الفنون في الإمارات: احتفاء بالإنسان والسلام والتسامح..
وبالتالي الانطلاق إلى العالم من أرضية ثقافية صلبة تدفع الآخر إلى الاشتراك والتفاعل مع مختلف القضايا الإنسانية التي يعانيها الجميع. وعلى ذلك، يؤكد إعلان «اليونسكو» لليوم العالمي لتعليم الفن، الذي يصادف الخامس عشر من إبريل من كل عام، بأنه لا بد من تعليم الفنون من أجل تأهيل أجيال قادرة على إعادة رسم ملامح العالم الذي خلََّفه لهم أسلافهم، وأن التربية الفنية واسعة النطاق تعلّّم أهمية التنوع الثقافي وقيمته، وأن لهذا النوع من التوعية الثقافية منافع كثيرة في مجتمعاتنا الحديثة التي يزداد فيها تنوع الثقافات أكثر فأكثر، وحيث يرتكز فهمنا للثقافات الأخرى على فهم جارنا بصورة أفضل. وهنا تبرز الفنون بأشكالها كلبنة أساسية للتعليم الشامل الرامي إلى تطوير شخصية الأفراد، فالمهارات والقيم والسلوكيات التي ينادي بها تعليم الفنون ويعززها أصبحت أكثر أهمية من أي وقت مضى؛ إذ تهدف بما تشمله من الإبداع والحلول المبتكرة لمعالجة المشكلات إلى تعزيز التعاون والقدرة على الصمود، والنهوض بالابتكار ومهارات التفكير النقدي. الفنون في المشهد الإماراتي يرى رواد الفن التشكيلي الإماراتيون أن الحركة التشكيلية في الإمارات تُُعد من أسرع الحركات الفنية المعاصرة على مستوى الوطن العربي، لأنّّها بدأت من حيث انتهى الآخرون. فعلى الرغم من تماثلها مع أقطار أخرى فإنها تخط ّّت وتيرة الزمن وواكبت التطو ّّر الهائل الذي مر ّّت به، مستفيدة من نمو الوعي في المجالات جميعها وأهمها التعليم، مما أثّّر سريعا في نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كافة، فقطعت في كل ذلك أشواطا بعيدة. ولم يحرم هذا التطور
الفنون في الإمارات.. عتزيز للتواصل الحضاري.. وإبداع لقضايا العصر
مشترك للتعبيرعن القضايا الإنسانية على المستويات المحلية ٍ سواء، فهي لغة عالمية تتجاوز �ٍّ والمستوى العالمي على حد الفوارق والاختلافات بين الحضارات لتمد جسور التواصل والتعارف بينها، للتأسيس لمجتمع متضامن عبر توثيق العلاقات وتقارب وجهات النظر، والإقرار بالقبول والتنوع لبناء علاقات قائمة على احترام هذا الاختلاف. ولما كانت الفنون بكل هذه الإنسانية العالمية تحمل التنوع الثقافي وتشج ّّع على الطيف المتكامل، نجد أن الدول تتسابق إلى إظهار ما تكتنز به من إمكانات ثقافية وفنية تراثية تؤك ّّد احترام الدول لرعاياها وعدم التفرقة بينهم، وتنسجم مع اعتماد التنوُُّع الثقافي مشروعا مهمّّا شجّّعت عليه منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» ضمن الإعلان العالمي بشأن التنوع الثقافي، ووق ََّعت لحمايته وصونه اتفاقيات مع الدول. وفي هذا التنوع الثقافي فإن الأمر ينطبق على مختلف مفردات التراث المادي وغير الماديّّ، والأمر ينسحب على كل عناصر الفن في الغناء والموسيقى والمسرح والتشكيل وكل المفردات الحضارية التي تؤك ّّد احترام الثقافة،
إلا وكان للفنون وفلسفتها نصيبها الأوفر في التعريف بهذه الحضارة وعناصرها وقيمها، فعبر مئات القرون والرموز الفنية التعبيرية تُُعرّّف بهوية الفرد وتدل عليه، سواء كانت هذه الرموز الفنية تشكيلية مثل الملابس وزخارفها وطرازها، ورسومات الوجه والجسم، أو أدائية مثل العادات في الرقص وأدوات العزف التي تصنع منها وزخرفتها وألوانها ونقوشها المميزة لكل حضارة، أو تعلقت هذه الرموزبالفنون الصوتية مثل الإيقاعات الموسيقية وكلمات الغناء الفلكلورية. فالفنون كلها هي وليدة حضارتها، وهي تشكل نقطة التقاء بين العديد من الحضارات، وقدرتها في تعزيز التواصل بين الحضارات مرده لكونها نتاج حضاري إنساني ذات طابع
خالد صالح ملكاوي لعبت الفنون دوار باراز في تطوير الحضارات وتشكيلها بصورة ملحوظة، إذ لم يكن التطورالحضاري يوما بمعزل عن رؤى الفنانين والمبدعين الذين يضفون على العالم ألوانه، وي ُُكس ِِبونه رونق الحياة. فتتغلغل الفنون في النموالحضاري، وتؤثربشكل كبيرفي تطورالتكنولوجيا والاقتصاد والثقافة، فهي في صلب صناعة المعرفة، وهي منذ وجدت تمثل اللغة العالمية التي يتفاهم عليها الجميع، وبها تتحاور الثقافات المختلفة، فتقف الفنون سفيرة للحضارات عاكسة لتنوع الثقافات، محلية أو عالمية، ومعززة لتواصلها وتفاهمها نحو التعايش والسلام العالمي. فللفنون جانبها الحضاري، ويمكن قـراءته من خلال معرفة أبرز الحضارات الإنسانية، وكيف كانت الفنون رافعة فكرية وثقافية فيها، وكيف تأثرت الفنون بالفكر الفلسفي السائد في كل حضارة، بل وكانت عاكسة له أيضاًً. وكما أن التاريخ ي ُُعد وعاء التجربة الإنسانية عبر العصور، ومن خلاله نستطيع قـراءة خبرات السابقين ومعارفهم وثقافاتهم، لتأصيل ولوجنا ودعم خطانا للمستقبل، فإن الفنون تتماهى مع التاريخ في ذلك، إذ هي تتميز عن غيرها من المنجزات الحضارية بأنها وعاء لتاريخ الحضارات أيضاًً؛ فلا توجد حضارة عبر التاريخ
15
14
2023 ديسمبر 290 / العدد
الفنون في الإمارات.. تعزيز للتواصل الحضاري.. وإبداع لقضايا العصر
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online