الحكاية الشعبية ..حاملة قيم الشعوب وتراثها
جزء خالد في تراثنا وذاكرتنا الحكاية الشعبية
شعب وفق بيئته وعاداته وتقاليده، وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، استلهم الكتّاب من هذه الحكاية قصة «بديحة»، وقصة «سميجة». ولما كانت البيئة البحرية تمثل جزءا كبيرا من الإمارات، فإن البحركان له وجود مميزفي هذه الحكاية وغيرها، لذا فإننا نجد في قصة «سميجة» لكاتبها سرور خليفة الكعبي، سمكة البديحة التي تتحدث مع الفتاة البائسة، وتساعدها في وقت الحاجة الحقيقية، وتقدم لها ما يعجز عنه البشر، حتى الطيور تهب لمساعدتها في التقاط الحبوب التي خلطتها زوجة الأب الظالمة، وتفريقها عن بعضها، تعاطفا معها وانتصارا لها من حقد زوجة أبيها وأختيها، ومن المؤكد أن الكاتب أجرى تغييرات في هذه الحكاية المشهورة عالمياً، لتتناسب مع البيئة الإماراتية، فأشخاص هذه الحكاية يتغيرون مع تغير المناطق. وتنتهي الحكاية إلى خلاص الفتاة الطيبة من زوجة أبيها الظالمة وابنتيها، بزواجها من الشيخ الشاب الوسيم بعد أن عانت أنواع الظلم بعد وفاة والدتها، ودائما فإن الحكاية تبرز عناصرالظلم والإجحاف، وتظهر بالمقابل مكافأة المظلوم بعد رفع الظلم عنه، وذلك ما يسعد القارئ، وتخلص الحكاية إلى أن للظلم مهما قويت شوكته جولة ويزول.
جمال مشاعل الحكاية جزء مهم من الفنون الشعبية التي تشكّل التراث الثقافي الذي يؤدي دورا حيويا في الحفاظ على الهوية الثقافية للشعوب، وقد جرى تعريفها على أنها القصة التي يتم تداولها شفاهيا من جيل إلى جيل، وقد أنتجتها الذاكرة الجمعية البشرية. والحكايات الشعبية بشكل عام تنقسم إلى: الحكاية الخرافية، وحكاية المعتقدات، وحكاية التجارب اليومية المستمدة من حياة الناس، والحكايات التاريخية، وقصص الحيوان وغالبا ما تكون قصصا رمزية، والحكايات الهذلية الطريفة، والقصص الدينية. والحكايات الشعبية من أقدم الموضوعات التي ابتدعها الخيال الشعبي، وهي خلاصة تجارب الأجيال؛ إذ تُحكى في قالب قصظصي، مشوّق، فيه العِبروالقيم النبيلة، وقد تروى كما هي، وربما يضيف إليها الرواة من مخيلتهم ما يجعلها عرضة للتغيير، ويتناقلها الناس بالقراءة أو السمع، وتؤدي الحكايات الشعبية دورها في تمتين الروابط الاجتماعية والأسرية، ولا تزال الحكايات الشعبية تثري المعرفة البشرية بتصويرها أحداث الحياة وانتقالها من فرد إلى فرد، ومن جيل إلى جيل، ومن مجتمع إلى مجتمع. وتتضافرفي الحكاية جوانب من الأساطيروالمعتقدات الشعبية القديمة، فهي تصف أحداثا معينة وعادات وتقاليد لأشخاص معروفين عاشوا في مكان معين وفي فترة زمنية معروفة، ويكون السرد بطريقة تستثير خيال السامعين وأحاسيسهم، وهم ينصتون للراوي الذي يقص صراع البطل (رمز الخير) مع أعدائه الأشرار. الحكاية الشعبية في الإمارات والحكاية في المجتمع الإماراتي نوع أدبي يدخل ضمن نطاق التراث الشعبي، وهي تعبّرعن أحلام وآمال الإنسان، وكذلك عن عالمه الخيالي، الذي يتمنى أن يعيشه أويعايشه. وعلى الرغم من ذلك، فإن الإنسان الإماراتي أضفى على هذه الحكايات، من خلال الشعور الجمعي وما رسخ في داخله من تراث أصيل وماض عريقٍ، بعضا من بيئته وتراثه وتقاليد مجتمعه، وذلك حتى تتشكّل الحكاية، وتتناسب مع منطق المجتمع وبيئـته وتراثه، وبالإضافة
إلى ذلك فإن الحكاية الشعبية مع انتشارها وتناقلها فإن أحداثها تغدوهي الأهم وربما تفقد اسم مؤلفها أوراويها الأصلي. فالحكاية الشعبية في المجتمعات الإنسانية على اختلاف مشاربها متشابهة في الكثير من تجاربها الإنسانية وقيمها الاجتماعية والأخلاقية، ومن الحكايات ما يدور حول أهوال البحر والصيد والغوص، وبعضها حول الصحراء والطبيعة، والصيد والفروسية، وبعضها ذو طابع أخلاقي، وبعضها يقدم قصصا من التاريخ غير المكتوب، والمتفق عليه أن الحكايات الشعبية بمجملها تمزج بين الواقع والأسطورة، وأحداث الحياة الحقيقية وما يجود به الخيال. وتتنوع المؤثرات التي تتجلى في الحكايات الشعبية، فتكون الحكاية ذات صبغة دينية أو خارجية أو يبدو عليها تأثير البيئة بشكل واضح. «ساندريلا» التي اجتازت الحدود ولعل من أبرز الحكايات التي لم تعترف بالحدود فانتشرت حتى أخذت طابع العالمية قصة «ساندريلا» التي صاغها كل
«سميجة» .. ساندريلا في ثياب جديدة تمتازحكاية «سميجة» بأسلوبها التراثي المحلي، وهي تروي حكاية الفتاة المعذبة التي جمعت في شخصيتها اللطف والجمال، ولكنها بعدما توفيت والدتها، وتركتها مع والدها، تزوج امرأة شريرة جعلته مغلوبا على أمره، وأخذت تكيل لابنته أصناف العذاب والقهر وألوان الذل والعذاب، حتى صارت خادمة حقيقية في المنزل، تخدم زوجة أبيها وأختيها اللتين تستمتعان بذلها وضربها وإهانتها بمساندة والدتهما، مع الدلال الذي تلاقيانه بالمقابل من والدتهما، وظلت الحال كذلك حتى انتصرت لها سمكة من جنيات البحر، وتصل الحكاية ذروتها حين تساعدها السمكة والطيور الذين يتعاطفون معها حتى تصل إلى الحفل الذي تقيمه سيدة القرية لتنتقي عروسا لابنها «الشاب» الذي سيخلف والده في حكم القرية، وتشاء الأقدار أن يقع نظره على هذه الفتاة البارعة الجمال والمزينة بأغلى الحلي وأجمل الملابس، والمعذبة البائسة في بيت والدها فيختارها، ويشاء القدر أن يصل إليها رغم العثرات والعوائق التي وضعتها زوجة أبيها الظالمة، وتسرد القصة بالتفصيل الأحداث التي مرت بها الفتاة فتنتقل بالقارئ من جمال الطبيعة إلى الحياة القاسية التي تعيشها الفتاة، وبعد أن تصل الحكاية إلى ذروتها ويحيط الشقاء بالفتاة من كل جانب،
لوحة للفنان الإماراتي عبد القادرالريس
21
20
2023 أكتوبر 288 / العدد
الحكاية الشعبية جزء خالد في تراثنا وذاكرتنا
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online