اللؤلؤ في الإمارات...موروث واستدامة
ضمن سياسات الاستدامة «لؤلؤ أبوظبي» يحيي إرث الأجداد
أبوظبي» الذي يقع ضمن حدود محمية مروح للمحيط الحيوي، كان في انتظارنا أحد الفنيين، أخذنا في جولة سريعة داخل المركز، بداية من المختبر حيث يصل اللؤلؤ إلى محطته الأخيرة، بعد ذلك دخلنا إلى المجلس وهوقاعة مجهزة جيدا بأجهزة العرض، والديكورات التراثية في إيحاء أن المشروع تراثي في الأساس. بدأ مرافقنا سرد حكاية المشروع؛ تأسـس «لؤلـؤ أبوظبي» في عام كدراسة تجريبية لتقييم جدوى إنتاج لؤلـؤ بجودة عالية 2007 بطريقة مستدامة في منطقة الظفرة، باستخدام النوع المحلي من محاراللؤلؤ، وذلك ضمن سعي هيئة البيئة - أبوظبي في إيجاد وسيلة تُسهم فـي إحياء تراث اللؤلؤ فـي إمارة أبوظبي مـن خلال ممارسات أكثر اسـتدامة. يركز المشروع على أربعة مسارات رئيسية حيث يهدف المسار الأول إلى تعزيز السياحة البيئية في الإمارة من خلال تسليط الضوء على تقاليد دولة الإمارات العربية المتحدة وتراثها، ويتضمن المسارالثاني تسويق منتجات مشروع «لؤلؤأبوظبي». أما المسار الثالث وهو أحد المسارات الرئيسية المهمة للمشروع فيتمثل في إجراء تجارب علمية وتطبيقية لتعزيز المعرفة في مجال استزراع الأحياء المائية للمحار، مما يؤدي إلى زيادة حجم الإنتاج وتحسين جودة اللؤلؤ. وأخيراً، يهدف المسار الرابع إلى رفع مستوى الوعي بين الأجيال الشابة حول الاستزراع المستدام للمحار؛ من خلال تنظيم زيارات لطلاب المدارس والجامعات والمشاركة في الفعاليات المحلية والدولية. الاستزراع والحصاد بعد الانتهاء من الشرح داخل المجلس، خرجنا إلى مر؟سى وهناك كان ينتظرنا زورق سريع، والملاحظ أن كل ءشيء صنع من المواد الطبيعية، حفاظا على المحمية، مع الكثير من الضوابط والملاحظات لزوار المحمية تقرؤها على لوح لا تخطئه العين، انطلق الزورق بسرعة كبيرة يقوده مرافقنا من هيئة البيئة - أبوظبي يشق طريقه إلى موقع الاستزراع، وما هي إلا لحظات حتى غابت حافة البر عن أعيننا وأصبحنا وسط مساحة زرقاء غير منتهية، دقيقة تقريبا تغيّرلون البحرقليلا وأصبح يميل إلى اللون 40 بعد الأخضر مع درجة نقاء يستطيع المرء منها رؤية ما تحت الماء بسهولة، وعلى هذه المساحة ظهرت حبال ممتدة على مساحة شاسعة، معلقة بطوافات لتحافظ على بقائها على السطح. يُعد محار اللؤلؤ من المفرخات الحرة وذلك لأنه يطلق البيض والحيوانات المنوية في المياه المفتوحة، حيث تحدث عملية الإخصاب. ومن بين ملايين البيض المخصب، ينجح القليل منه
الفاضل أبو عاقلة اشتُهرالخليج العربي باحتوائه على أفضل أنواع اللؤلؤفي العالم، حيث أظهرت السجلات التاريخيَّة أنه على الرغم من أن سوق اللؤلؤ العربي أنتج كميات قليلة، فإن جودته كانت الأعلى بكثير مقارنة بالأنواع الأخرى، بسبب بريقه اللافت للنظر والانتباه؛ كان هناك إقبال شديد على لؤلؤ الخليج العربي من قِبل كبارتجارالجواهرالعالميين، حيث تم استخدامه في تصاميم اقتناها الملوك والنبلاء حول العالم. بدأت تجارة اللؤلؤ في منطقة الخليج بالتدهور بعد نجاح تجارب اللؤلؤ المستزرع، عن طريق ) في السواحل الأسترالية، تحديدا جزيرة ثيرسداي في أواخرالقرن 1908 - 1845 عالم الأحياء البحرية البريطاني ويليام سافيل ( التاسع عشر؛ أما تحويل الاستزراع إلى مشروع تجاري فقد تم لاحقا عن طريق تجاراللؤلؤاليابانيين وأبرزهم: كوكيجي ميكيموتو )، ووتاتسوهي مايس، وتوكيآشي في مطلع القرن الماعضي، الذين نجحوا بعد محاولات عدة فاشلة في تصديراللؤلؤ 1954 - 1858 ( ، ما أدى بطبيعة الحال إلى تراجع