أثر العابر
سرد الذاكرة
بلواك بلوى عوده تبغى صبـر واجهود لا تقول أنا باروده، ويشرب شرب محدود خله، وخله اجنوده، وحاذر إليه تعود
بالاطلاع على مجموعة رسائل بخط يد سعيد بن أحمد موج ّّهة إلى ولده مانع في بدايات الستينيات، وبالتحديد في الفترة التي تخرج فيها من المدارس الثانوية في قطر، وأرسل في بعثة دراسية إلى المملكة المتحدة، تمكنت من الاطلاع على فكر سعيد العتيبة، وعرفت أن الرجل كان عربيا متحمسا لعروبته، بل كان من مشجعي الرئيس المرحوم جمال عبد الناصر؛ فهو لا يزال يذكر كيف شارك في مظاهرة حاشدة في قطر عندما حدث العدوان الثلاثي على مصر بعد قيام جمال عبد الناصر . وحتى الآن، لا يذكر اسم 1956 بتأميم قناة السويس عام جمال عبد الناصر أمامه إلا وترحم عليه، وذكر فضائله وعدد إنجازاته. لا تستطيع أن تخفي إعجابك بالرجل وأنت تصغي إليه، يحدثك عن ذكرياته بلا مبالغة ولا تهويل، وهو لا يقدر على مجاملة المخطئ، ولا يجد حرجا في مواجهته بالخطأ الذي أقدم عليه. سعيد بن أحمد العتيبة، صادق في خطابه، جريء في طرح وجهة نظره، رقيق العاطفة، حي الضمير، متيقظ الوجدان، يساعد كل من يحتاج إلى المساعدة دون تفرقة عنصرية أو دينية أو قومية؛ فالله سبحانه وتعالى هو رب العالمين كلهم، وليس رب المسلمين وحدهم، لذلك فهو يساعد الإنسان المحتاج إلى المساعدة دون أن يسأل عن دينه أو لونه أو قوميته. هكذا عاش في ظل عائلته العريقة، وهذه هي المبادئ التي حملها عن أبيه وجده في طفولته وفي شبابه وفي كبره. أطال الله عمره، وأقرعينه بأولاده وأحفاده وأبناء وطنه الذين عرفوه وأحبوه ونادوه جميعا بنداء حبيب على قلبه: «بابا سعيد» إعلامي وشاعر
تفاصيلمنسية
ومما سمعته منه من طرائف في هذا المجال، أنه كان في رحلة إلى اليابان مع وفد من رجال الأعمال، وأنه لاحظ أن المضيفات في الطائرة يقدمن لشاربي الخمر المزات المنوعة، أما هو فلم تهتم به حتى مضيفة واحدة وكأنه غير موجود، وهذا ما جعله ينظم قصيدة طويلة يقول في بعض أبياتها:
زحام الحياة، صخبها، ومدافعتها، والركض خلف مساراتها في التي لا تنتهي، ثمة تفاصيل كثيرة في جوهر هذه الحياة، وفي عمق معنى تحققها، قد يمثل بعضها الحياة كلها في لحظة ما، قليلون للغاية منا من ينتبهون لها، تفاصيل تقترن بالروح والحقيقة والوجود والصدق والحياة. عينا أم تبكيان في صلاة فجر وقد خشعتا بينما تهمس بالدعاء لأبنائها النائمين، ع ُُروق يد أب تغض ّّنت كخطوط أوراق الأشجار من مسيرة أيام طويلة من التعب من أجل أسرته، تبدو مثل شرايين حياة كاملة لقلوب صغيرة تخفق من حوله، جديلة شعر طفلة هُُذّّبت وص ُُففت بعناية وهي تستقل حافلتها المدرسية في الصباح، بين أعين زميلاتها الصغيرات المنبهرات بها دون أن يلمحن رائحة يد أمها المعطرة التي لم تترك شعرة فيها إلا وقبلتها بروحها قبل أن تضفّّرها. طفل يتناول وجبته المدرسية سعيداًً، متلذذا برغيفه الشهي، دون أن يرى خلف حبات قمحه أياما طويلة من عمل وكد وتعب غلّّفها له والداه بقلبيهما في حقيبة طعامه. خيط أخضر حملته زوبعة هواء عابرة واختفت في المدى، انسل من شال أم تنتظر عودة أبنائها من المدرسة وعينها على المدى والأمطار تغرق كتفيها دون أن تأبه سوى لوجوههم القادمة. يختفي الخيط في الأفق، حاملا خفق قلبها وحنوه وانتظاره. الدهشة في وجه طفل يفتح عينيه على صخب العالم وضجيجه لأول مرة وقد وصل إليه منذ لحظات، والحيرة في ملامح طفلة أخبروها أنها لن ترى أباها مجددا فقبّّلته وهو مسج ّّى لمرة أخيرة بينما تتساءل لماذا لا يفتح عينيه ليقبلني كعادته؟ طفل يداعب زهرة ويحدثها بأسراره ويضحك معها موقنا أنها شقيقته التي رحلت وقد عادت على شكل وردة. نافذة مضاءة طوال الليل بين نوافذ البناية المطفأة جميعاًً، تخبئ خلفها بنتا صغيرة تحفظ درسها وتراجعه مرات كثيرة دون كلل بينما تتلمس على مكتبها نموذج سماعة طبيبة ستعالج بها الأطفال مجانا عندما تكبر. جيب قميص أب امتلأ بالحلوى وهو يمد السير مسرعا تجاه بيته وينظر في ساعته مسابقا موعد نوم ابنته الصغيرة. طفل يرتدي قميصه الجديد ليذهب به إلى مدرسته، يقبل أباه سعيدا بقميصه، ويدور حول نفسه ويركض إلى المرايا
