مجلة تُراث عدد 288 - أكتوبر 2023

الحكاية الشعبية ..حاملة قيم الشعوب وتراثها

أمثال وحكايات في تراثنا الشعري

والحارث بن عباد وثأره لبجيرابن أخيه، ومعلقة عمرو بن كلثوم، إلى جانب قصص الحطيئة، والخنساء وأخيها صخر، وأكثر من قصة لدى الأعآشى وهو يتطلع إلى النار التي أشعلها المحلق لاستضافته: ُتُشــــــــــــــــــــــــــــــب لمقروريــــــــــــــــــــــــــن يصطليانهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا وبـــــــــــــــات على النــــــــــــــــــــــــــــــارالنـــــــــــــــدى والمحلَّــــــــــــــــــــــــــــــق وحتى في فتح عمورية لأبي تمام نطالع أكثرمن قصة، إضافة إلى ما حل بالبصرة في ثورة الزنج وتلك الصرخة المدوية التي أطلقها ابن الرومي. قصص وحكايات ومآثرنتخذها عبرة مثلى وموعظة حسنة. ويمكن أن نتابع العديد من الأحداث الأخرى كوصف المتنبي لقلعة الحدث، ومطاردة سيف الدولة الحمداني لقبيلة بني كلاب، أو مصرع الأسد على يد ابن عمار، إضافة إلى العديد من قصائده الأخرى، بدءا من سجنه وقيود الصفصاف. وأبو فراس الحمداني وأسره في بلاد الروم يوحي بأكثرمن قصة. وفي هذا السياق، لا يمكن أن ننؠسى ابن زريق البغدادي ورحلته الفاجعة إلى الأندلس، كما لا ننؠسى أبا البقاء الرندي في رثاء الأندلس، ولا أبا عبد الله الصغيروتلك اللطمة الجارحة التي وجهتها أمه إليه: ابـــــــــــــــــــــــك مثـــــــــــــــل النســـــــــــــــاء ملكــــــــــــــــــــــــــــــا مضاعـــــــــــــــــــا لـــــــــــــــم تحافـــــــــــــــظ عليـــــــــــــــه مثـــــــــــــــل الرجـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــال أكتفي بهذه الإلماحات السريعة لأنتقل إلى ذكر بعض الحكم والأمثال، وأكثرما نجد هذه الحكم في قصائد شاعرالسلام زهير بن أبي سُلمى، وقيام هرم بن سنان والحارث بن عوف بإنهاء تلك الحرب الغاشمة ودفع ديات القتلى. ولعل أجمل ما في تلك الواقعة أن بهيسة بنت أوس الطائي هي التي طلبت من خاطبها هرم بن سنان أن يكون مهرها إنهاء الحرب ودفع ديات القتلى، فكان لها ما أرادت ليخلد التاريخ قيامها بتلك المأثرة المجيدة. ونطالع في معلقة زهيروقصائده الأخرى كثيرا من الحكم والأمثال: ومـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن لا يصانـــــــــــــــع في أمـــــــــــــــور كــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــثيرة يُضــــــــــــــــــــــــــــــرّس بأنيـــــــــــــــاب ويوطـــــــــــــــأ بمنســـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم

وقول السموءل: إذا المـــــــــــــــرء لم يدنـــــــــــــــس من اللؤم عرضــــــــــــــــــــــــــه

فكـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل رداء يرتديــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه جميــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل أو قول أسماء بنت أبي بكر الصديق للحجاج، مشيرة إلى ابنها

علي كنعان

المصلوب عبد الله بن الزبير: أما آن لهذا الفارس أن يترجل؟ ويقول بشاربن برد: إذا كـــــــــــــــنت فـي كـــــــــــــــل الأمــــــــــــــــــــــــــــــور معاتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا

