مجلة تُراث عدد 288 - أكتوبر 2023

الحكاية الشعبية.. حاملة قيم الشعوب وتراثها

على مقارنة وتحليل حكايات الأمثال والحكم في ثقافات عدة مختلفة لاستخلاص تأثيرها واختلافها، وقراءة تاريخ المجتمعات وثقافتها من خلالها. وللحكايات الشعبية الإماراتية أنواع عدة منها الحكايات المروية عن الأجداد، التي تتناول حياة الأجداد وقصصهم الواقعية، والتحديات التي واجهوها في الماعضي وكيف تغلبوا عليها بالصمود والإصرار، وحكايات البحارة والصيد، التي تحكي عن تجارب الصيادين في مواجهة مخاطرالبحرومغامراته وما يحيطها من أساطيروخرافات. وحكايات الحيوانات والنباتات، التي تضم قصصا أبطالها شخصيات رمزية، وتستخلص فيها العبروالدروس. هناك حكايات شعبية قائمة على أساطيرالخيال والجنيات أيضاً، ذلك العالم الموازي الذي ظل يمثل مصدرا غنيا للحكي والخيال القصظصي، وتشمل حكايات خرافية وخيالية تجمع بين العالم الواقعي وعالم الخيال، مع وجود شخصيات مثل الجنيات والمخلوقات السحرية، كذلك نجد «الخروفة»، وهي كلمة منحوتة من كلمة «خرافة»، وهي نوع من الحكايات الشعبية الإماراتية التي تروى للأطفال قبل النوم. وتكون غالبا قصصا قصيرة وبها شخصيات وأحداث خيالية، رمزية من الحيوانات والنباتات والجنيات وغيرها، وأغلبها حكايات حكم وأمثال، وهي وسيلة فعالة لتجذير القيم والأخلاق الحميدة في عقول النشء وقلبه. كما نجد حكايات البيئة والطبيعة التي تبرز علاقة الإنسان بالبيئة المحيطة وكيفية التكيّـف معها لضمان البقاء والاستدامة. هذه الحكايات تمثل جزءا مهما من الهوية الثقافية للإمارات،

وهي تعكس تفاصيل الحياة اليومية والقيم الأصيلة المتجذرة في المجتمع الإماراتي. كما تتناول الحكايات الشعبية الإماراتية مجموعة متنوعة من المحاور والموضوعات التي تعكس تجارب الحياة والقيم الثقافية للمجتمع، وعلى رأسها القيم والأخلاق، إذ تتناول العديد من الحكايات قصصا عن الكرم والصدق والشجاعة والاحترام، والرحمة، والبر بالوالدين، والتعاون والتضامن بين أفراد المجتمع، سواء في حل المشكلات أوفي تحقيق أهداف مشتركة. وتقدم الحكايات الشعبية التي تستلهم الأمثال نصائح وحكما تعبر عن التجارب الحياتية وتمثل مصادر للإرشاد، كما تتناول بعض الحكايات العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع والقيم المرتبطة بالأسرة والعلاقات البينية. وتنقل بعض الحكايات الأحداث التاريخية المفصلية التي مر بها تاريخ الإمارات. وتُغطي هذه المحاور مجموعة واسعة من الموضوعات التي تمثل تراث الإمارات وثقافتها، وتعكس تنوع الخبرات والمعارف التراكمية في المجتمع. ومن الأمثلة على بعض حكايات الأمثال والحكم في الحكايات الشعبية الإماراتية، ما يُحكى أن بدوية كانت تعيش مع ولديها، وبينما كانت تغزل ذات يوم، أخبرَتْهُما بأنَّها سوف تَدَّخِر مالا من قيمة الصُّوف، لتشتري به بكرة (وهي الناقة الشابة من الإبل، التي لم تلد بعد)، وعندما تَلِد النَّاقة سوف تعهد لأحدهما بالاهتمام بمولودها. فنشأ على الفور صراع بين الولدين على من

