مجلة تُراث عدد 288 - أكتوبر 2023

الحكاية الشعبية ..حاملة قيم الشعوب وتراثها

توءمة المنبت ووحدة الثمار .. الحكايات والأمثال الشعبية

«منّك وْلا من ّيّ» لهذا المثل حكاية؛ فقد كان ثمة رجل غني قوي له في قريته وقبيلته مكانة كبيرة، وكان هذا الرجل يحب والدته العجوز حبا شديداً، ويسهرعلى راحتها وتحقيق كل طلباتها، واضطرته الظروف يوما إلى السفر، فأعد عدته، وحذر أهل قريته من أن يخبروه بأي خبرسيئ عن أمه، وقال لهم: إن عدت وجاءني أحد بخبرمن هذا القبيل قتلته ولا أبالي. سافر الرجل، ثم توفيت أمه، الأمر الذي جعل كل من في القرية يتخوّفون من إبلاغه بالخبرعند عودته، وحينما آن أوان عودته كان أحدهم قد استعد بفكرة تقيهم شر الرجل، فما كان منه إلا أن ذهب إلى مدخل القرية ووضع أمامه كومة من الطوب، وأخذ يبني ثم يهدم ما بناه، إلى أن مر عليه الغني وسأله ماذا دهاك، تبني وتهدم؟! فقال الرجل: أهدم وَأَبني وعلومي أخَس عنّي، ففهم الرجل مقصده، ورد عليه متسائلاً: »أمي ماتت؟«، فقال الرجل: منك ولا منّي. أي أنت الذي قلت بموت أمك ولست أنا. ومن يومها صارت المقولة مثلاً. فيهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن ما نستطيــــــــــــــــــــــــــــــــــــع ثــــــــــــــــــــــــــــــــــــلاث م القصفـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــان والخاطــــــــــــــــــــــــــــــــــــر والربيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع أوّلهــــــــــــــــــــــــــــــــــــم اليــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــران ومعنى هذا المثل الشعري أن ثمة ثلاث فئات من الناس لا نحتمل التقصير في أداء حقهم، أولها الجار، وثانيها إكرام الخاطر أو الضيف، وثالثها الصديق أورفيق الدرب. ويُضرب نصحا في تأدية

«الحريم مدخّلات البعير في الين ْزْ» يضرب هذا المثل بما تتمتع به النساء من ذكاء وفطنة وحكمة وتدبير. ولهذا المثل حكاية من التراث، إذ تروي الحكاية منافسة بين رجال قرية لإدخال جمل كبيرالحجم إلى داخل «ينز» (مخزن) ذي باب صغير، وحاول الرجال، بشق الأنفس، إدخال ذلك الجمل إلى تلك الحجرة، ولكنهم، بجميع اقتراحاتهم ومحاولاتهم، لم يستطيعوا ذلك. وعندما يئسوا تطوّعت النسوة بذلك وتعهّدن بإنجازتلك المهمّة، وكان الرجال يتفرّجون عليهن. فقامت النساء بتبريك الجمل، أي بإجلاسه على قوائمه الأربع، ثم عقلن قوائمه، وتبرّعت إحداهن بالدخول إلى المخزن وبيدها وعاء به تمر، ثم أخذت تلوح للجمل بالوعاء ليقترب. كان الجمل جالسا وعينه شاخصة إلى الوعاء بيد المرأة داخل المخزن. فأخذ الجمل يزحف نحوها تدريجيا حتى ولج من الباب الصغيروأصبح داخل المخزن. وبهذه الطريقة نجحت النساء في اختبارذكائهن، وحدّة تصرّفهن في أعقد الأمور، وفزن على الرجال. وقد تذمّرمنهن شاعرشعبي قديم، فذكرحكايتهن تلك، واعتبرهن ذوات دهاء وحيلة، وقال ضمن قصيدة له: دمّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرن لبْــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلاد مــــــــــــــــــــــــــــــن مكرهــــــــــــــــــــــــــــــن عـــــــــــــــــــــــــــــــاد بالبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاب الصغــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــير قحّمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن لبْعيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر غَـلَــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــب رايــهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن مـــــــــــــــا دعنّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه يسيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــر

خالد صالح ملكاوي الحكاية الشعبية حمّالة تجارب وحكم وأمثال للأجيال المتلاحقة، وتعبيرشفاف عن البنى الذهنية والنفسية والروحية التي تصنع القيم السائدة، فهي صورة لواقعها، وهي كذلك حافظة للقيم والأعراف والسلوكات، وناقلة لها عبرالأجيال. تتضافرالحكاية الشعبية مع عناصرالتراث الأخرى في ترسيخ القيم والعادات والتقاليد، ويتجلى تضافرها مع الأمثال الشعبية والحكم، إذ تلتقي جميعها في أدوارها الحيوية في الإقناع الذي يحظى بتأييد اجتماعي، والعمل على تربية النشء وتوجيه السلوك نحوقيم حميدة ومعارف مهمة تسهم جميعها في ترسيخ العادات والتقاليد وبناء المجتمع على أسس الخيروالفضيلة. والحكاية والمثل والحكمة الشعبية تتشابه في أنها مجهولة المنشأ الأول، فهي لا ترتبط باسم مُنشئها، بل باسم الشعب الذي يسردها ويتداولها، وتحظى بخصائص معنوية وأسلوبية تعزّز من دورها في إحداث تأثيرات قوية، فترسم للمجتمع ملامح البطل الذي يحمل قيمها وثقافتها، وتجعل التاريخ الحافل بالبطولات محتوى لها. فهي لا تنفصم في تكوينها وغاياتها عن العادات والتقاليد والقيم التي تمجّدها. بالعودة إلى أصل المثل الشعبي نجد أنه غالبا ما يرتبط بقصة أو حكاية شعبية تكون وراء ابتداعه، وسببا في ذيوعه وانتشاره، وبذا استطاعت الأمثال الشعبية الصمود، وبقيت راسخة رغم تعاقب الزمن، وهي تعكس اليوم جانبا مميزا من أوجه التراث الإماراتي، كما أنها تؤثرفيه وفي طريقة تعاقب التقاليد والأعراف الثقافية من جيل إلى آخر. لقد استفاد المثل الشعبي من الحكاية الشعبية، سواء كان محمولا ضمن سياقها، أو سببا في ابتداعها وسردها، إذ كانت الحكايات الشعبية ذات يوم وسيلة للتعليم والتثقيف في زمن لم تكن فيه مدارس أو وسائل حديثة للترفيه وكسب المعرفة. ونعرض في هذه الدراسة نماذج من هذه الأمثال والحكايات الشعبية التي تَوَأَمَت وعاشت صامدة تنشرقيم الحياة ومبادئها.

39

38

2023 أكتوبر 288 / العدد

الحكايات والأمثال الشعبية.. توءمة المنبت ووحدة الثمار

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online