الفنون في الإمارات: احتفاء بالإنسان والسلام والتسامح..
الفنان الإماراتي الحقيقي الذي يمتلك أدواته بحرفية عالية من النظر إلى الماضي أو الموروث بشكل صحيح، مادام يحركه موقفه الاجتماعي، ويرنو إلى المساهمة في تحقيق التقارب بين المجتمعات وبناء الجسوربين الثقافات، إلى جانب ترسيخ قيم التسامح وتوسيع نطاق جهود الدبلوماسية الثقافية، وأنه يدرك أهمية الفن كمكوّّن أساسي ضمن مسيرتنا الحياتية، سواء من خلال قدرته على إحداث تأثير إيجابي في التغير المجتمعي أو إلقاء الضوء على أوجه الاختلاف والتشابه بين الأفراد والشعوب أو دعمنا في رسم ملامح تاريخنا. وفي الفنون عجلة تقدمنا، ونشر معارفنا وتبادلها، وتعزيز حب الاستطلاع فينا، ودفعنا إلى طاولة الحوار، وما الفن إلا صرح كلما ارتقينا به عاليا ًً، حل ّّق بنا نحوعالم مفعم بالحرية والسلام. فبعض ألوان الفنون، لا سيما تلك الفنون المحتض ََنة بين جنبات الثقافة الشفاهية هي بلا شك من مكونات شكل الروح الجمعي على مدى التاريخ ؛ بها وثََّق الإنسان حضوره في الزمان والمكان، وفي مختزناتها الثرية تتبد ََّى حكمة الحياة وبهجتها، وتظل ص ُُورها حية متوثّّبة مهما طال بها الزمن. فلا يقف الأمر عند حد رؤية الفنون كلغة عالمية تربط المجتمعات والحضارات عبر الزمان والمكان، بل إن إعلان م، نص على 2019 «اليونسكو» العام في دورته الأربعين عام دور الفنون في تحسين المعرفة، إذ بمقدورها المساعدة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، لا سيما في إطار خطة م، والحد من عدم المساواة 2030 التنمية المستدامة لعام والإسهام في ضمان تكافؤ الفرص، وبمقدورها تعزيز التعاون الدولي المتعلق بمساعدة الأطفال في بناء قدرتهم على التصدي للتحديات التي سيواجهونها في المستقبل. والفنون الشعبية، وغيرها مما تظلله عباءة الثقافة الشفاهية باتت واحدة من أهم روافد الثقافة وتمظهراتها، لما يمثله مخزونها من دلالات وصور عن درجة التطور الذي عاشه مجتمعها. والحفاظ عليها وصونها والعمل على نشرها وانتشارها غدا من أولويات الأمم التي تبحث في مكوناتها عن الحماية وتكريس الذات الحضارية والخصوصية الثقافية لها. ولا غرابة أن أصبحت مثل هذه الفنون في بؤرة اهتمام الدول، وفي موضع عناية «اليونسكو» التي خصصت لها قائمة تحميها وتصونها ضمن لائحة خاصة بالتراث غير المادي. وها هي «التغرودة» وبعض أخواتها من المفردات الفنية في التراث الإماراتي، مثل «السدو» وغيرها، تنجح في أن تحتل موقعها كتراث إنساني
حي في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، في ا � كبير ا � إذ بذلت هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة جهد إعداد ملفات هذه الفنون التراثية التي أتى إدراجها على قائمة «اليونسكو» كتتويج لهذا الجهد، وبذا خرجت هذه العناصر الفنية التراثية من أسر الماضي، وانعتقت من الاختزال في رفوف المراكزالبحثية، لتنطلق كممارسة يومية ينبغي الحرص على استمرارها والمحافظة عليها، والاهتمام بديمومة الفعل والحضور لها واستمراريته. ولا شك أن إدراج هذه العناصر التراثية لدى «اليونسكو» من شأنه أن يسهم في تعزيز استمرارية هذه الفنون التراثية الأصيلة، وتسليط الضوء على التراث الثقافي لدولة الإمارات العربية المتحدة، وتشجيع التنوع الثقافي والإبداع البشري والحوار بين الحضارات، علاوة على ذلك فإنه سيسهم في تعزيز الترابط بين أبناء