مجلة تُراث عدد 288 - أكتوبر 2023

تراث النغم

أديسون وكنز برامز المكنون

منذ نهاية القرن التاسع عشرحتى زمن الراديوفي بلادنا. أخبرني أن لديه أمهات تسجيلات سُجِّلَت في القاهرة. فلمّا فحصتها، عرفت أن أغلبها من بعثتَي تسجيل أتتا إلى القاهرة في ، على أسطوانات أديسون نفسها من الشمع 1898 و 1895 عامي المقوَّى. ولا مجال هنا لذكر تفاصيل تقنية يُراد لها عشرات الصفحات. كانت هذه التسجيلات بمثابة كاشف لي لجديّة مؤسسات التوثيق الصوتي في بلادنا. فقد وُضِعَت قرابة أربعة أعوام في إحداها دون أن يُحرَّك ساكن لترقيمها. وليس القصد هنا العيب في أحد أو كيان، فكل يعمل بما تيسّرله. رأيت أن أبدأ البحث عن دعم لتوثيق هذه التسجيلات من جهة عربيةٍ، فأباشر هذا التوثيق بمجرّد إنهاء مناقشة أطروحة العالمية الكبرى (دكتوراه). لم أكن أُدرك أن الأمربهذه الصعوبة للحصول على تمويل، خصوصا أني نأيت بنفؠسي عن أي انتفاع مادي من هذا العمل، وكان طلبي الوحيد من كل الجهات أن تُنشر هذه المادة بعد تنقيتها، وتُتاح على الإنترنت للسمع والدراسة من السامعين والباحثين في النغم والأدب. لحين كتابة هذه السطور، لم ألق أي رد إيجابي من أي جهة عُرِض عليها هذا العمل. إنما عرضت علي بعض الجهات، في أوروبا وأمريكا الشمالية، تولي هذا العمل، على أن توضع المادة الرقمية عندهم ولا تُتاح للسمع والبحث العام. أي إن هذه المادة سيقصر البحث فيها وسمعها على باحثي هذه الجامعة أوتلك. لم أكن لأقبل هذا، فإلى متى يبقى البحث في إرث حضارتنا قاصرا على أبحاث المستشرقين؟ ليس القصد هنا أي إساءةٍ، فمن المستشرقين من لولاهم، لفُقِدت العديد من مخطوطات الحضارة العربية والإسلامية. إنّما قصدي: ألم يئن أن نبحث في إرثنا بأنفسنا ونرى منه استمرارحضارتنا وإشراق مستقبلنا؟ لم يكن طلبي، ولا طلب هذا النبيل، الذي تفضّل علي وسمح لي بترقيم هذه المواد المسجّلة، الّتي لا مثيل لها، إلا نفس طلب من أعطى تسجيلات يوهان برامز، أن تُتاح للسمع والبحث. لكن تلك أمة تعتز بإرثها بالعمل قبل القول. تعتز بإرثها علما منها أن هذا الإرث سبيل تقدمها واستمرارحضارتها منيرة بين الحضارات. وما أضاع أمتنا وكاد يُطفئ نور حضارتها، إلا أننا نتعصب للماعضي

في منتصف عقده السادس، كان يوهان برامزمن أكثرالمؤلفين الكلاسيكيين الألمان تقديرا في كل أوساط الموسيقى الفصحى (الكلاسيكيّة) الغربية، فذاع صيته في أوروبا ثم في العالم الجديد، خصوصا الولايات المتحدة الأمريكية. في ذاك الزمان، كانت الاختراعات والطفرات التكنولوجية ذات طابع غير الذي نعرف في زماننا هذا. فعلى المخترِع أن يبرهن حاجة الإنسان لهذا الاختراع أوذاك، وعليه أن يُزيل حاجزالخوف الكائن عند الناس من كل جديد. طلبا لعدم الرغبة في الخوض في مسألة أول من وثق الصوت بحيث يمكن إعادة سمعه، أقول: كان توماس أديسون أول من أنتج مادة تصلح للتداول بين الناس لسماع الصوت المسجل. آلة تعمل بمحرك وزمبرك، تثبّت عليها أسطوانة من الشمع المقوّى، يدير المحرك هذا العمود الأسطواني، وتقرأ إبرة من المعدن الرقيق، أو النيلون، هذه الأسطر المحفور فيها الصوت في هذا الجسم المثبّت. لعل هذا الاختراع المبكّرهوسبب تسمية أغلب الناس في بلادنا، ما تلاه من أقراص مختلفة حتى القرص المدمج، (أسطوانة). كانت هذه الفكرة غريبة غيرمستساغة عند أغلب الناس، لماذا أسمع صوتا مشوَّشاً، ما دمت أستطيع حضور الغناء في أمسية حيّة فأسمعه دون تشويش أوسوء في جودة الصوت؟ لإقناع المشترين باختراعه، وجب على توماس إيجاد الأفكار التسويقية الّتي تُقنع المشترين بآلته الجديدة. أرسل توماس أديسون وكلاء إلى أوروبا لتسجيل أشهر المؤدين وعزفا للمؤلفين لأعمالهم، تلك الأعمال الّتي تُرسل عبرالمحيط لضفته الأخرى، فتعزفها مجاميع العزف (أوركسترا) في الولايات المتحدة، أويعزفها الأفراد في بيوتهم أوحفلاتهم الصغيرة. في الولايات المتحدة: «هل سمع 1890 لنتخيّل إعلاناً، صيف أحدكم الربسوديّة المجريّة للمؤلف الأشهر (يوهان برامز)؟ تلك التي بيعت من نسختها المطبوعة ألوف النُسخ، وعُزِفَت في كل بيت وقاعة عرض في مختلف الولايات! لدينا تسجيل لهذا العمل بعزف مؤلّفه على البيانو، سجّلها، بداية ديسمبرالماعضي، وكيلُنا في مدينة فيينا بأدائه هو، نعم، أداء (يوهان برامز) نفسه، على آلته، والآن هي متاحة للمستمعين الكرام في الولايات المتحدة».

