مجلة تُراث عدد 288 - أكتوبر 2023

الحكاية الشعبية.. حاملة قيم الشعوب وتراثها

الرؤية الغرائبية في الحكايات الشعبية في الإمارات

والتوجيه، بل عمدت إلى استغلال الفن الشعبي الحكائي لترسيخ هذه النصائح وتوصيلها عبر الحكاية وقصة أم الدويس تشبه قصة بل يورونا في فلكلور المكسيك وأمريكا الوسطى، وقصة النداهة في مصر، وعيشة قنديشة في المغرب، وأم الصبيان في اليمن، وغيرها من الحكايات العربية والعالمية، أما حكاية أبو السلاسل التي تتحدث عن كائن بهيئة رجل طويل القامة داكن اللون ويحمل سلاسل (أوتلفه السلاسل) وهومتوحش يستخدم سلاسله للتهجم على ضحاياه وهويجروراءه ثقلا حديديا وتنبعث منه رائحة كريهة، يهيم على الشواطئ فيظهر في أي وقت بالليل أو في النهاريبحث عن الأطفال لاختطافهم، وهو يظهرفي الأماكن المأهولة بالسكان كالأحياء السكنية في المدن والقرى الساحلية، وله أسماء عديدة منها (بوالسلاسل) و(أبوالصناقل) ومن الواضح أن شخصية «أبوالسلاسل» وظيفتها الاجتماعية تربوية بامتياز، فهي تتسلح بنوع من الرادع الذاتي الذي تخلقه لدى الطفل، فيصبح خائفا من المجهول المتوحش الذي يهدده بالخطر، لذلك يعتبر هذا النص الشعبي نصا هادفا فاعلا في أغلبه، يمارس نوع من التربية الاجتماعية والنفسية مستخدما الحكاية التعليمية والرمزية، وتقدم للطفل نموذجا حيا على المثال الذي يجب أن يُحتذى به حيث تعتبرشخص الحكاية حية نابضة حياة وتفاصيل الحكاية التي يعيشها بوجدانه وخياله وعقله كفيلة بصقل شخصيته وتهذيب ذوقه وتعليمه الالتزام في الحياة، وحكاية (البديحة) المشهورة في الأوساط الشعبية الإماراتية وعنوانها المعروف (بديح بديحوه) وهي الصوت الواقعي الممزوج بالصوت العجائبي ممثلا بشخصية من عالم الحيوان وهي سمكة البديحة تلك السمكة المتكلمة وتصبح الفاعل الرئيؠسي في الأحداث والمسؤولة عن تداعيات أحداث القصة وتطوراتها، وتروي الحكاية قصة فتاة يتيمة تعيش مع أبيها الصياد حالة من الفقروالعوز والحرمان العاطفي من حنان الأم، فتوقع بها المرأة لتتزوج والدها، ولكن بعد الزواج من والدها يتغيرسلوكها وتميل للعناية بابنتها وتظلم ابنة زوجها، فتنتقم السمكة للفتاة ردا لجميلها بعد أن أنقذتها من الموت، فتابعت خدمتها حتى حلت مشاكلها داخل أسرتها وزوجتها من ابن السلطان، ركزت شخصية القصة على سمكة البديحة ورغم أنها كائن غير عاقل فإنها استطاعت أن تلعب دورا كبيرا في المخيلة الشعبية، ووضحت القصة أن المظالم الاجتماعية لها ما يعوضها في بنية الحكاية الشعبية مثل زوجة الأب التي تضطهد ابنة زوجها، وتمارس عليها التنكيل والاضطهاد وتقف أمام تحقيق أحلامها وآمالها في الحياة،

