أوراق تراثية
تراث السيرة
يعد العدّة لاسترداد ملك العراق من أخيه الأصغرفخاض غمار حروب كثيرة حتّى تمكّن من ذلك بعد ثلاث سنين ونيف. هجريّة بلغ شرف الدولة واسط فملكها. وأدرك 377 ففي سنة صمصام الدولة أن لا طاقة له في مواجهة القوة الداهمة، فاستشار أصحابه في أن يقصد أخاه ويدخل في طاعته، ولعلّه استشار أمّه أيضاً، فنهوه عن ذلك، وقال له بعضهم: الرأي أن نصعد إلى خراسان وأصبهان، فأعرض صمصام الدولة عن الجميع، وسار في زورق عبر النهر قاصدا أخاه شرف الدولة في خواصه، فوصل إليه ولقيه في خيمة أعدّت له وطيب قلبه. وقيل إن صمصام الدولة شعر بالندم على قراره، ولكن بعد فوات الأوان. فما إن خرج شرف الدولة من عنده حتى أمر بالقبض عليه، ثم غيّب في ظلمات سجن في قلعة نائية. لكن مكرالتاريخ لا يؤمن جانبه، وهو دائما بالمرصاد. فقد غيّب هجريّة. وكان 379 الموت شرف الدولة بداء الاستسقاء سنة من المفارقات التاريخيّة أن خادما يدعى نحرير أشارعلى شرف الدولة بقتل أخيه فكان يعرض عن كلامه. فلما اعتل واشتدت علته ألح عليه نحريروقال له: الدولة مع أخيك على خطرٍ، فإن لم تقتله فاسمله. فأرسل في ذلك محمدا الشيرازي الفراش، لكن شرف الدولة مات قبل أن يصل الفراش إلى غرضه، فلما وصل إلى القلعة التي بها صمصام الدولة لم يقدم على سمله. ثم استشار أبا القاسم العلاء بن الحسن الناظر هناك، فأشار بذلك، فسمل عينيه. وكان صمصام الدولة يقول بعد ذلك: ما أعماني إلا العلاء لأنه أمغضى في حكم سلطان قد مات. هل صدق أبوالطيّب في حدسه أن شِبلَي عضد الدولة سيؤولان إلى هذا المآل؟ ربّما، فقد خبر الشاعرتغيّرالدول وتحوّلات الزمان. يقول أبوالطيّب: ِفَـــــــــــــــــــــــــــــذي الدار أَخـــــــــــــــــــوَن مِـــــــــــــــــــن مــــــــــــــــــــــــــــــــــــــومِس وَأَخـــــــــــــــــــدَع مِـــــــــــــــــــن كَفَّـــــــــــــــــــة الحابِـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل ِتَفانـــــــــــــــــــى الرِجـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــال عَلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــى حُبِّهـــــــــــــــــــــــــــــــــا وَمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا يَحصُلـــــــــــــــــــون عَلـــــــــــــــــــى طائِـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل ولم ينته المطاف بالصمصام الأعمى إلى هنا؟ فلقد استعاد حريّته بعد موت أخيه شرف الدولة وملك شيراز وخاض غمار حروب كثيرة في مملكة فارس وقاتل أخاه الملك الجديد فيروز هجريّة التي ضاق 388 الملّقب ببهاء الدولة إلى أن دخلت سنة فيها الديلم ذرعا بالصمصام وأمّه. واتفق أن أبا القاسم وأبا نصر ابني عزالدولة بختياركانا مقبوضين من قبله، فخدعا الموكلين بهما في سجن القلعة، فأفرجوا عنهما، فجمعا لفيفا من الأكراد
وخرجا في إثرالصمصام الذي ثارعليه الديالمة. وتحيرصمصام الدولة فيما يفعل، ولم يكن عنده من يدبره. فأشارت عليه بطانته المقرّبة بالخروج من شيراز، فخرج منها ومعه أمّه وذخائره وأمواله، ولكن الفتى الأعمى وجد نفسه وأمّه وحيدين لمّا تناهب الجنود الذين معه الذخائروالأموال ووثب بصمصام الدولة رجل يدعى طاهرفأخذه وأمّه. وأتاه أبونصربن بختيارفقتله وحز رأسه في السنة ذاتها، فقال أبونصربن بختياريخاطب الرأس المقطوع: هذه سنّة سنّها أبوك! يعني ما كان من قتل عضد الدولة والده بختيار. وكان عمر صمصام الدولة خمسا وثلاثين سنة وسبعة أشهر، ومدة إمارته بفارس تسع سنين وثمانية أيام. وأما والدته فسُلِّمت إلى أحد قواد الديلم، فقتلها وبنى عليها دكّة في داره، فلما هجريّة 389 ملك بهاء الدولة أبو نصر الأخ الأصغر فارس سنة أخرجها ودفنها في تربة بني بويه... كلمة أخيرة: إن كلمة (الحسد) في قصيدة الشاعرهي التي شغلتني طويلا ودفعتني إلى التنقيب في بطون التاريخ بحثا عما آل إليه أمر الأخوين. ولولا هذه القصيدة ما كان لأولئك الأمراء من سيرة تذكر على مرالأجيال. القصيدة وقائلها ما زالا يعيشان بيننا، وما تبقى ليس أكثرمن عظام في تابوت *شاعروكاتب من الإمارات الهوامش: هـجري، 367 ميلادي / عام 970 م، والمتوفى عام 912 . ابن العميد: المولود عام 1 هوالكاتب محمد بن الحسين بن محمد أبوالفضل بن أبي عبد الله المعروف بابن العميد، وزيرركن الدولة البويهي، وابناه مؤيد الدولة، ومن بعده فخرالدولة، لقب والده بذلك على عادة أهل خراسان في التعظيم.