دون رؤية المستقبل منه. فأغلب بني أمتنا، يتعصبون لماضيهم وقومياتهم عصبية تشبه العصبية القَبَلية. فالماعضي، بسبب هذه العصبيات، أصبح سبب تقسيم لا سبب وحدة واستمرار حضارة أنارت الكون قرون علما وأدباً. لن تستمر الحضارة العربية إلا إذا وضعنا الماعضي نصب فكرنا، نعيد قراءته، نجعله مادة خصبة وقوة ناعمة تنيرلنا ولغيرنا طريق المستقبل. أثق، بل أكاد أرى، هذه المادة العظيمة، باكورة التسجيلات العربية، في متناول السامعين والباحثين، سمعا ومتعة ونورا وطريقا لكل جديد مشرق لهذه الأمة، التي تستحق حضارتها أن تقف جنبا إلى جنب مع سائر حضارات العالم. إلى

مصطفى سعيد باحث في علم النغم

كم أسطوانة باع أديسون بعد هذا الإعلان؟ وكم نسخة باع من هذا التسجيل الفريد؟ لن نجد إجابة دقيقة على هذا السؤال، فلم تظهر حينها لوائح التسجيلات، ولم تكن للتسجيلات أرقام بيع أو أرقام مرجعيّة لمصفوفة التسجيل الأصليّة، فيُرجع إليها إذا أُريد إعادة النسخ منها. بعد تطوير آلة تستطيع قراءة أسطوانات الشمع قراءة دقيقةً، بحيث يمهّد هذا طريق حفظها وتعديل صوتها وسمعها ونشرها رقميّاً، صرّح أحد نسل صاحب البيت الذي سُجِّلَت فيه هذه الأسطوانة، أن نسخة أصلية، ممّا سُجِّل لبرامزفي بيت عائلته في فيينا، بحوزته. وأنه يرغب في إتاحتها للسمع. تهافت عليه محبّو جمع المواد القديمة، لشراء هذه الوثيقة المهمة جداً، فالأكيد أن سائر النسخ المنسوخة عن الأصل، ذابت ولن يمكن سمعها حتى لو لدى أحد أحفاد السامعين القدامى علبتها. رفض هذا النبيل سائرالعروض، ورُقِّم هذان التسجيلان في فيينا، حيث أفضل نسخة من هذه الآلة الّتي ترقّم هذه الأسطوانات الشمعيّة. والآن هي متاحة على الإنترنت للسمع والمتعة والمقارنة مع التسجيلات الأُخرى بمختلف تقنيات التسجيل، لكن يظل هذا تسجيل المؤلّف نفسه. وثق في شخظصي المتواضع أحد نبلاء القوم في مصرالمحروسة، عرف أنّي الوحيد في المنطقة الذي درس التوثيق الصوتي دراسة علمية وشارك في العديد من الأبحاث فيه، ووثّق ألوف التسجيلات

حينها، أردّد مع صاحب لاميّة العجم: أُعَلِّل النَفْـــــــــــــــــــــــــــس بِالآمــــــــــــــــــــــــــــــــــــال أَرْقُبُهـــــــــــــــــا

ما أَضْيَــــــــــــــق العَيْش لَوْلا فُسْحــــــــــــــة الأَمَل

109

108

2023 أكتوبر 288 / العدد

أديسون وكنز برامز المكنون

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online