حكاية بابا درياه وهي من الحكايات الخرافية المنتشرة في دولة الإمارات وغيرها من دول الخليج العربي وخاصة عند سكان المدن الساحلية الذين يشتغلون بالبحر والغوص والسفر في البحر وصيد الأسماك ولهذا يصبح لتلك الحكايات تأثيركبيرفي حياتهم ومجالسهم اليومية، ما يفسرتهديدا دائما لسلامة البحارة لذلك وجب عليها توزيع فعل الحراسة والتناوب عليها، ووجوب حراسة السفينة أو المركب ليلا وذلك لأن بابا درياه كان يمثل الغموض والخوف وهما صفتان متلازمتان للشخصيات الأسطورية والخرافية ودوام الرغبة في الاكتشاف، وأم الدويس من الحكايات التي ألهمت الخيال الإماراتي سواء في الماعضي أوالحاضروهي امرأة جميلة من الجن لها رائحة زكية تلاحق الرجال في الليل وتجعلهم يفتتنون بها ويتبعونها ثم تلاحقهم فتأكلهم، وهي تخاف من النساء وتظهر للرجال فقط، وصارت رمزا للقتل والإقصاء من الحياة، وأصبحت أم الدويس دليلا على هيمنة البنية الاجتماعية الصارمة التي تقود زمامها المرأة في مواجهة التسلط الذكوري فأم الدويس قد تكون حكاية من صنع النساء والاعتماد على التخويف من الكائنات العجيبة والمجهولة ووسيلة للردع والتحذير والتنبيه

فاطمة سلطان المزروعي تعتبر الحكاية من أقدم الأشكال الأدبية في عمقها، وتتنوع بين الحكاية الشعبية، أو الحكاية الخرافية - الأسطورية - وقد تطورت للسرد وصار لها أشكال وشروط ومتطلبات كالقصة القصيرة أوالرواية، أوحتى ما يعرف بالرواية القصيرة أوالقصة الطويلة. وبغض النظر عن جميع تلك المسميات، فالنتيجة واحدة وهي الحكاية، التي متطلباتها واحدة أومعروفة، ولايتغيّـر في سياقها إلا الحبكة والحدث والعمق وجوانب الإبداع التي لا تُخفى. وفي بادية الإمارات، نجد الحكاية الخرافية الواحدة تُروى بأكثر من طريقة، تبعا لاختلاف القبائل واختلاف عاداتها وأماكن وجودها، ونظرتها إلى أدق الأمور والتفاصيل. ويصل الأمر إلى أن الحكاية الخرافية العالمية، تتحول إلى حكاية عربية بدوية تتناسب مع طبيعة البدو، من حيث العادات والتقاليد، رغم كون أصل الحكاية فرعونيا أوإغريقيا أوألمانياً. وتبدوالحكايات متأثرة بحكايات وأساطير عربية وغربية، بالإضافة إلى تأثرها بالتراث الديني الإسلامي والوثني. ثم نجد العلاقات الاجتماعية العربية تتداخل في ثناياها، مختلطة بعوامل التشويق السردي وخاصة الأفعال الخارقة. وقد يضيف الراوي إلى هذه الحكايات بعضا من شخصيته أوبيئته أوحالته النفسية، فيطوّع الحكايات ويغيّرفيها، لتتناسب مع بيئته وزمنه. وكل هذه التأثيرات والمكونات، جمعتها هذه الحكايات في أشكال متعددة من مفردات البيئة البدوية في الإمارات، وتعتمد الحكايات العجائبية على الخيال وتتمركز أحداثها حول بطل ذي صبغة غيرإنسانية أو من عالم الكائنات اللامرئية مثل الجن والغول والحيوانات الممسوخة وغيرها، وفي هذا العصرنشاهد هذا الكم من الإنتاج الروائي والقصظصي الذي يضم بين جنباته الكثيرمن التطويرمن تلك الحكايات العجائبية التي ترتكزعلى شخصية الغموض. نذكرمنها ، أبو السلاسل، بابا درياه، أم الهيلان، أم كربة وليفة، بعير بلا رأس، بعير بوخريطة، بوراس، جني الرقاص، حمارة القايلة، خطاف رفلاي، روعان، سويدا خصف، وأم الدويس وغيرها، ومن أشهرتلك القصص التي تم تداولها على مرالسنين

الحكاية من أقدم الأشكال الأدبية في عمقها، تعتبر وتتنوع بين الحكاية الشعبية، أو الحكاية الخرافية وقد تطورت للسرد وصار لها أشكال - الأسطورية - وشروط ومتطلبات كالقصة القصيرة أو الرواية، أو حتى ما يعرف بالرواية القصيرة أو القصة الطويلة

31

30

2023 أكتوبر 288 / العدد

الرؤية الغرائبية في الحكايات الشعبية في الإمارات

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online