لي يشربون الخمريعطون مزة من الكاجو وموالح والمضيفين إلهم يثيبون عسى لي جبناه سارح وأنا لزقري ما يلبون ما كنه اسمي في اللوايح
حمزة قناوي شاعر وناقد مصري
تنقل سعيد العتيبة في العديد من دول العالم وخاصة الهند حيث قام هناك بعمل مشاريع خيرية، مثل: بناء المساجد والمدارس والمستوصفات، وتقديم العون للمسلمين في الهند خاصة في منطقة «كيرلا»، وما زال يزور تلك المنطقة كل عام لتفقد مشاريعه الخيرية ودعمها، وتقديم العون للقائمين عليها والمستفيدين منها، وكذلك في إيران في منطقة (الخميرة) حيث عثر بالصدفة على مسجد قديم بناه جده خلف هناك قبل نحو مئة وعشرين سنة، فما كان منه إلا أن تولى أمر تجديده وتوسعته. ناسب سعيد بن أحمد العتيبة عائلة خليفة اليوسف، وتزوج من السيدة عوشة اليوسف وهي والدة معالي الدكتور مانع سعيد العتيبة أطال الله عمرها. وحينما جاءها من طرف الشيخ شخبوط - رحمه الله - من يطلب منها عدم الرحيل، والبقاء مع ولدها في أبوظبي قالت: لا يمكن، مانع يربيه أبوه، ومانع يحتاج العلم. وهذا ما حدث. ولكن مع تسلم المغفور له الشيخ زايد ، عاد سعيد بن أحمد إلى أبوظبي، 1966 الحكم في أغسطس وكان على صلة وثيقة مع المغفور له الشيخ حمدان بن محمد آل نهيان رئيس دوائر الإعمار، آنذاك، وإخوانه حيث إنه هو خالهم، وتربطه علاقة نسب مع عدد من آل نهيان الكرام، وقد ساعده الشيخ حمدان بن محمد - رحمه الله - في أن يكون وكيلا لشركة «سكس كونستراكت» البلجيكية التي قامت في بأخذ مقاولة إنشاء مشروع الكورنيش في أبوظبي، 1967 عام وكذلك ميناء أبوظبي الأول، ويذكر سعيد أن قيمة المقاولة مليون دينار بحريني. كما 25 وصلت في ذلك الوقت إلى نحو أصبح فيما بعد وكيلا لشركات مقاولات أخرى، مثل: «كانسلت»، وتعدد نشاطه التجاري. ومن خلال الفرصة التي توافرت لي
ليصدّّق أناقته الجديدة، دون أن ينتبه ليد أبيه التي لم تعد تحمل ساعته. أم تقف في طابور الخبز في أحد الأفران، تنتظر دورها، وتفكرفي سعادة أبنائها بعدما يشبعون، نزلت إليه دون أن تفطر. عامل يصف حقائب المسافرين في مطار بعناية لإرسالها إلى الطائرات، ويخفي دمعه كلما اقتربت طائرة من المدرج آتية من وطنه، وكأن جناحيها المفرودين على اتساعهما ذراعا ابنته الصغيرة. معلمة تربت على كتف تلميذ متفوق وخلوق في صفه، تقول له إنها تراه من الآن شابا ناجحا يقود مجتمعه فيبتسم في خجل وتلمع عيناه، وجلستها في كرسيها الهزاز، وحيدة في بيتها بعد ربع قرن تتابع أخباره في الصحف وتشد شالها على كتفيها من البرد. أم تسرّّح شعر ابنتها بالطريقة نفسها التي سرّّحت بها جدتها أمها، بينما تتأمل البنت أنامل أمها الماهرتين الحانيتن وتلتقط تفاصيل ستبقى في ذاكرتها طويلاًً. خفقة قلب أم تأخر ابنها عن موعد عودته المعتاد للحظات فحسب دون أن ينتبه سواها، وخيط أبيض تسلل إلى شعرأب يتأمل صور ميلاد ابنه منذ عشرين عاما ويتحسس قلبه. دعوات خفية محلقة إلى السماء من قلوب تخفق بالإيمان والحزن لا تملك سوى الرجاء. فستان زفاف ظل غافيا ثلاثين عاما في صندوق أم تفتحه بأنامل سعيدة وعينين دامعتين وتخرجه بينما تقف ابنتها في غرفتها تنتظرها وفي عينيها فرحة العالم، وروح أب مدد تحت شجرة سرو بعيدة ترفرف فوقهما في طمأنينة
89 2023 ديسمبر 290 / العدد
88
سعيد بن أحمد العتيبة من قدامى المتعلمين في المنطقة
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online