مجلة تُراث عدد 286 - أغسطس 2023

أدب ونقد

نقضها عبرالتأليف الروائي، ويرغب في وضعها موضع المساءلة، فإنه مطالب بأن يأتي بالكثيرمن العناصرالجمالية التي تعمل على تهيئة العقل للتفكيرفي مثل هذه الأمور. لقد استفاد من التشابه بين اسمه، وبين اسم ابن (جلال الدين الرومي)، ليجعل منه انعكاسا من صورة المرآة، واستفاد من تقنيات العودة في الزمن لخلق حالة من انعدام الزمكان، والقدرة على التحليق بشفافية متخطيا عوالم المكان والزمان، وقدرمن المغامرة التي تشبه مغامرات المحققين السريين ليعمل على تشويق القارئ وجذبه أيضاً، ليظل طوال الوقت مشدودا إلى تلك الوقائع الغريبة، وتلك الأحداث التي تقع أمامه، إضافة إلى التراث الصوفي نفسه، فما يشيرإليه المؤلف من قائمة مراجع، توضح أنه قام بإجراء بحث تاريخي موسّع حول (جلال الدين الرومي)، وحول تاريخه وطريقته، لقد أجرى تقصيا تاريخيا كبيراً، أثبت له بما لا يدع مجالا للشك، أنه ليس هناك ما يكفي من توثيق وذكر تاريخي، لشخصية (كيميا). وهذا الأمر في حد ذاته - رغم أنه يحسب للمؤلف لا شك- فإنه يمكن أن يحسب عليه أيضاً، فإذا كنا في النهاية لا نعرف يقينا ماذا حدث لـ(كيميا)، والكثير من المعلومات حول الشخصية مستمد من الرؤية الروائية، فكيف من هذا الشك أن يكون مقنعا للنيل من سردية كبرى مثل سردية (جلال الدين الرومي)؟ ومع ذلك فإن النص يبقى له جدة الطرح المغاير، والتساؤلات التي تضرب في كل ناحية، على شكل ربما لم يخطر بالبال من قبل أن يتم التساؤل عنه، فقد استغل المؤلف الموضوع الرئيؠسي: «وضع المرأة في الطريقة المولوية»، ليقدم من خلاله ملاحظات عدة حول التاريخ، منها على سبيل المثال استغلال الأتراك للإسلام كسبيل لغزو العالم، وبينما تركت الكثيرمن الأماكن التي تم فتحها، واعتنقت الإسلام، تركوا لغاتهم الأصلية، وتحولوا للغة العربية، إكراما لها لكونها لغة القرآن الكريم، إلا أن الأتراك، الذين كانوا يمثلون الخلافة العثمانية، حافظوا على اللغة التركية ولم يقبلوا تغيير لغتهم، ولا تغييرملابسهم، ولا حمل السواك، في إشارة واضحة، إلى نوع من الرؤية السياسية قابعة في الخلفية لدى المؤلف أيضاً، وهو ما يأتي على خلفية السياق النظصي من ملاحظات عن المكان، وعن السياحة في تركيا، وعن ضعف إتقان اللغة الإنجليزية لدى الأتراك، رغم رغبتهم في الالتحاق بالاتحاد الأوروبي، الحديث العابر عن العادات والتقاليد واللون الأخضر، والكثير مما تركه العثمانيون كميراث تظهرأحيانا تأثيراته في مصر، حتى الحرب بين مصروتركيا في الماعضي كانت حاضرة أيضاً.

المؤلف «أفق التوقع» لدى القارئ بشأن قبر (كيميا)، حتى إننا في لحظة كدنا نشعرباقتراب أن يعرف مكان قبرها، وهو ما يعد في حد ذاته إنجازا تاريخيا له قيمتُه، لكن سرعان ما نعود من هذا التوقع، إلى عدم قدرة تحديد قبر (كيميا) على وجه اليقين، بل ربما لا نستطيع أن نعرف ما الذي حدث لها بالضبط أيضاً، ففي النهاية يبقى كل ما لدينا مجرد تكهنات، ورؤى لمجموعة من الروائيين والروائيات، وربما لولم تكن النسوية لها قوتها الثقافية الآن، لما كان للموضوع رونقه، أو احتمالية طرحه كخلفية فلسفية يُبنَى عليها سياق روائيٌ، يكتسب نوعا من التشويق عبر المغامرة، والتنقل في المكان، والتدعيم بالخلفيات التاريخية للشخصيات المتنوعة، فضلا عن الرؤية النقدية للوضع المادي والاقتصادي، فتأكيد استغراب المؤلف كون أغلب الهدايا التذكارية المقدمة للسائحين هي صناعة صينية، وليست صناعة يدوية، أوصناعة تركية. وقد اختارالمؤلف أن تكون الشخصية الرئيسية والراوي والسارد في الرواية، هي شخصيته بذاتها، ليوفر علينا عناء البحث عن المؤلف الضمني، والأنا الثانية للكاتب، ليقدم لنا آراءه ورؤيته على نحو مباشر تماماً، وهنا نستطيع القول إن الصوت الذي كان يسمعه ما هوإلا تجسيد لضميرهِ، وحضور لنوع من الحسرة على ذلك العاشق الذي كانت أمامه معشوقته، وتبدوهي الأقرب له سنياً، لكن لا يستطيع أن يتزوجها لتذهب إلى مصيرها المحتوم مع (شمس التبريزي)، ضميرالراوي وتساؤلاته وطرح النظرللشخصيات التاريخية بوصفها شخصيات إنسانية عاديةً، لديها الرغبات المكبوتة، ولديها المشاعرذاتها التي نشعر بها من غيرة وحقد وطمع وحسد، وقد أراد أن يقدم هذه الرؤية في قالب من البنية الروائية، بدلا من تقديمها في بنية مقال، أو عبر دراسة أوتحليل، ليأتي النص الختامي للمغامرة التي قادها باحثا عن شاهد (كيميا) معبرا تماماً، ومن دون غموض، يقول: «حين تجد سبيل حالك، أرح ضميرك، ضع شاهدة الضريح، اغرسها هنا في قلب مقبرة قاتليها، دع الناس يعرفون قتيلة مولانا، اغرس السؤال بين صدورهم، ضع بذرة الفكرة، ولا شك سوف تنبت فيعرف البشرأن حياة فتاة - على بساطتها - فوق كل دين وقبل كل معبود.. اغرس شاهدة قبرك وارحل إلى ديارك فإنك أتممت . وهذا النص الذي أرى أنه النهاية الحقيقية 217 الرسالة»ص للفضاء النظصي، وليس الصفحات الأخيرة المتبقية، دال على ما رغب المؤلف في توصيله، ولكن لماذا اختارأن تكون الشخصية الرئيسية لعمله الروائي هي شخصيته هو ذاته؟ في اعتقادي أنه لم يرد أن يكون في النص خلفيات تاريخية لشخصيات روائية