المجتمع، وتدعيم الجذور الثقافية لهم، كما يشكل حافاز قويا للمعنيين والمبدعين في هذه الفنون في تطوير هذه الألوان الفنية بحيث تتناول موضوعات مجتمعية معاصرة. ولعل أول هذه الإجراءات أنه جرى دمج بعض قصائد التغرودة الشعرية مع بعض عناصر التراث الثقافي غير المادي الأخرى، مثل رقصة العيالة، حيث يُُعد استخدام التغرودة لأغراض عملية أحد الجوانب التي تحافظ على هذه الممارسة الثقافية. وفي العاصمة الإماراتية، وقبل سنوات، أه ََّلََت المبادرات والبرامج الرائدة «أبوظبي» لنيل لقب «مدينة الموسيقى» التي تمنحها «شبكة المدن المبدعة» «لليونسكو» للمدن التي توظ ّّف الإبداع كأداة استراتيجية في تعزيز مسيرة التنمية الحضرية المستدامة. واستندت الشبكة في منح هذا اللقب إلى القطاعين الثقافي والإبداعي في أبوظبي
كمحرك رئيسي للتماسك الاجتماعي والنمو والتنوع الاقتصادي في الإمارة، حيث أشارت الإحصاءات في ذلك الحين إلى أن مؤسسة 600 قطاع الموسيقى في العاصمة يحتضن أكثر من من المتخصصين في المجالات الثقافية، 4,000 موسيقية و فضلا عن المؤسسات التي تسهم في إثراء المشهد الإبداعي. وما هذه الإنجازات إلا نتاج لثقافة التسامح التي تنتهجها دولة الإمارات العربية المتحدة، وسعيها لرعاية المواهب وتقديرها، ضمن سعيها لخلق أشكال جديدة من الموسيقى تجمع بين العوامل الموسيقية التقليدية والشعبية والحديثة من الشرق والغرب. وعلى عكس التوجهات الموسيقية قصيرة العمر التي تستمر في الظهور حول العالم، تحاول دولة الإمارات بدء ثورة إبداعية، ليكون للموسيقى الناتجة قدرة على جذب الجماهير
عبر مختلف الشرائح والثقافات والعصور. وكما هو مُُس ََلََّم به بأن التنوع الثقافي يشكل تراثا مشتركا للبشرية، ينبغي المحافظة عليه وتعزيزه، وأن الفنون بأنواعها وأشكالها رافد رئيسي من روافد الثقافة والمعرفة، فإن تنوُُّع ِن للمجتمع الإماراتي، الذي يشكّّل �ِّ النسيج الاجتماعي المُُكو لوحة فسيفسائية إنسانية، قوامها الحفاظ على الخصوصية، والامتزاج والتناغم والتواصل الحضاري، يخلق مجتمعا ثريا ومتنوّّعاًً، يتسع فيه نطاق الخيارات المتاحة، وتتعزز فيه الطاقات البشرية المبدعة، والقيم الإنسانية، وتشكل ركيزة للتنمية والتطور والازدهار باحث وإعلامي مقيم في الإمارات المصادر والمراجع: . آلاء علي عبود الحاتمي، تكنولوجيا التعبير في تشكيل ما بعد الحداثة، عمان، 1 م. 2013 دار الرضوان، م. 2010 . حسين علي، فلسفة الفن.. رؤية جديدة، بيروت، التنويرللطباعة والنشر، 2 . فداء أبو دبسة، وخلودغيث، الفنون ما بين الحضارات القديمة والحديثة، 3 م. 2011 عمان، دار الإعصار العلمي، م. 2005 . محسن محمد عطيه، التقاء الفنون، القاهرة، عالم الكتب، 4 . منى علي الحمود، دور الفنون في تعزيز التواصل الحضاري بين الشعوب، 5 م. 2021 الرياض، سلام للتواصل الحضاري، الطبعة الأولى، https://sih.gov.ae : . الموقع الإلكتروني لمعهد الشارقة للتراث 6 . الموقع الإلكتروني لمفوضيّّة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان: 7 https://www.ohchr.org/ar/ohchr_homepage . الموقع الإلكتروني لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»: 8 https://www.unesco.org
17
16
2023 ديسمبر 290 / العدد
الفنون في الإمارات.. تعزيز للتواصل الحضاري.. وإبداع لقضايا العصر
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online