يشكّل الفن باختلاف حقوله وأنواعه وأغراضه ركنا جميلا ومفيدا في حياة الإنسان من أقدم العصور. ولعل تقليد مظاهر الطبيعة، وتراكم الخبرات الإنسانية، كان من أوائل آثار الإبداع الفني، سواء في الرسوم على جدران الكهوف، أو تقليد أصوات الطيور، والمؤانسة بطيب الحديث في المجالس ودروب السفر. وتتجلى في الأمثال الشعبية والحكايات خلاصة هذه التجارب، بداية من هدهدات الأم وحكاياتها للأطفال قبيل النوم، وصولا إلى الأغاني والمسامرات وتبادل الأخبار التماسا للمتعة والفائدة واكتساب الزاد الثقافي. ونجد في تراثنا الأدبي، والشعري بوجه خاص، كنوزا وذخائر وفيرة من تلك الأمثال والحكم والحكايات التي تشكل أساسا للتراث وتشكيل ملامح الهوية المتميزة. وتضم «أيام العرب» في الشعر والتاريخ أهم الأحداث والوقائع التي عاشها الأجداد وخبروها في أحوال السلم والحرب، وفي سنوات الخصب والقحط، والحل والترحال، وشتى الأعمال والمناسبات الاجتماعية والفعاليات البشرية. ويمدنا «ديوان العرب» وأمهات الكتب التراثية في مختلف العصور بنماذج وأمثلة متنوعة من الحكم المأثورة والقصص الطريفة الممتعة التي كان لها دور مهم في التربية والانفتاح الفكري والتحصيل الثقافي جيلا بعد جيل. ولعل موسوعة الدكتور جواد علي الموسومة بـ«المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام» من أهم المراجع في هذا المجال، فضلا عن مصادرأخرى ومنها: «الأغاني» للأصفهاني، و«صبح الأعآشى» للقلقشندي، و«الأمالي» للقالي، و«البيان والتبيين» و«البخلاء» للجاحظ، و«كليلة ودمنة» لابن المقفع، إضافة إلى المقامات، دون أن ننؠسى حكايات شهرزاد في ألف ليلة وليلة، وسيرة سيف بن ذي يزن، والسيرة الهلالية. وإيراد هذه العناوين الكبرى يهدف إلى تذكيرالشباب العربي بكنوز التراث وأهمية الاطلاع على ما فيها من مآثر وعبر، وإن كان هذا الجيل مأخوذا بسهولة الدخول والمشاركة في مواقع التواصل الاجتماعي. وأول ما يحضرني من ذخائر تراثنا الشعري قصة الشاعر لقيط بن يعمر الإيادي الذي دفع حياته في سبيل قومه

صديقـــــــــــــــك لــــــــــــــــــــــــــــــم تلـــــــــــــــق الذي لا تعاتبــــــــــــــــــــــــــــــه