منهما سيتولى هذه المهمة، ما أدى في نهاية الأمر إلى أن قتل كل منهما الآخر، فقالت أمهما: «البَكْرة ما يت والعِيال تذابَحُوا على عِيَالها»، فذهبت المقولة مثلا يُضرب للحث على التحلي بالصبر وعدم استباق الأحداث. من حكايات الحكم والأمثال الشعبية الإماراتية الشائعة أيضا ما روي أن خياطا كان يضع النقود التي يقبضها من زبائنه في جرة أو «جحلة» كما تسمى في لهجات دول الخليج، وفي يوم من الأيام شاهد أحد اللصوص «الجحلة» التي يضع فيها الخياط نقوده، فعزم وعاد ليلا لسرقة المال، فوجد الجرة مملوءة إلى نصفها، فأخذها وهرب، وحين اكتشف الخياط في اليوم التالي أن ماله قد سرق، اهتدى إلى حيلة يسترد بها ماله، فذهب إلى السوق وبدأ بالمناداة: «لو خلاها كنت املاها»، وعندما سمع السارق ذلك طمع في أن تمتلئ الجرة نقوداً، ثم يعود ليسرقها، ورأى أن يرجعها إلى مكانها ثم ينتظر، وعاد ليلا مرة أخرى وأعاد الجرة إلى مكانها، فأخذها الخياط وخبأها بمكان آمن، وعندما عاود اللص الكرة، لم يجد شيئاً، وخرج الخياط في اليوم التالي إلى السوق وأخذ يصيح: «من بغاه كله خلاه كله»، كناية عن طمع السارق الذي غلب ذكاءه وجعله يخسرما حصل عليه، فذهبت المقولة مثلا يضرب في ذم الطمع. وكما أسلفنا فإن للحكايات الشعبية دورا توثيقيا مهما في تاريخ المجتمعات، وفي الإمارات نجد قصص أمثال توثق التحول الاقتصادي الكبير في تاريخ الإمارات، الذي حدث في منتصف القرن العشرين، حين تحولت مرتكزات الاقتصاد من عصر اللؤلؤ، الذي كان الاقتصاد فيه يعتمد على تجارة صيد اللؤلؤ، وكان أغلب المواطنين يمارسون مهنة الغوص لكسب الرزق، إلى عصرالذهب الأسود أو النفط، الذي غيّـرمسارالاقتصاد في الإمارات، ودفع بتجارة صيد اللؤلؤ إلى المقاعد الخلفية. وساعد في ذلك ظهور اللؤلؤالصناعي، ومزارع استزراع اللؤلؤفي اليابان، فاتجه معظم الأهالي للعمل في مجال النفط والصناعات، بينما ظل بعضهم متمسكين بالعمل في البحر، رغم ما فيه من مخاطر، فكان الناس ينصحون من بقي على صيد اللؤلؤقائلين: (وِش لِك في البَحَرواهواله وارزاق الله على السِّيْف)، ثم ذهبت مثلا عند أهل الساحل، لمن يخاطرفي طلب الرزق في البحر، بينما أبواب الرزق متاحة دون مجازفات أمامه. كما أن للبحارة مثل آخر يقول: «الشيص في الغبة حلو»، و«لغبة»، هي عرض البحرأوالأماكن العميقة منه، والشيص نوع من أنواع الرطب مرالطعم وغيرمستساغ، ولكن تكون له قيمته

في عرض البحرأيام الغوص حيث يعمل البحارة في صيد اللؤلؤ بعيدا عن الشاطئ، وليس لديهم الكثير من الخيارات، ويضرب المثل للحث على الرضا بأفضل المتاح عند الضرورة. فما نراه غيرذي قيمة، قد يغدومهما عندما نحتاجه ونضطرإليه. ومن الحكايات الشعبية الإماراتية المشهورة حكاية «أم الدويس» أيضاً، وهي قصة خرافية أسطورية إذ تقول الحكاية: إن «أم الدويس» امرأة، شابة شديدة الجمال، يقال إنها من الجن، لها عينا قط تميزها عن الإنسان، تشبه القمرفي ليلة تمامه، وتفوح منها رائحة المسك، وهي تلاحق الرجال في الليل لتفتنهم بجمالها، وما إن يفتتنوا بها ويتبعوها، حتى تقوم بقتلهم وأكلهم. ويشاع أنها تخاف النساء وتظهر للرجال فقط، ويضرب المثل بقصة «أم الدويس» في المجتمعات الإماراتية كرمزللجمال المبطن بالقبح والمهالك، وللتحذير من الانسياق وراء المظاهر الخداعة، ًوللحث على الفضيلة وغض البصرأيضاً. ختاما تعد حكايات الحكم والأمثال في التراث الشعبي الإماراتي واحدة من أهم مكونات الثَّقافة والأدب الشعبي. وإحدى النوافذ التي يطل من خلالها التُّراث ضوءا حاملا في سناه أثمن الحكم والعِبر والمواعظ التي تشكل إرثا معرفيا ضخماً، ووسيلة لنقل المعرفة والتجارب، وتشكيل العقليات وتوجيه السلوك، ما يجعلها جزءا لا يتجزأ من الثقافة والتراث الشعبي الإماراتي الذي يجب الاحتفاء به وتوثيقه شاعرة وكاتبة من السودان

25

24

2023 أكتوبر 288 / العدد

الحكم والأمثال في الحكايات الشعبية الإماراتية: نوافذ إلى استدامة القيم والتراث

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online