اللؤلؤ في الإمارات...موروث واستدامة
وغيرها، وذلك تفاؤلا بجمال تلك اللآلئ وقيمتها وفق مراحل عمرها ومقاساتها وبريقها. أشكال أخرى لاستدامة موروث اللؤلؤ ولا تدخر دولة الإمارات العربية المتحدة جهدا في سبيل تعزيز استدامة صناعة اللؤلؤ، من حيث إنشاء مزارع اللؤلؤ الطبيعي لتشجيع تكاثره، وتشجيع صناعة المجوهرات التقليدية من اللؤلؤالطبيعي، وعلى صعيد آخرفإن هناك المعارض والفعاليات لعرض المجوهرات والصناعات اللؤلؤية الفريدة، والرياضات التراثية والرحلات البحرية الخاصة بالغوص، والأندية التراثية تدعم هذا التراث، وتعمل العديد من المؤسسات في الإمارات على تعزيزمنزلة اللؤلؤواستدامته، وإحياء تراثه وتطويره. فاللؤلؤ وما يتطلبه من الغوص للحصول عليه، والصناعة التي توظف جماله وسحره، والتجارة التي تعود بالربح الوفير على العاملين في حقله، جعله يحظى بمكانة مهمة في تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة، وفي ثقافتها المعاصرة، حيث كان أساس الحركة الاقتصادية، ولذا فإنه لا يزال يحتفظ ببريقه الذي يشع في موروث الإمارات، وما يلاقيه اللؤلؤمن اهتمام جعله جزءا حيويا من التراث الثقافي والاجتماعي للبلاد، إذ يحمل قيما تاريخية تمهد له الطريق إلى مكانه في الهوية الوطنية
العربي، إذ استمرت مهنة الغوص وتجارة اللؤلؤ منذ القدم إلى الحرب العالمية الثانية، ثم انهارت بعد أن قامت اليابان بزراعة اللؤلؤ، وأقبل الجميع على شراء اللؤلؤ الصناعي الأرخص ثمناً؛ فتأثرت أسواق الخليج لذلك كثيراً، وقبل هذه المرحلة كان الطلب على اللؤلؤفي تزايد مستمر. لؤلؤ الخليج .. موروث لا يندثر كانت دول الخليخ تبيع اللؤلؤ وتصدره إلى دول كبرى كبريطانيا وفرنسا والهند وإيطاليا وسائر البلدان الأوروبية حيث تتحلّى به النساء. وفي الجزء الأول من سلسلة (ذاكرتهم تاريخنا)، يقول خميس بن راشد الرميثي: في المرحلة التي تلت عملي كقبطان أصبحت شغوفا بجمع معلومات عن اللؤلؤ، ومارست تجارته فأصبحت طواشا متمرساً، ملما بمسمياته وأوزانه، وأشكاله ومقاييس جماله، ثم تثمينه على هذا الأساس، وما زلت متعلقا باللؤلؤ، ولذا أشارك في المعارض والفعاليات التراثية المختلفة لتعريف الباحثين والجيل القادم بالماعضي وما اكتسبناه من خبرات الآباء والأجداد. وتناقل هذه المعارف والفعاليات التراثية المختلفة التي أشارإليها الرميثي من جيل إلى آخرهي من أشكال استدامة الموروث اللؤلؤي. وحرصا على استدامة الموروث في مجال اللؤلؤ فقد تأسست جمعية الإمارات للغوص حيث كان السيد فرج المحيربي يبحر في مياه الخليج العربي بشكل دوري ومتواصل، وقد صارت للجمعية أنشطة تعريفية، تستقبل الباحثين من جميع أقطارالعالم، وتؤكد الجمعية أن قاع البحرعامرا ومتوازنا ما يُطمئِن إلى استدامة الحياة البحرية. اللؤلؤ.. واستدامته في أسماء الإنسان والمكان ومن أشكال استدامة هذا الموروث في دولة الإمارات العربية المتحدة- تسمية الكثيرمن الأماكن بأسماء تشيرإلى اللؤلؤأيضاً، وذلك نظرا لأهميته ومنزلته في الماعضي، وذلك مثل جزيرة اللؤلؤ في مدينة أبوظبي، ومارينا اللؤلؤفي مدينة دبي، وهي مشروع سكني فاخر، وجزيرة اللؤلؤة في مدينة رأس الخيمة وتتميز بمناظرها الطبيعية الخلابة، وجزيرة اللؤلؤة الخضراء في إمارة أم القيوين، وتشتهربمناظرها الطبيعية أيضاً، ومدينة اللؤلؤ في الشارقة وهي منطقة تاريخية فيها مجموعة من المباني التراثية. وفي الوقت نفسه حملت الكثير من النساء أسماء اللؤلؤ كناية عن جمالهن، مثل: لولوة، دانة، شرينة، حصة، موزة، قماشة،
اللؤلؤ.. استدامة في الموروث الشعبي والثقافي
يالنـــــــــــــــــــايع ترى المـــــــــــــــــــايوع من كثرالونــــــــــــــــــــــــــــــــــين