يوم حاول أن يحذرهم مما يبيت لهم الأعداء من مكائد وأخطار. كان الشاعرمترجما في بلاط كسرى سابور (ذي الأكتاف) وعلم أن الطاغية الفار؟سي يجهزجيشا لغزو الجزيرة العربية، فكتب إليهم قصيدة يحذرهم من الخطر القادم إليهم، وهي تعد من عيون ٍالشعرالعربي، يقول فيها: يـــــــــــــــا أَيُّهــــــــــــــــــــــــــــــا الراكِـــــــــــــــب المُزجي على عجَــــــــــــــــــــــــل ُنحـــــــــــــــو الجزيـــــــــــــــرة مُرتــــــــــــــــــــــــــــــادا وَمُنتَجِعـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا أَبلِــــــــــــــــــــــــــــــغ إِيــــــــــــــــــــــــــــــادا وخَـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلِّل في سَراتِهــــــــــــــــــــــم ُأَنّي أَرى الرَّأي إِن لـــــــــــــــم أُعـــــــــــــــص قَــــــــــد نَصَعـــــــــــــــا يـــــــــــــــا لَهــــــــــــــــــــــــــــــف نَفـــــــــــــــؠسِي إن كـــــــــــــــانَت أُمورُكُـــــــــــــــم شـــــــــــــــتَّى وأُحكِـــــــــــــــم أَمـــــــــــــــر النـــــــــــــــاس فاجْتمَعــــــــــــــــــــا أَلا تَخافـــــــــــــــون قَومـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا لا أَبـــــــــــــــــــا لَكُـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم أَمسَــــــــــــــــــــوْا إِليكُـــــــــــــــم كأَمثـــــــــــــــال الدَّبـــــــــــــــا سُرُعـــــــــــــــا لكن القصيدة وقعت في يد أحد العيون المحيطة بالشاعر، فأمر كسرى بقطع لسانه ولم يلبث ذلك الطاغية أن أمر بقتله. وفي القصيدة صور شعرية تهز القلوب وتحرك الجماد، وهو يرى ما يفعله الأعداء ويدعوقومه إلى اليقظة والاستعداد: في كُـــــــــــــــل يَوم يَسُنّــــــــــــــــــــــــــــــون الحِـــــــــــــــراب لَكُــــــــــــــــــــــــــــــــــم لا يَهجَعـــــــــــــــون إِذا مــــــــــا غافِـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل هَجَعــــــــــــــــــــــــــــــا لا الحَـــــــــــــــرث يَشغَلُهُـــــــــــــــم بَـــــــــــــــل لا يَرَون لَهُــــــــــــــــــــــــــــــــم مِـــــــــــــــن دون بَيضَتِكُــــــــــــــــــــــــــــــم رِيّــــــــــــــــــــــــــا وَلا شِبَعــــــــــــــــــــــــــــــا مالـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي أراكــــــــــــــــــــــــــــــم نيامــــــــــــــــــــــــــــــا في بلهنيـــــــــــــــــــــــــة وقد ترون شهـــــــــــــــاب الحـــــــــــــــرب قـــــــــــــــد سطعـــــــــــــــــــــا وهناك قصص عديدة ومؤثرة نجدها في مئات القصائد، ومنها على سبيل المثال: حنين الصمة القشيري إلى ريا، وعبث امرئ القيس مع العذارى في دارة جلجل ورحلته الفاجعة إلى بلاد الروم، وفجيعة الجليلة بنت مرة بمصرع زوجها كليب على يد أخيها جساس، واعتذاريات النابغة الذبياني، ومأساة طرفة بن العبد وقصته مع خاله المتلمس، وعشق عنترة بن شداد وفروسيته،

وأبوتمام يؤكد على الحب الأول قائلاً: نقِّل فـــــــــــــــــــــــــــــــــــــؤادك حيث شـــــــــــــــئت من الهـــــــــــــــوى

مـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا الحـــــــــــــــب إلا للحــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــبيب الأول

كـــــــــــــــم مـــــــــــــــنزل فـــــــــــــــي الأرض يألفـــــــــــــــــــه الفــــــــــــــــــــــــــــــتى

وحــنــيــنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه أبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدا لأول منـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــزل وفي شعرالمتنبي عشرات الأبيات من الحكم الخالدة، ولعل أشهر حكمة ترددها الأجيال: ُما كــــــــــــــــــــــــــــــل مـــــــــــــــا يتمـــــــــــــــنى المــــــــــــــــــــرء يدركــــــــــــــــــــــــــــــــــه تجـــــــــــــــري الريـــــــــــــــاح بما لا تشتـــــــــــــــهي السفــــــــــــــــــــــــــــن ومن أمثاله الحكيمة أيضاً: ِتريديــــــــــــــــــــــــــــــن لقيـــــــــــــــان المعالـــــــــــــــي رخيصــــــــــــــــــــــــــــــــــة ولا بـــــــــــــــد دون الشهـــــــــــــــــــــد مـــــــن إبـــــــــــــــرالنحــــــــــــــــــــــــــــــل ويقول إيليا أبوماعضي في التينة الحمقاء: من ليس يسخـــــــــــــــو بما تسخـــــــــــــــو الحيـــــــــــــــاة بـــــــــــــه فــــــــــــــــــــــــــــــــإنه أحمــــــــــــــــــــــــق بالحــــــــــــــــــــــــــــــرص ينتحــــــــــــــــــــــــــــــر الجميل في موضوع الحكايات والأمثال أنها تنتقل من شعب إلى آخر ونرى كثيرا من نماذجها في العديد من البلدان، وإن تغيرت الصيغة قليلا وتبدلت الكلمات ليبقى المعنى والدلالة متقاربة

شاعروكاتب ومترجم سوري

49

48

2023 أكتوبر 288 / العدد

أمثال وحكايات في تراثنا الشعري

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online