مجلة تُراث عدد 288 - أكتوبر 2023

إضاءة

الحكاية الشعبية.. حاملة قيم الشعوب وتراثها

فكانت الحكاية خيرتعويض لكل محروم وخيرمنتقم متخيل يرجع بالعدالة في خاتمتها السعيدة، لقد أبرزت القصة زوجة الأب الشريرة والصورة النموذجية السيئة السائدة في المجتمع، والأب الضائع الذي لا يستطيع أن يحمي ابنته ولا أن يقف أمام زوجته الشريرة، بل كان يستجيب لكل طلباتها ولا يرفض لها طلبا على حساب ابنته اليتيمة التي كانت تعاني من ظلم زوجته فتميل إلى أبنائها على حساب أبناء زوجها. فكانت سمكة (بديحة) المعروفة لدى أهل الإمارات هي التي استطاعت خلال تلك القصة أن تعوّض بطلتها على معاناتها من زوجة والدها بحيث لبت للفتاة كل ما أرادته في النهاية وفاء لها بالجميل. الكاتب كامل عبد الملك في كتابه (ثقافة التنمية: دراسة في أثر الرواسب الثقافية على التنمية المستدامة)، يتحدث عن الرواسب الثقافية وأثرها في المعتقدات من خلال تتبعه لبعض مظاهرالحكاية الشعبية التي تنتشرفي المجتمع العربي، ولعل أكثرها بروزا وانتشارا ما يرتبط بالمعتقدات السحرية والمعتقدات المرتبطة بالتفاؤل والتشاؤم وأن الكثير من الأشكال الطقوسية التي ترتبط بهذا الاعتقاد لا تمت للإسلام بصلة، بل هي اعتقادات ناتجة عن تقليد وثني، فالإنسان التقليدي ينسجم مع البيئة كلما استسلم لإيعازالزمن الكوني وخضع له وهوبذلك يستلهم الحكمة والمهارة في التعامل مع الظروف والمشكلات التي قد تواجهه في حياته، لذلك أسهمت الحكاية الشعبية في توطيد الروابط الاجتماعية بما تحمله من

تتميزاللغة العربية بوجود وظيفة الاشتقاق فيها، ومن مصادرهذا الاشتقاق ما استعمله الناس في حياتهم، وما أطلقوه من ألفاظ اشتقوها من اللغة الأم، فجاءت فصيحة كما هي الحال مع لهجة الإمارات، فثمة مفردات ذات أصل واحد جرى الاشتقاق منها لتدل على معان جديدة، وبذلك تكون هذه اللهجة قد شاركت مع مثيلاتها اللهجات العربية في رفد اللغة بثروة لغوية قيّمة. ومن هذه الألفاظ ما أطلقته الذاكرة الشعبية وحملت معاني الضعف والكسل في البدن وفي الشخصية وهي من الفصيح في العربية قولهم: من معاني الرّهْكة في العربية وتعني: الضّعف، رَهُوْك (رُهُوْك): الضعيف الذي لا خير فيه، والنّاقة الرّهْكة: والرُّهكة والرَّهكة: الضعيفة، والتّرْهوك: مآشي فيه تموّج، ويقال رَهَكْت الدَّابة: حَمّلْت عليها في المسير وجهدتها، والرُّهوك في هذه اللهجة: الأرنب الصغير والضعيف. كقولهم: فلان روبة، وتطلق رّوْبَة أو رُوْبَة (بضم الراء وفتحها): على من فقد الرجولة، وتصرف بعدم اتزان، ومن استعمالات (راب) قولهم: راب الرجل: تحيّروفترت نفسه من شبع أونعاس، أو قام من النوم خائرالبدن. واللبن الروب: هوالذي يمخض ويخرج زبده. يوسم به الكسول أو من يتكلم ويتصرف كالطفل رِوَّال، ورِوَّان: بأنه أبو رِوَّال وأبو رِوَّان، والروال في العربية: اللعاب، أو لعاب الدواب، أما وجه الشبه بينه وبين الطفل أن الطفل غيرمتمكن من نطق كثيرمن الأصوات، وأن الرِوَّال يسيطرعليه في النطق، والقول نفسه مع هذا الرجل من حيث التكلم والتصرف والتكاسل واللام قلبت في الروال نوناً. يوسم به الشخص القليل الأدب في هذه اللهجة زَلِعٌ، وزَلاّعَةٌ: بالزَّلَع، كما في قولهم فلان زَلِع وفيه زَلاَّعةٌ، والزَّلَعُ: (شقاق في ظاهر القدم)، وزلع رجله بالنار (أحرقها)، وزلعت جراحته (فسدت)، وتَزَلَّع (تكسر). الزُّطِّي في هذه اللهجة وفي العربية واحد الزُّط، وهو جيل زُطِّيٌ: فيما طابق الفصيح بِيْدار اللَّهْجَة الإماراتيّة ألفاظ من معاني الضعف والكسل في البدن.. وفي الشخصية والعقل

