الحكاية الشعبية ..حاملة قيم الشعوب وتراثها
للسرديات الشعبية التأطير السينمائي
شريف مصطفى محمد كل المجتمعات لديها رصيد من الحكي الشعبي الذي تراكم عبرالأزمنة المختلفة، والذي كان له قديما دور كبيرفي تشكيل شخصية الأطفال. واستخدم الحكي الشعبي في التعليم ونقل القيم والثقافة الشعبية من جيل إلى جيل. واستخدم كوسيلة ترفيه وتسرية أيضا في الليالي الطويلة الممتدة حتى شروق الشمس حين كان العنصر البشري هو العنصر الأسا؟سي في تقديم الترفيه وإشغال أوقات الفراغ. فكان الغناء والحفلات البسيطة وجلسات الحكي الشعبي التي اختلفت مسمياتها ومنهجها من مجتمع إلى آخرفي مجتمعاتنا العربية لكنها تتشابه جميعها في المشهدية والآليات وقد تتشابه في بعض القصص. ظل الحكي الشعبي وسيلة للتربية حتى وقت قصير فنحن تربينا على حكايات نتاج البنية العقلية للمجتمع في تلك الأزمنة البعيدة، حيث كان حجم المعرفة ضعيفا فصارت الخرافة ذات باع طويل في تفسيرالكثيرمن الظواهرغيرالمفهومة والمعروفة. كان حجم الوعي البشري ضعيفا ما جعل الرؤية مشوشة وغير واضحة، والقصص التي تعتمد على الخرافة والجن والقوى فوق الطبيعية والعلاقة ما بين الإنسان والجمادات والجان هي الشبكة التي حكمت الحكي الشعبي. وظل الحكاؤون يلعبون على أوتارالخوف لربط المستمع بالقصة والحكاية والشعور بالضعف أمام القوى غير المرئية في الحياة، واستخدم التخويف لتربية الأبناء وزرع القيم بعيدا عن القناعة العقلية بتلك القيم. في العصرالحديث ومع هذا التطور الخارق في العلوم والتكنولوجيا
والرقمية والثورة المعلوماتية وقوة محركات البحث وشبكات التواصل الاجتماعي، أصبح حجم معارف مراهق قارىء في الثامنة عشرة من العمر قد يساوي حجم معارف رجل مثقف عمره خمسون عاما عاش قبل مئة عام من الآن، فهل ندرك حجم الاتساع لنافذة الوعي في العقل البشري؟! ومع حالة التسارع المعرفي التي وصلت إلا أننا نصحو كل صباح على إضافات معرفية مختلفة وجديدة لأن العلماء والمفكرين حول العالم لا يتوقفون عن طرح الأسئلة والافتراضات والسعي وراء الإجابات. ومع هذا النمو والتطور وسيادة قوة العلم يُطرح سؤال مهم هل تتحول الحكايات الشعبية إلى مجرد تراث إنساني يهتم به المفكرون والأكاديميون لدراسة التاريخ الثقافي والاجتماعي للإنسان في الحضارات القديمة، أم سيبقى له الأثرفي بناء وتربية الشخصية للأجيال الجديدة وتكوينها؟ بالتأكيد يمكن أن يستمرأثرالتراث والسرديات الشعبية في تكوين شخصية الطفل وبنائها في حال استطعنا أن نضع هذه السرديات داخل الإطارالمناسب للمعطيات الزمانية للعصرالحديث.. وعبر الملاحظة المباشرة لواقع المجتمعات العربية سنجد أن هناك سيادة معرفية عند الأطفال للعديد من الشخصيات الشعبية والسرديات الشعبية الغربية مثل: «بات مان» و«سنووايت» و«سبايدرمان» و«أليس في بلاد العجائب» وغيرهم فكيف حدثت هذه السيادة المعرفية؟ الإجابة بسيطة لأن الغرب استطاع أن يؤطرشخصياته الشعبية في إطار فني قادر على الوصول إلى الجميع، فلو اكتفى أصحاب شخصية «سوبرمان» أو «باتمان» أو «سندريلا» أو «أليس» في
المجتمعات لديها رصيد من الحكي الشعبي الذي كل تراكم عبر الأزمنة المختلفة، والذي كان له قديما دور كبير في تشكيل شخصية الأطفال. واستخدم الحكي الشعبي في التعليم ونقل القيم والثقافة الشعبية من جيل إلى جيل.
مجلات الكوميكس وحكايات ما قبل النوم لظلت تلك الشخصيات حبيسة المجتمعات الغربية لكن حين صيغت في إطارمن الفنون البصرية كأفلام السينما وأفلام الكرتون والأنيميشين استطاعت بحبكة درامية بسيطة أن تحولهم إلى شخصيات شعبية عالمية. وهذا يدفعني إلى طرح التساؤل أين نحن من تأطير تراثنا والسرديات الشعبية الممتلئة بالكثير من النماذج البشرية في أطرفنية حديثة سينمائية قادرة على التوغل بسهولة في عقلية الطفل وبناء ذهنيته؟! كل ما فعلنا مع تراثنا وسردياتنا الشعبية أننا حبسناها في الكتب وعلى ألسنة الرواة الذين يتساقطون فما عادت الجدات ولا الأمهات تقص على أبنائها السرديات الشعبية ولم يعد هناك أثر للحكواتي كحالة بمختلف صوره في المجتمعات العربية. وباتت سردياتنا الشعبية خافتة أمام أصوات تنبيهات الجوال وشبكات التواصل الاجتماعي. نحن نحتاج إلى مشروع قومي كبيرلتأطيرالحكي الشعبي في أطر فنية سينمائية حقيقية وقوية بروح إبداعية وإنتاجية مختلفة
بعيدة عن تلك الروح التي تُصنع بها المسلسلات والأفلام السينمائية حاليا والتي لا تُسوق إلا في منطقتنا العربية فقط والتي تُصنع بأطرتجارية أكثرمنها إبداعية. تراثنا الشعبي وسردياته مملوءة بالكثير من النماذج البشرية فالمجتمع الإماراتي لديه رصيد عريق من الخراريف والروايات الشعبية إضافة إلى السرديات الشعبية العربية الأخرى مثل: كليلة ودمنة» و«كليلة ودمنة» وغيرهم كل ما نحتاج إليه صناعة سينمائية متخصصة في تقديم الأبطال الشعبيين والقصص الشعبية بصورة مبهرة حتى تستطيع أن تلفت نظرالأطفال وترتبط بعقولهم ووجدانهم وتكون قادرة على ربط القيم الإنسانية والاجتماعية والأخلاقية المرتبطة بالهوية الوطنية بثرائها الممتد منذ الحضارة القديمة حتى العصرالحديث، وتأطيره فنيا ليظل قادرا على الحياة في وجدان الأجيال المتعاقبة بل ويبقى الهدف أكبرحين نسعى إلى تحويله من تراث شعبي محلي إلى تراث بشري عالمي ذي أثرفي باقي الشعوب كاتب وقاص مصري
37
36
2023 أكتوبر 288 / العدد
التأطير السينمائي للسرديات الشعبية
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online