه مثل مواج البحر، ويمشُّون فيه شختورة من تحت على عجل، ومن فوق تبان وكأنها ماشية على البحر. ويطالعون ] فيها[ مقدارخمسة عشرشبا مُرَدَا من أحسن الناس، ويطلعون . )5 ( يعملون رقص ومحاكاة • بانوراما ... وكذلك يعملون صورة مدينة إفرنسيا، وصورة إليفورنا بنهرها

المسرح الروماني في فولتيرا ، توسكانا ، إيطاليا

79

78

2023 سبتمبر 287 / العدد

م 1618 - 1613 «إيطاليا القرن السابع عشر» بعيون «أمير الحداثة اللبناني» رحلة الأمير فخر الدين المعني إلى إيطاليا

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online