محمد فاتح زغل أكاديمي وباحث في التراث

من الناس، أوجنس من السبابجة، أومن الهند، والزُّط في الأردن وفلسطين: هم النَّوَر، وهم قوم يعيشون مما يكسبونه من حفلات الرقص والغناء، وقد تطورت دلالة هذه اللفظة فصارت تطلق على كل همجي، أوقليل الأدب. تطلق هذه اللفظة في هذه اللهجة على الأبله، مُسَمَّر (مْسَمَّر): والكثير النسيان، ويتبدى هذا المعنى بوضوح من حيث إن المسمر المثبت بالمسامير على الخشب، وهي مسألة تنبئ عن عدم الحركة وأنه لا رأي له، ولست مع الأستاذ محمد المرفي أن المسمرفي الخشب يطفوعلى الماء بوساطة الخشب. مُصَقِّع، ومُسَقِّع (مْسَكِّع، ومْصَكِّع، ومْسَجِّع، ومْصَجِّع): تستعمل هذه اللفظة في هذه اللهجة للدلالة على من يوسم بالبلادة، وعدم الاتزان في تصرفاته، وسلوكه، وضعف الإدراك، والفهم، وغيرذلك. وللفعل سقع (بالسين والصاد) وما يدور في فلكه دلالات في (ضربه)، وسقع الآشيء (صاح) سقع الديك العربية، منها: : الجليد، والصقيع َ: (عدل عن الطريق)، وصَقَع َ: ذهب، وسَقَّع : دخل في الصقيع، وأصقع وأصقع الرجل : الكذاب، والصَّاقع الناس من شدة البرد، ودلالة هذه اللفظة في هذه اللهجة تتبين من عدم إدراك الغاية من الذهاب، وغيرذلك، وذكرالخليل بن أحمد الفراهيدي لغتين في كل صاد تجيء قبلها القاف في كلمة واحدة، متصلة كانت هذه الصاد، أوغيرمتصلة، على أن الصاد في بعض الألفاظ أحسن، والقول نفسه في السين، كالصقع في الصاد أحسن منه في السين

قصص عن القيم والروابط الأسرية وتخلق جوا من التواصل بين الراوي والمستمعين سواء كانوا أبناءه أو زملاءه وكانت الحكاية الشعبية عبارة عن انعكاس لهموم المجتمع حيث تروي ما يقاسيه الصياد من الفقر أو التاجر من الغربة ومشاكل الأسرة ومن ثم تصبح تلك الشخصيات الغرائبية المتخيلة في ذاكرة المجتمع هي الحل للكثير من القضايا في المجتمع فيتم تداول الحكايات وانتشارها بشكل كبيربين الناس، وفي هذا السياق أرى أن الحكايات الشعبية مرآة للمجتمع في الماعضي حيث تطلعنا على الطريقة التي كان يفكرفيها ويعيشها أجدادنا وتجعلنا ندرك همومهم ومشكلاتهم وطموحاتهم، فهي تراث أصيل وجميل يجب الحفاظ عليه في الكتب، واستخدام وسائل التقنية من أجل نشره، فنسيان الماعضي والتراث أثناء مد التطور خطأ فادح يرتكب بحق المجتمع، فهناك الكثير من الحكايات الشعبية التي لم تسجل ولم تسرد حتى الآن، منها ما كان يقال على ألسنة ركاب القوافل والصيادين والتجار في الماعضي وأصبحت تواجه خطر الاندثار، لذلك كانت الحكايات الشعبية في الإمارات هي الحقل الأهم والأغنى في الأدب الشعبي وهي الأكثرتداولا بين فئات المجتمع، فهي تعبّرعن هموم المجتمع ومخاوفه وآلامه فلا يكاد يخلوبيت من ذكرها على مرالليالي والأيام وعبرالأزمان المختلفة رئيس قسم الأرشيفات التاريخية - الأرشيف الوطني

33 2023 أكتوبر 288 / العدد

32

الرؤية الغرائبية في الحكايات الشعبية في الإمارات

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online