مجلة تُراث عدد 288 - أكتوبر 2023

الحكاية الشعبية.. حاملة قيم الشعوب وتراثها

المرعبة، كانت تغشاه الرعشة عند كل غطسة، وقلبه يخفق بلوعة الحرمان من عدم العودة إلى أهله.

من حكايا البحر .. حكايات أبطالها نساء.. أسطورة «سلامة وبناتها» مقاربة نقدية

الفُسحة الخامسة عن الخرافة والبحر ... في الخرافة تقف الحكاية خلف العربة التي تنزلق بك إلى عمق المنحدر والبحر مثل المنحدر يجذبك إلى الهاوية ويتركك وحيدا بين الأفكاك المفترسة، لكن الخرافة تنجيك.. تعلمك كيف ترتاد البحر، وكيف تساوم السمكة التي في البحر، وكيف تراوغ الموجة.. الخرافة حزمة مراوغات ومغامرات ومقامرات وحروب تأتيك من شتى الطوائف العاطفية والفكرية والأكاذيب والدسائس والحيل.. الفسحة السادسة الناس في عصرنا ينظرون إلى هذه الأساطير أو الحكايات أو الخراريف كما يسمونها في الإمارات كأحداث متخيلة، أوملفّقة أو غيرعقلانية، أو غيرمنطقيّة، أو كل ما لا علاقة له بالواقع، أو ما لا يوجد في الواقع، وقد رفضت الأديان في إطارصراعها العقدي والتشريعي هذه الأساطير أيضاً، كما أن الفكر الغربي الحديث رفضها باعتبارها مفاهيم متخلفة. والسؤال لماذا يبدوالبحرفي الذاكرة وحشا ضارياً؟ أنت تستطيع أن تصنع من الفراشة وحشا شرسا ومن الوردة كائنا مخيفا فصور الأشياء في الوجود هي من بلاغة اللغة ونبوغ العقل والخيال المراوغ.. نحن الذين ننزل إلى البحر فنعلق المشانق للأسماك،

محمد فاتح زغل

البحر وفسحاته يتيح البحر كعالم مفتوح الكثير من مساحات التأويل والفسحات المفتوحة.. أمواج تتقدم وتتراجع وفي كل مد وجزر ثمة حكايات يقذفها الموج إلى الشط ولأن الموضوع هوالبحر والأسطورة أو الحكاية سنحاول رصد الفسحات المحتملة كمدخل للدراسة. الفُسحة الأولى البحرهوالذي يحمل الرجال كل صيف إلى الهند وزنجباروالكويت والبحرين، وهوامتداد للمغامرة السندبادية. وهومعبد المناجاة العميقة التي يواجه بها الإنسان ربّه ويشكو معاناته وانكساراته، وهو صرخة المظلومين في وجه الظلم، وصورة الواقفين على ضفافه من كل شعوب الأرض المتمتعين بانسياب أمواجه بين مد وجزر، وهوحامل الهدايا وبوح الذكريات والذاكرة. الفُسحة الثانية يروي الشاعر البحريني قاسم حداد أن النساء كن يعاقبن البحر بكيّه بسعف النخيل المشتعل، وذلك عندما يعود أحد البحارة ميتا بعد رحلة غوص في مجاهيل الماء وغموض الزرقة المترامية، الصورة ليست ميثولوجية أوأسطورية، بل هي حقيقة من حقائق زمن الغوص على اللؤلؤفي منطقة الخليج العربي، غير أن ما تفعله المرأة انتقاما من البحرلزوجها الغائب يقع في إطار التفكيرالشعبي الفطري المولود من طبيعة البيئة البحرية في زمن ماضٍ. الفسحة الثالثة تكتشف السيميائية الفرنسية مارييت دارينيون في كتابها «المتن

، عبرالحفرفي اللغة الوسائطية للكتابة، أن للبحر 2015 المثير» لغته الخاصة ووقعه المختلف في الهوية الثقافية المتوارثة منذ قرون وفي السرديات. إن ما نتصوَّره عن فسحة البحر اللامتناهية هوالذي يصنع طاقة الكتابة التي نُنتِجها حول البحر. ألم يصنع الفراهيدي بحور الشعر؟ فكان منها البحر الطويل والمديد والوافر والبسيط وغيرها، كيف فهم الفراهيدي هذه العلاقة بين لغة الشعروالبحر؟ وكيف نفهم ما قاله امرؤ القيس: وليــــــــــــــــل كمــــــــــــــــوج البحــــــــرأرخى سدولـــــــــه علــــــــي بأنــــــــــــــــــــــــواع الهمــــــــــــــــــــــــــــــــوم ليبتلــــــــــــــــي في الشعر، والرواية والقصة القصيرة في منطقة الخليج العربي يحضرالبحرزمنا ماضيا ومكانا ماضياً، ومع ذلك لم يتحول البحر إلى طلل من الماء أو طلل رملي اندثروتلاءشى من الذاكرة؛ بل هو فضاء يومي مرئي غني بمفرداته، وله لغته وحضوره في الذاكرة الماضية والراهنة. الفسحة الرابعة في كتابه الذي صدرعن مشروع كلمة في أبوظبي بعنوان: «البحر في الذاكرة الإماراتية- تراجيديا الحياة والموت» يرى علي أبو الريش أن البحر ليس لسانا مائيا مجاورا لليابسة فحسب؛ بل هو وجود حياة، وملاذ وجود، وكان الهوة السحيقة التي ابتلعت أرواحا أيضاً، حيث السفرالبعيد في أعماق البحر، كان محفوفا بمخاطره، كما كان الغوص الذي يحمل سلة الغوص إلى الأعماق في نزهة بحرية، بل في صلب المباغتة، وفي لب المداهمة

27

26

2023 أكتوبر 288 / العدد

من حكايا البحر .. حكايات أبطالها نساء..أسطورة «سلامة وبناتها»

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online