الحياة على الشفاه
إن الأدب الشفهي يشكل طريقة خاصة للتعامل مع التراث الثقافي الخاص بالتقاليد الشفهية التي تهم المجتمع، لذا فإن التقاليد الشفهية تشمل الأدب الشفهي ولكنها لا تنحصرفي حدود، وعلى العكس من ذلك فإن اللغة التي توحد بين هذين المفهومين تمثل ميدانا ما زال في حاجة إلى المزيد من الدراسة وتعميق النظر، ذلك أن الخصائص الشكلية للأسلوب الشفهي ربما تضفي على اللغة طابعا معيناً؛ فعندما نستمع إلى ملحمة شفهية بلغة أفريقية مثلا نقول لأنفسنا إنه بالإمكان ترجمتها إلى الفرنسية أو الإنجليزية لكن يصعب سردها شفهيا في هذه اللغات مع الاحتفاظ بأبعادها الإيقاعية والصوتية، وهذه القضية في الحقيقة تتجاوز مشكلة الترجمة لأنها تتعلق بقدرة بعض اللغات على نقل الأدب الشفهي والتعبيرعنه وهذه القدرة ليست لصيقة بهذه اللغة أوتلك ولكنها تمثل الطابع الذي يخلفه الأسلوب الشفهي على جسد اللغة. والواقع أن مجتمعات التقاليد الشفهية طوّرت ظواهر عديدة بقصد حل مشكلة التواصل وللإجابة عن سؤال جوهري أيضا وهو: كيف السبيل إلى حفظ الذاكرة الاجتماعية من الضياع؟ وما الوسائل الكفيلة بضمان توارث اللغة وتناقلها بين الأجيال والحقب؟ هذه المسألة ومسائل أخرى عالجها كتاب (التقاليد الشفهية: ذاكرة ثقافة) للمؤلف لويس جان كالفي المتخصص في اللسانيات والآداب والعلوم الإنسانية، وترجمه الكاتب المغربي رشيد برهون، ويتناول في سبعة فصول: التقاليد الشفهية وتدريس اللغة، بنية النص الشفهي، الشفهية والإيمائية وقياس العالم، الكون التصويري للتقاليد الشفهية، أسماء الإنسان، التقاليد الشفهية والتاريخ، عنف الكتابة. وجاء في تصديرالكتاب توضيح يشرح هدف الكتاب، حيث أشارإلى أنه كلما تم الحديث عن التقاليد الشفهية تبادرت إلى الأذهان صورة مجتمعات منزوية في قاع الأدغال أومنعزلة في أعالي الجبال لاتصل إليها قَدَم إنسان بعادات غريبة وصناعات تقليدية، أي مجتمعات بعيدة كل البعد عن الفن والحضارة، لهذا يصبح من الضروري إعادة الاعتبار للثقافة الشفهية بدءا بالدعوة إلى رفض هذه النزعة الإعرابية المبتذلة، وهذه الرؤية المتلصصة التي لاتقبل الآخرإلا في غرابته وليس في اختلافه. وأكبر صعوبة يواجهها الباحث وهو يكتب عن الشفهية تكمن
قاسم خلف الرويس باحث ومؤرخ سعودي
في تصوره لهذه الظاهرة انطلاقا من معايير المجتمعات ذات التراث المكتوب، فمنذ البدء تطالعنا الدلالة القدحية لمفهوم الشفهي، وانطلاقا منه ينشأ تقابل بين المعرفة متمثلة في إجادة القراءة والكتابة، والجهل والأمية، أي عدم معرفة مبادئ القراءة والكتابة، كما لو أن كل معرفة تظل بالضرورة رهينة بمعرفة الكتابة. لكن كيف يتعامل الباحث وتحديدا المؤرخ مع الوثائق الشفهية؟ وأنّى له أن يعتمدها وهي تقدم له الروايات المختلفة المتناقضة أحياناً؟! إننا في الحقيقة أمام أسئلة وليدة منطق مجتمعات التقاليد المكتوبة، فما يعد خللا لصيقا بالشفهية، هوفي حقيقة الأمرالمبدأ المؤسس لها. إن تنويعات النص تندرج في إطاريستهدف التخزين في الذاكرة، ويضطلع بوظائف أخرى أيضاً، ونعني بذلك الأسلوب الشفهي. والقضية هنا ليست تقابلا بين التذكر والارتجال، وقياس أمانة النص الشفهي، أوعكس ذلك أي قياس درجة انزياحه واختلافه، ولكنها قضية رؤية ترى أن النص الشفهي ليس واقعة إغرابية أو قديمة، ولكنه حاضرمعنا، يعايشنا ويستمرفي ثنايا الأشكال التي نتعامل معها يومياً. من هنا تلك المقارنات الرصينة بين معطيات اللسانيات الحديثة وما يتضمنه التراث الشفهي من مبادئ مستقلة من لغات قبائل أفريقيا وأمريكا اللاتينية، وطرائق الحساب الحديثة وتلك التي تعرفها المجتمعات الشفهية. إن الفرق بين مجتمعات الكتابة ومجتمعات الشفهية ليس إذا فرقا بين الحضارة والتوحش بل هو إحالة إلى نمطين من المجتمعات وطريقتين في رؤية العالم وتنظيم المجتمع. ومن هنا تلك العبارة البليغة التي يختتم بها الكتاب رحلته مع التراث الشفهي: «ويبقى اللفظ»
101 2023 أغسطس 286 / العدد
100
المتنبِّي.. عِظام في تابوت
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online