تجارة اللؤلؤالطبيعي خلال عشرينيات القرن الماعضي وثلاثينياته، هذا 1920 المستزرع في عام إلى جانب اكتشاف النفط في سيتينيات القرن الماعضي الذي زاد من انحسارها بشكل شبه كامل. لم يكن الغوص مجرد تجارة أو وسيلة لكسب العيش، بل كان نظاما اجتماعيا متكاملاً، ترك وراءه تراثا ثريا من العادات والتقاليد؛ يقول: أحمد إسماعيل الهاشمي، المديرالتنفيذي لقطاع التنوع البيولوجي البري والبحري في هيئة البيئة - أبوظبي: «لؤلؤ أبوظبي يعتبرأحد مشاريع استزراع الأحياء المائية الرائدة في المنطقة. وتوصلت هيئة البيئة - أبوظبي إلى طريقة لإحياء تراث الغوص لاستخراج اللؤلؤفي أبوظبي من خلال الممارسات الحديثة والمستدامة. في الماعضي، كان الغوص بحثا عن اللؤلؤمهنة محفوفة بالمخاطر، ولكنه وفرفرص عمل موسمية لتحقيق دخل اقتصادي لمجتمع دولة الإمارات. ونحن بهيئة البيئة نسعى بشكل دائم إلى الحفاظ على تراثنا الوطني، وكذلك حماية البيئة من خلال تطويرتقنيات استزراع الأحياء المائية المستدامة». بداية الرحلة في رحلتي من جزيرة أبوظبي إلى مدينة المرفأ، التي استغرقت نحو ساعتين، كان يشغل تفكيري ما سأراه عند وصولي، تشدني فكرة الربط الزمني وإعادة إحياء تراث غاب منذ مئة عام تقريباً، وحرص الدولة بالسبل المتاحة والمبتكرة كلها في المزاوجة بين الحداثة والأصالة، وهو ما يبدو جليا في مشاريع تحيي التراث وتستدعى الثقافة المحلية في قوالب علمية مستدامة. وصلت إلى مركز «لؤلؤ
في الاستقرارعلى أسطح مناسبة لينموإلى حجم أكبر، أما البقية فتتغذى عليها الكائنات البحرية الأخرى أو لا يجد سطحا مناسبا يستقرعليه. ومن هنا تبدأ رحلة استزراع اللؤلؤالمستدام. يشرح لنا مرافقنا أن هيئة البيئة - أبوظبي تضع جامعات صغارالمحار في مياه الخليج، وهي عبارة عن حبال عائمة تستخدم لجمع بيض المحار المخصب، التي لولاها لن يجد سطحا مناسبا يستقر عليه. تكثفت الأسئلة في رأ؟سي، وزادت دهشتي عندما رأيت بعض الفنيين يقفون على ما يشبه القارب ويقومون بسحب الشباك واحدة تلوالأخرى، ثم بواسطة خراطيم المياه المضغوطة لإزالة العوالق والفضلات، ثم يعيدونها مرة أخرى إلى مكانها، وتكون هذه العملية طوال بقائه في الماء لضمان نموه بشكل صحي وسليم. تُترك جامعات المحار في مياه الخليج لمدة عام، وبعد ذلك يتم جمع صغار المحار ونقلها إلى موقع الاستزراع لتستمر في النمو؛ يتم إنماء صغار المحار في أنواع مختلفة من الشباك لمدة عام آخر حتى تبلغ الحجم المناسب، وحسب مرافقنا ببلوغ المحار عامين يكون قد أصبح جاهزا لعملية التلقيح؛ يتم إدخال نواة مصنعة من صدفة مياه عذبة في المحار الحي، وبعد ذلك يتم إعادة المحار الملقح إلى موقع الاستزراع ليواصل النمو بشكل طبيعي في المياه النقيَّة لمدة عامين لإنتاج لآلئ زاهية. بعد عامين، يتم حصاد اللؤلؤوتنظيفه بشكل بسيط باستخدام الملح الطبيعي ليصبح أكثر بريقاً. تتميز لآلئ المشروع بأنها تنتج بشكل طبيعي، وتأتي في أشكال وألوان وأحجام مختلفة حسب الظروف الطبيعية دون تدخل خارجي. لا تتعرض اللآلئ لأي نوع من المعالجة بعد الحصاد، كما يحدث في عمليات استزراع 80,000 اللؤلؤالمشابهة حول العالم. يُنتج «لؤلـؤأبوظبي» ما بين حبة لؤلؤعالية 20,000 من المحارالملقح وما يقرب 100,000 - الجودة سنوياً. كل ما سبق يجعله مشروعا رائدا في إمارة أبوظبي يربط الثقافة المحلية بالتعليم والسياحة المستدامة * كاتب وصحفي سوادني
27
26
2023 أغسطس 286 / العدد
«لؤلؤ أبوظبي» يحيي إرث الأجداد
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online