أدب ونقد
نقض السرديات الكبرى جماليا في «كيميا» لوليد علاء الدين الاستقصاء التاريخي في مجابهة الأسطورة
الذي يصبح محل اتهام، ومحل تساؤل، بيد أن ما كان يسيطرعلى (وليد علاء الدين) عقلية الباحث أكثرمن تصور الروائي. إن كل ما سبق لا يمكن أن يكون بالنسبة لنا معيارا للجمال الإبداعي وحده، ما لم يكن مقترنا بتقنيات إبداعية وجمالية في طريقة سبك وصياغة الرواية، وهذه التقنيات هي مناط الاهتمام الأسا؟سي للنقد الروائي المنهجي، فلا نسعى لمجرد تفسيرالرؤية، التي جاءت مباشرة في النص السابق، والتي تم تكرار تبنّـيها وتأكيدها مرات عدة في ثنايا النص، وإنما يعنينا بالأساس، كيف عبَّر - جماليا - عن هذه الرؤية، وهل حقق عنصر التشويق، وعنصر الإمتاعية الأدبية؟ هل الدلالة متساوقة مع البنية؟ أم إن الفكرة سيطرت على الكاتب، فأخلص لها أكثر مما أخلص لنصه الروائي؟ يصارحنا المؤلف منذ البداية بأنه يكتب متأثرا برواية «بنت مولانا» للكاتبة (مورل مفروي)، ويقارن بينها وبين رواية «قواعد العشق الأربعون» لـ(إليف شافاق)، في نص عندما يتناوله القارئ منفرداً، فسيظن أنه يقرأ مقالا تحليليا يقارن بين صورة شخصية تاريخية عند مؤلفتين، ويصدر الحكم على كلتا الرؤيتين، وبشكل يصل إلى حد المباشرة والتقريرية، يقول: «شرارة اهتمامي بهذه المخلوقة المسكينة كانت في رواية «بنت مولانا» التي كتبتها الإنجليزية مورل مفروي - قبل سنوات من رواية التركية إليف شافاق «قواعد العشق الأربعون» ... كيميا . 105 عند شافاق شخصية ثانوية لا قيمة لها في ذاتها...»ص
حمزة قناوي في تحليله لأثر الحكايات الشعبية على تكوين المعرفة لدى الشعوب، يقول (جان فرانسوا ليوتار): «فأولاً، تحكي القصص ) Bildungen الشعبية ما يمكن تسميته أنواع التأهيل ( الإيجابية أوالسلبية: وبتعبيرآخر، النجاحات أوالإخفاقات التي تلاقيها جهود البطل. وهذه النجاحات أوالإخفاقات إما تضفي المشروعية على المؤسسات الاجتماعية (وظيفة الأساطير)، وإما تمثل نماذج إيجابية أوسلبية (البطل الناجح أوالفاشل) للتكامل في المؤسسات القائمة (الخرافات والحكايات). بهذه الطريقة تتيح الحكايات للمجتمع التي تحكى فيه، من جهة، أن يحدد معاييره للكفاءة، ومن جهة أخرى، أن يقيم على أساس ، وهذه المقولة ) 1 ( تلك المعاييرما يؤدي أويمكن أن يؤدى فيه» التي جاءت في إطارالتأسيس لما بعد الحداثة، باعتبارها مرحلة متشككة فيما سبق من معرفة جاءت عبرالسرديات الكبرى، في مقابل ما تحقق من إنجازات تكنولوجية تفرض التشكك في هذا الموروث اليقيني، المبني على الحكايات فقط، في مقابل المعرفة العلمية، يمكن القول إن تلك الرؤية ما بعد الحداثية التي تحاول أن تدحض الحكايات الكبرى بوصفها مُسلّمات، هي ما كانت هاجسا مسيطرا على (وليد علاء الدين) في روايته . ) 2 ( «كيميا» رواية «كيميا» تؤسس لنقض السردية الكبرى: «مولانا جلال الدين الرومي»، في مقابل الاهتمام بـ «وضع المرأة وحقوقها متمثلة في كيميا»، وعلى أساس هذه الحالة المسكونة بعدم الوقوع تحت أسرالمقدس الماضوي، ونبش ما فيه من جراح، دون الخشية مما قد تسفرعنه، انطلق الكاتب في روايته مستحضرا عدته من التقنيات الروائية، ليحول رؤيته الفلسفية للوقائع التاريخية، إلى نوع من المغامرة القرائية، التي يبحرفيها القارئ عبرثنايا الفضاء النظصي المقدم في هذه الرواية. يقول (وليد علاء الدين): «كيف لشاعر حقيقي وصوفي عاشق أن يقدم طفلة قربانا لاستمرارعلاقته بمحبوبه؟ وكيف اختفت
إذا تأملنا مقولة «تشكل السرديات الكبرى في حياة البشر موضوعا أثيرا للحكي، وفضاء رحبا للكتابة الروائية. ويتقاطع مفهوم السرديات الكبرى مع مفهوم الأنساق التاريخية أوالفكرية ، فإن ) 4 ( أو الدينية أو الاعتقادية التي تصوغ رؤية شاملة للعالم» نقد الرؤية المطمئنة والواثقة لدى قطاعات عريضة من القراء، تحتاج للكثير من التحليلات السردية العظيمة أيضاً، ما يعني أنها تلقي مزيدا من الصعوبة الخطابية، والصعوبة السيميائية على استخدام التقنيات السردية، فهذه السرديات الكبرى تبدو في عقلية الناس وكأنها حقيقة مطلقة، وعندما يرغب كاتب في
كيميا هكذا وكأنها لم تكن؟ لماذا لم يتأسف الرومي في أشعاره على موت قربانه الرقيق؟ لماذا عاشت نكرة وماتت مجهولة القبر، وهي الموهوبة التي تبنّاها وتربت تحت سقف بيته لتتلقى العلم على يديه؟ لماذا أهداها لشمس رغم علمه بالحب الذي جمعها بابنه علاء الدين ورغبة الأخير في التزوج بها؟ لماذا لم يزوج الرومي شمسا بابنته الحقيقية «مليكة خاتون» طالما يحبه هذا الحب الكبير؟ ما موقف والدي كيميا من تحويل ابنتهما إلى هبة لرجل يكبرها بأكثرمن ثمانية وأربعين عاماً؟ صحيح يا ثريا ما 67 وضع المرأة في عقيدة العاشق الأكبر؟». ص ويمكن القول إن النص السابق هوخلاصة الرؤية الفلسفية التي بنيت من حولها المادة الأساسية للرواية، وهوما يذكرنا بمقولة: (جان فرانسوا ماركيه) في حديثه عن مركزية الرؤية الفلسفية لدى الكاتب، عندما يبث في ثنايا نصه رؤيته الفلسفية بطريقة متشظية، وكأنما قد قام بقتل الفيلسوف الذي في داخله، وأعاد ، وهذه الفكرة تصلح ) 3 ( إراقة دمائه في ثنايا النص الذي يقدمه تماما أن تكون تعبيرا واضحا عن الحالة التي استغرق فيها (وليد علاء الدين)، ما بين الإجابة الساخرة للمشرف السياحي عندما سأله عن (كيميا) من كونها شخصية غيرذات أهمية، وبين رؤيته التي تحاول أن تلقي الضوء على إنسانية الإنسان، واستعادة حق المرأة بعد أكثر من ثمانية قرون، وضرب مثالا لحرية التناول والتحرر من القدسية التاريخية لشخصية (جلال الدين الرومي)،
103
102
2023 أغسطس 286 / العدد
نقض السرديات الكبرى جماليا في «كيميا» لوليد علاء الدين
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online