بخلاف الشخصيات التي أراد أن يحكي عنها، شخصية (كيميا)، وشخصية (علاء الدين)، و(جلال الدين الرومي)، و(شمس التبريزي) و(كيرا خاتون) زوجة (جلال الدين)، وهكذا، ومن ثم فاستحضار شخصية غير المؤلف كانت ستستدعي سياقات تاريخية وتأصيلا روائيا لهذه الشخصية ربما لم يرد المؤلف أن يثقل عمله بها، أو ربما هي بداية لسلسلة من المغامرات التي سيكون فيها المؤلف حاضرا بنفسه ليقدم لنا كل مرة رؤية جديدة من زاوية مغايرة * شاعروناقد مصري الهوامش: . جان فرانسوا ليوتار: الوضع ما بعد الحداثي، ترجمة: أحمد حسان، دارشرقيات، القاهرة، 1 . 41 م، ص 1994 م. 2022 . وليد علاء الدين: كيميا، دارالشروق، القاهرة، 2 . راجع: جان فرانسوا ماركيه: مرايا الهوية: الأدب المسكون بالفلسفة، ترجمة: كميل داغر، 3 . 21 م، ص 2005 المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ، 10 . د.عماد عبد اللطيف: تمثلات السرديات الكبرى، مجلة الكوفة، جامعة الكوفة، عدد 4 . 85 م، ص 2016 الكوفة، . جوناثان كولر: نحونظرية لأدب اللا نوع، ضمن: القصة الرواية المؤلف: دراسات في نظرية 5 . 195 م، ص 1997 الأنواع الأدبية المعاصرة، ترجمة: د.خيري دومة، دارشرقيات، القاهرة،

لكن كل هذا لا يبدوكافياً، فها هو (جوناثان كولر) يقول: «وليس جوهرالأدب هوالتمثيل. ولا شفافية التوصيل. إنما جوهره إبهام ما، مقاومة للفهم تمرن الحساسية والذكاء؛ فكما أننا سنتوقف عن الألعاب إذا تحكمنا فيها تماماً، فكذلك الأمر في اهتمامنا بالأدب، إنه يعتمد على ما يسميه جيفري هارتمان «العلاقة ، لذا ) 5 ( المتميزة للشكل بالوعي»... التوتر بين القراءة والكتابة حشد وليد علاء الدين نصه بكثيرمن التقنيات، أبرزها أن روح (علاء الدين بن جلال الرومي) قد تلبسته، وسكبت في روحه محبة لـ(كيميا)، ورغبة عارمة في معرفة مكان قبر (كيميا) أيضاً، ليضع شاهدا من الحجردقيق الصنع على مرقدها. وبينما يحاول (وليد علاء الدين) متلبسا بروح (علاء الدين)، حتى إنه يقول: «أحمد.. أعرف أن تواصلنا ليس منتظماً.. ولكن إذا اختفيت من الحياة، فأنا في قونية، تطاردني أشباح يقودها علاء الدين بن جلال الدين الرومي.. لم يجد غيري ليدله على قبركيميا ، وهذا الجانب الغرائبي، ولعبة الألغاز 103 حتى تهدأ روحه» ص التي أدخلنا فيها المؤلف لكي يبث من خلالها ما يرغب في أن يقوله، خصوصا بعض الرؤى السياسية المتعلقة بنفوذ الدراويش الصوفيين لدى الحكام في الماعضي، وفرض مبدأ التسليم المطلق وعدم التساؤل، والسياق الرسمي الذي تتبنّاه حاليا الحكومة التركية للجذب السياحي باستخدام السيرة التاريخية لطريقة مولانا جلال الدين الرومي، كل تلك نقاط من الصعب كان بثها من دون تقنية التلبس الروحي التي تتملكه وكان الأمرصعبا للغاية وغيرمقنع فنياً، وغالبا سيغيب عن القارئ التساؤل: ما الذي يبدو مريحا لروح (علاء الدين) في معرفة مكان قبر (كيميا)؟ وما الذي لدى (وليد علاء الدين) يستطيع أن يقدمه لروح (علاء الدين) أكثرمما تستطيع تلك الأشباح التي تطارده أن تقدمه له؟ لقد رفع

105

104

2023 أغسطس 286 / العدد

نقض السرديات الكبرى جماليا في «كيميا» لوليد علاء الدين

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online