الحكاية الشعبية.. حاملة قيم الشعوب وتراثها
الحكاية الشعبية.. حاملة قيم الشعوب وتراثها
الحكم والأمثال في الحكايات الشعبية الإماراتية: نوافذ إلى استدامة القيم والتراث
منى حسن من أعماق الصحراء، حيث تهمس الرمال للنجوم بخطى العابرين، فيسترق الرواة السمع لينظموا من كلماتها حكاياتهم، إلى سواحل الخليج حيث يؤوب البحارة محملين بأسرارالبحر وأساطيره، ترافقنا الحكايات الشعبية الإماراتية في رحلة استكشاف أعمق للثقافة المحلية، التي توثق لتراث عريق يربط بين الماعضي والحاضر، والحكمة والفن في رحلة غنية للتنقيب في أروع الموروثات الشعبية الإماراتية، التي تشكل منافذ نقل لحكمة الأجيال السابقة وخبرتها إلى الأجيال الجديدة. وتحمل في سطورها الموروثات والتقاليد الاجتماعية، والعادات والأخلاق الحسنة «السنع» للمجتمع. هذه الموروثات تسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي والانتماء، واستدامة القيم الأخلاقية، والثقافية. وفي حكايات الأمثال الشعبية الإماراتية حيث يمتزج الخيال بالواقع لخلق أعمال فنية ثقافية تحفظ التراث والقيم عبر الأزمان، تكمن ثروة ثقافية تمتد جذورها في عمق التاريخ والتجربة الإنسانية، وتشكل قاعدة لنقل خلاصات التجارب
والمعرفة. وكما هو معلوم، فإن الحكم والأمثال تضرب للعظة والعبرة، وكتحذيرللناس في كثيرمن الأحيان من الوقوع في أخطاء شائعة أوتجنب المشكلات التي واجهت الأجيال التي سبقتهم. كما أن للحكايات الشعبية دورا كبيرا في الترفيه والتعليم في آن معاً، وعندما تتضمن حِكَما وأمثالاً، تصبح ذات قيمة ترفيهية وتعليمية في الوقت نفسه، تتيح للقرّاء أو السامعين استخلاص العبروالدروس من تجارب الشخصيات في الحكاية. وكثيرا ما تشمل الحكايات الشعبية مجموعة واسعة من الأمثال والحكم التي تتناول مختلف الجوانب الحياتية، بدءا من المرتبطة بالأخلاق، إلى تلك المتعلقة بالعلاقات الاجتماعية والأسرية، وتلك التي تحكي عن الحيل والحذر، وغيرها. وغالبا ما تظهر شخصيات حكيمة في الحكايات الشعبية تلعب دورا مهما في تقديم الحكم والنصائح. وتتنوع هذه الشخصيات بين الشخصيات الأسطورية، والأعلام والعلماء والمشاهير، والأشخاص البسطاء الذين يتمتعون بالحكمة أيضاً. كما يمكن أن يشكّل استخدام الحكم والأمثال تحديا للكتّاب والروائيين لدمجها بشكل إبداعي في رواياتهم بما يعزز الاستدامة الثقافية والتراثية للمجتمع. ولكل ثقافة أمثال وحكم خاصة بها تعكس قيمها وتصوراتها. ويعمل كثير من علماء الأنثروبولوجيا
تبدأ خيوط النور تطل رويدا رويداً، ليزول الشر وتأتي النهايات السعيدة التي تنتقم للفتاة ليس من زوجة أبيها وشقيقتيها فحسب، وإنما للقارئ أو للمستمع أيضا بعد أن عانى ما عاناه معها من ألم. حكاية من نوع آخر تتأثر بعض الحكايات بالتراث الديني، وتبدو الحكاية الشعبية التالية متأثرة بقصة النبي سليمان بن داوود «عليه السلام» التي وردت في أكثر من سورة في القرآن، وأبرزها سورة «النمل» وسورة «ص»؛ حيث ظهرت المعجزات التي جرت على يديه «عليه السلام» وامتزج في هذه الحكاية التأثير الديني مع البيئة التي انتشرت فيها الحكاية، وكما في معظم الحكايات الشعبية جاءت النهاية سعيدة. ففي كتاب «أبوظبي: مشاهدات بعثة دار الهلال المصرية في أبوظبي قبيل الاتحاد» الصادرعن الأرشيف والمكتبة الوطنية، ترد حكاية شعبية أسطورية مما أشيع حول الأفلاج القديمة في منطقة العين؛ إذ إن كبار السن يعتقدون أن الأفلاج القديمة أنجزها في الزمن القديم سليمان بن داوود «عليه السلام» وجنوده العفاريت لما تحتاجه من أحجار كبيرة لبنائها منذ القديم، ولذا فإن بعض الأساطير تحكي أن الملك سليمان كان يطيرببساط الريح، ومرعلى فلاح يحرث أرضه بثور ضخم، وما إن رأى الثور سيدنا سليمان حتى توقف عن الحرث، فسأله الفلاح دهشاً: أيها الثور لماذا امتنعت عن الحرث؟! إنه لا يستحق منك كل هذا التبجيل؛ فهوإنسان بخيل؟ وسمع سليمان كلام الفلاح فنزل ليسأله: لماذا تصفني بالبخل؟ فقال له: لأنك تركت جنودك يشربون معنا مياهنا القليلة دون أن
تنصحهم بالبحث عن مكان جديد للماء! فقال له: ولكن كيف أعرف أين توجد منابع المياه الجديدة؟ فقال الفلاح لسليمان الحكيم: طائر الهدهد يستطيع أن يسمع خريرالماء تحت الأرض فيدلك على مكانه! ونفذ سليمان فعلا كلامه، واستعان بالهدهد وبالعفاريت من جنوده الذين جدّوا في إقامة تلك الأفلاج ذات الأحجارالضخمة. مقومات أخرى للحكاية الشعبية وفي بحث بعنوان: «الحكاية الخرافية في بادية الإمارات» وهو من بحوث «مؤتمر بادية الإمارات» الذي نظمه الأرشيف والمكتبة ، ورد أنه في الحكاية الشعبية تتضافر 2005 الوطنية عام مقومات عديدة تسهم في بقائها واستمرارها، ومن هذه المقومات: الشخصيات الغامضة، وعقدة الحكاية، وتحقيق المستحيل في سبيل نصرة بطل القصة كما حصل في قصة «بديحة» حيث ساعدتها الطيور والسمكة المسحورة حتى أنجزت ما عليها من مهام تعجيزية كلفتها بها زوجة أبيها، ثم زينوها لتصيرأجمل فتاة وتحظى بفارس أحلامها، وتنتقم من زوجة أبيها الظالمة، وهذه الخاتمة هي أكثرما يبعث السرورفي نفس القارئ أوالمستمع. الحكاية الشعبية.. ولون آخر للخاتمة الحكاية الشعبية أو «الخروفة» غالبا ما تتشابه في البلاد العربية مع اختلافات في اللهجة ومفردات البيئة تضمن وصول قيمها وإيحاءاتها إلى المستمعين من أبناء المجتمع، وأذكر تماما أني كنت أعيش أجواء الحكاية الأسطورية وأنا أصغي بشوق إلى راويها لمتابعة أحداثها كاتب وصحفي مقيم في الإمارات
23
22
2023 أكتوبر 288 / العدد
الحكاية الشعبية جزء خالد في تراثنا وذاكرتنا
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online