جمال مشاعل امتد عصر اللؤلؤ لمئات وربما لآلاف السنين في مياه الخليج العربي، ولكنه انتهى نهاية دراماتيكية غير متوقعة، إذ بدأت تخبو صناعة اللؤلؤ تدريجيا منذ أوائل ثلاثينيات القرن الماعضي حتى اختفت تماما في الخمسينيات. وبغض النظرعن معاناة العاملين والقائمين على مهنة الغوص إلا أن هذه الحقبة الطويلة التي اعتمد فيها أبناء الإمارات على الغوص وتجارة اللؤلؤ وصناعته لا يمكنها أن تُمحى من الذاكرة، ولذلك فإن عصراللؤلؤ لا يزال ماثلا في أذهان أبناء ذلك الجيل، إذ وثّقوه في كتاباتهم التاريخية والأدبية وما فيها من أشعاروحكايات. بريق اللؤلؤ وعوالمه يضيء الشعر والذكريات ولاتزال صدور أبناء ذلك الجيل تفيض حنينا وهم يروون ذكرياتهم عن رحلات الغوص عن اللؤلؤبما فيها من مآس وبما يعترضها من مخاطركثيرة وأفراح قليلة، وهاتيك الحياة كان الغوص عن اللؤلؤ سمتها الأساسية. وفي كتب «ذاكرتهم تاريخنا» الصادرة من الأرشيف والمكتبة الوطنية يسطر الرواة ذكرياتهم في رحلات الغوص، ويتحدثون عن سوق اللؤلؤوتجارته. ويذكر أحد الرواة أن شاعرا من دبي وصف جمال إحدى السيدات فقال: بـــــــــــــــــــو مبســـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم قمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاش الحدابـــــــــــــــــــــي يسنيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــك لو من دونـــــــــــــــــــه حيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاب و«الحداب» مأخوذ من بيئة البحر؛ ففي مناطق صيد اللؤلؤ أماكن رملية تسمى الحداب وهي تشكيلة في تضاريس الأعماق تشبه الحدبة ويكون اللؤلؤالمستخرج منها صافياً، ومن الطبيعي أن يكون للؤلؤوأسمائه وأدواته ومغاصاته حضور في الشعر، لأن الأشعار ترتبط بالبيئة، واللؤلؤ كان يسود معظم جوانب الحياة وفي مقدمتها الجانب الاقتصادي الذي يعتمد عليه. وفي شعر «الونّة» المضمخ بالحزن يقول أحد الشعراء لابن نايع:
بو ثنايـــــــــــــــــــا يلالـــــــــــــــــــن مثل حــــــــــــــــــــــــــــــــــب الشريـــــــــــــــــــن
لونهـــــــــــــــــــن لـــــــــــــــــــو نبـــــــــــــــــــات قـــــــــــــــــــد عليهـــــــــــــــــــن نـــــــــــوى ومعناه أن الوجع الذي بك والأنين الذي يصدر منك سببه الشخص الذي فارقته، فهو يشبه أسنانها باللؤلؤ الشرين، والنبات هوالفحال في التمرالذي لم يستو بعد ولكن الناس تأكله وإن كان لونه غريباً. والأشعارالتي ذُكرفيها اللؤلؤوأنواعه وأشكاله، وسبحت مخيلات الشعراء في عوالمه لا يمكن حصرها؛ إذ انعكست قيمة اللؤلؤ وجماله على اللغة العربية وثقافة الإمارات واستخدمت كلمة «اللؤلؤ» في الأمثال الشعبية، ومن الأمثال التي لا تُنؠسى «حصباه فيها دقة»، والحصباه اللؤلؤة الكبيرة ودقة أي ضربة أو خدش أو تشوه ناتج عن وجود نتوءات على سطح اللؤلؤة. فالدقة أو النتوءات تشوه اللؤلؤة الكبيرة، وتجعل ثمنها ضئيلاً، فلو لم يكن فيها هذا العيب لكانت اللؤلؤة ذات قيمة عالية، ويضرب هذا المثل للإنسان المحبوب من الجميع، وله قبول طيب في المجتمع، ومع هذا كله فإن فيه خصلة ذميمة تطغى على تلك الصفات الحميدة. ولما كان الرواة يمثّلون نماذج من أبناء المجتمع، فإنهم حين يتحدثون عن الماعضي فإنهم يمتدحون البحرالذي منحهم اللؤلؤ والسمك والأمل، وقد ارتبطت حياة بعضهم بالبحرحتى تقلّبوا في وظائف ومهام عديدة في فريق الغوص عن اللؤلؤ، وهم يؤكدون أهمية الغوص واللؤلؤفي إرساء قواعد الحياة وعماد اقتصادها. وفي كتاب (ذكريات الإمارات) الصادر عن الأرشيف والمكتبة الوطنية، يقول الراوي فرج بن بطي المحيربي الذي ارتبطت حياته بالبحر: لقد ورد ذكرالغوص في القرآن الكريم؛ حيث قال تعالى في سورة «ص»: «كل بنّاء وغوّاص»؛ إذ أمرالله الجن أن يغوصوا لسيدنا سليمان بن داوود عليهما السلام ويحضروا له «اللؤلؤ المكنون» أي المخزون في الصدف، وفي سورة الرحمن ذكرالله اللؤلؤ فقال عز وجل: «يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان* فبأي آلاء ربكما تكذبان». ويؤكد المحيربي أن للغوص تاريخا عريقا في منطقة الخليج
* كاتب وصحفي مقيم في الإمارات
37
36
2023 أغسطس 286 / العدد
اللؤلؤ.. استدامة في الموروث الشعبي والثقافي
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online