مجلة تُراث عدد 286 - أغسطس 2023

إضاءة

التراث والذاكرة المجتمعية

الذاكرة ليست مجرد مخزون الأحداث والخبرات التي مرت بالإنسان والتي يختزنها العقل في أجزاء محددة من مخ الإنسان، بل إن الذاكرة هي الأثرالذي تعكسه تلك الذكريات والخبرات على السلوك الإنساني.. فذاكرة بلا أثرهي والعدم سواء. ويبدأ عمل العقل مع الذاكرة لحظة وقوع الحدث أو الخبرة وتحولها إلى صورة ذهنية تسجل ثم تخزن في العقل، وتبقى محفوظة في العقل تنبض بالتجربة التي تؤثرفي المعرفة الفردية للإنسان من خلال الأثرالمستمرالذي ينعكس على ربط التجربة المعرفية مع التجارب المعرفية الأخرى، وفكر الإنسان وهو أثر تفاعلي للذاكرة مع منطقتي اللاوعي والوعي عند الإنسان يستدعي المعرفة أو الحدث بصورة مباشرة من خلال عملية التفكير وإنتاج الأفكار والمفاهيم الفردية الخاصة والتي هي في النهاية انعكاس لتفاعل التجارب السابقة التي عاشها الإنسان وطبعت في مخزن الذاكرة لديه. الذاكرة ليست مجرد صفة بيولوجية فردية، بل للمجتمعات ذاكرتها الجمعية التي تؤثربصورة ما في الذاكرة الفردية، الذاكرة المجتمعية هي بناء تراكمي تكون على مدارالتاريخ وتبقى ذات تأثير كبيرفي بناء الشخصية وتكوين ملامحها العامة داخل المنظومة القيمية في المجتمع فتلك الذاكرة التي تكوّنت على مدار الزمن وتوارثها المجتمع جيلا بعد جيل تعبر عن الهوية بكل مفرداتها، بالتالي حين يدرك المجتمع قيمتها ويضع في الحسبان دورها الداعم في بناء شخصية ذات قيم وطنية إنسانية لابد وأن يعمل على الحفاظ عليها من الإبدال أوالتشويه أوالجمود. في واقع الأمرإن الحفاظ على الذاكرة المجتمعية هوحفاظ على هوية المجتمع وخصوصيته الثقافية والقيمية ومن أجل بناء شخصية سوية ذات ملامح وطنية إنسانية ومتطلعة للتحضر والمستقبل والتحلي بالعلم والثقافة الكونية لابد من الحفاظ على تلك الذاكرة حية وفعالة ومتجددة، فكيف يمكن تحقيق ذلك؟ هناك طرق عدة للحفاظ على ذاكرة المجتمع وهويته: الأولى من خلال الحفاظ على مخرجات الثقافة الشعبية - التي هي جزء رئيؠسي في الذاكرة المجتمعية - من مخرجات مادية كالتراث

وسألت نفؠسي ماذا يعني التطوير؟ هل هو دمج هذا التراث بالحداثة وخلطه بالمفاهيم الحديثة؟ هناك بعض المتخصصين في التراث يرفضون فكرة التطويرويعتبرونها هدم للتراث وإن أتفق معهم أن التطوير بمعنى التغيير وإعادة بناء المفردات هو هدم للتراث ولكن ألم يكن التراث هو نتاج تراكم مفاهيم وخبرات في الذاكرة المجتمعية المتعاقبة لأجيال وراء أجيال. ويمكن للأجيال الجديدة أن يكون لها دور في تراكم بعض المفاهيم أوالمفردات الجديدة على الذاكرة والتراث المجتمعي أم إننا سنغلق عليه باب التراكم ونقول هنا نتوقف وكفى ما كان، وندخل التراث اللامادي القابل للتأثير في تكوين الشخصية الوطنية في نفق المتحفية ونغلق عليه الصندوق الزجاجي ويصبح مجرد فرجة للعابرين. إن أردنا أن يظل التراث حيا لابد وأن نترك للأجيال الجديدة الحرية في تراكم مفاهيمها الذاتية ومفرداتها التي تتأثر بتغيرات الكون من حولهم، وتتأثربذلك التبادل الثقافي الكبيرالذي يحدث بين الشعوب في العالم من خلال التطور التكنولوجي الكبيرالذي حدث في السنوات الأخيرة وتوسع شبكات التواصل الاجتماعي وتحولها إلى نافذة عملاقة ومتجذرة في المجتمعات للتبادل الثقافي. علينا أن نزرع التراث في عقول الأجيال الجديدة ووجدانها ونسمح له بأن يسهم في تشكيل شخصياتهم ويترسخ في وجدانهم. حينها التغييرات التي ستحدث ستكون مجرد تراكمات طبيعية لا تتعدى خطوط الخطرلأننا استطعنا تشييد بناء قوي صامد أمام الانبهاربالجديد والمختلف، وقادر على تقييمه ونقده عقليا وبوعي كاف يسمح للأجيال الجديدة بالحكم الصحيح على التغيير والدمج الإيجابي ما بين التراث والحراك الحديث لمفرداته. من هنا لابد وأن يكون للتراث اللامادي دوره الكبير في التعليم وخاصة التعليم الابتدائي والإعدادي فهما مرحلتان من مراحل التكوين الوجداني والعقلي. تحرص القيادة الرشيدة في دولة الإمارات العربية المتحدة على الحفاظ على الهوية الوطنية والذاكرة المجتمعية للمجتمع الإماراتي، واهتمت بالعملية التعليمية بصورة خاصة حيث أقرت قبل سنوات عدة مادة التربية الأخلاقية للتدريس بالمدارس اعتمد منهجها على الموروث الأخلاقي والقيمي للمجتمع الإماراتي

وكانت خطوة واسعة على الطريق الصحيح للحفاظ على الهوية الإماراتية. القيم الأخلاقية هي أهم عمود من أعمدة هذا التراث اللامادي إلا أنها ليست العمود الوحيد الذي يحمل الرصيد العظيم من التراث الإنساني الإماراتي بل هناك العادات والتقاليد والآداب الشعبية من قصص وحكايات وخراريف ونوادر وشعر نبطي وغيرها لابد وأن نهتم بها ونبدأ في استكمال عمل منظومة شاملة للحفاظ على الذاكرة والتراث المجتمعي الإماراتي بخطوة واسعة لنستتبعها بخطوات أخرى لتظل الهوية الوطنية محافظة على خصوصيتها وتميزها وسط المجتمعات؛ لذلك كما أشرت سابقا لابد أن يكون للتراث اللامادي مكانته في المناهج التعليمية ولا نربطه بالمناسبات فقط أو الفعاليات الطارئة التي لا تعتبر جزءا من المنهج التعليمي يجب أن يجد الطفل نفسه يعيش كل القيم التراثية للمجتمع في جميع ما يتعلمه فلا نخلط بين دراسة التاريخ والتشرب بالتراث اللامادي للمجتمع لتبقى الذاكرة المجتمعية لدولة الإمارات العربية المتحدة حية متنامية لا تمنح فرصة للتفاعل الثقافي أن يتخطى حدود التأثير والتأثر الطبيعي الذي لا يؤدي إلى انحراف في بنية الشخصية الإماراتية بل يمثل قيمة مضافة لها ولكي نحقق ذلك لابد من مواجهة العديد من التحديات التي تؤثرفي الاتجاه العكؠسي ولهذا حديث آخر

شريف مصطفى محمد كاتب وقاص مصري

العمراني أو الزي الشعبي وغيرها من متروكات الماعضي التي تتشبع بقيمة تراثية كبيرة، بالإضافة إلى مخرجات لامادية كالقيم الإنسانية والعادات والسلوك والأخلاق وغيرها والحفاظ على وجودها. الثانية أن يبقى هذا التراث حيا يتداخل في مفردات حياتنا اليومية ولا يكون مجرد معلومة مكتوبة داخل كتاب أو ندوة يقدمها متخصصون ويحضرها متخصصون، ولكنها تظل بعيدة عن المجتمع وخاصة الأجيال الجديدة الناشئة التي هي العمود الفقري للمستقبل. الثالثة أن تكون هناك مرونة كافية للتفاعل بين الموروث والعصر الحديث وأن يكون للحداثة دور في تجديد الموارد الثقافية للتوائم مع متغيرات العصرالحديث حتى يكون للتراث دور حقيقي في بناء المجتمع داخل إطارالمرحلة الزمنية الحالية بكل معطياتها التي تختلف عما كان عليه المجتمع قبل مئة عام. كيف يمكن أن نجعل التراث حياً؟ بالقطع لا يمكن أن نبني البيوت على الطرازات القديمة وسط هذا الزخم الكبير من التكنولوجيا والتطور المذهل للعلم والحضارة. لذلك لابد أن ندرك أن التراث بشقه المادي قد لا يمكننا أن نبقيه خارج حدوده المتحفية التاريخية وجعله مكونا من مكونات المفردات الحياتية للمجتمع، ولكنه يبقى ملهما للتراث المادي بروح عصرية تتماهى مع العصرالحديث وتطوراته المتسارعة. أما التراث اللامادي فهو المكون الأهم في منظومة الذاكرة المجتمعية كالقيم الإنسانية والأخلاقية والثقافية والعادات والتقاليد التي تعودنا عليها وأجدني أذهب لسؤال محيّـر هل التراث قابل للتطوير؟ توقفت

2023 أغسطس 286 / العدد 117

116 التراث والذاكرة المجتمعية

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online