مجلة تُراث عدد 286 - أغسطس 2023

اللؤلؤ في الإمارات...موروث واستدامة

اللؤلؤ في الإمارات...موروث واستدامة

إن اللؤلؤ عيون

الساحل.. وحدة في جوف وحدة عظمى. حتى ذلك النّهام، يشدو بين الحلم واليقظة في جوف عزلة عميقة داخل حنجرته، يغوص في أعماق صوته، تأمل موسيقي يهيِّجه الفقد والخوف من المجهول مهما تنوعت نبرة النّهمة وإيقاع الحماسة، يظل الحزن سيّد البحارة والمراكب والغناء. إن اللؤلؤ عيوننا المفتوحة في الماء، اللؤلؤ قمر البحر، بنات البحر، أو لعله البحر نفسه، بحر من التمنيات والحكايات والقصص والأخطاروهموم الرجال، إن اللؤلؤكوكب صغيريخفي في جنباته الموت.. ويخفي الحياة، سيّد الأحجارالكريمة وعميد الحسن والجمال والأساطيروالبحارالمسحورة، إن اللؤلؤالدرب الأول لطريق الحرير، وزهرة الخلود في بحث جلجامش عن الأبد، هو الخليج العربي المُطلق منذ أزمنة التصدّع القاري والتكوين، هو سيرتنا الأولى التي أمطرت لؤلؤاً.. سيرة العزلة اللؤلؤية الروحانية... صلاتنا في الماء * روائية وباحثة من الإمارات

لولوة المنصوري عُزلة أخرى (فردية) في المُنتَأى القاعي، يختلي فيها الغواص للحظات في مياه الهيرات، خلوة صراعية يُقطع فيها النّفَس قسراً، يَغيب الزمن رغم حضور الحدث العنيف، حضور قوي للعيون، عين الغواص وعين اللؤلؤة، (إن اللؤلؤ عيون) كما يقول المصور الفوتوغرافي البحريني عبد الله الخان. والقلب إشارة الرّوح، الجزء الدّال على المحار. ويبدأ الصراع / العقدة مع بدء انقطاع النّفس، وحده الغواص من يدرك سر التنفس وطقس احتباسه في الرئة، ذلك الممر الهوائي المستترفي الجسد، لا يمكن للماء أن يتهادن طويلا مع شراع الرئة المفتوحة، لابد من إغلاق الممروعزل الرئة، وهنا تكون رئة الغواص هي الأخرى في حالة عزل جبري مؤلم عن أهم مُكوّن وجودي جوهري.. الهواء. كل تلك العُزلات تحدث لأجل التقاط كائن منعزل آخر (المحار)، مجرّة منعزلة عميقة في هباء البحر، عزلة منشطرة أيضاً، (جماعية) في حقل مرجاني، و(فردية) ملتصقة بالرمال. كائن في جوفه كينونة أخرى منعزلة، جسم مُهيّج صلب كحبة رمل أو حيوان طفيليّ، لمعان وحيد يستدير بين الصدفة والعباءة، ملتصقا بالجدارالداخلي لرحم المحارة، رونق خفي في كامل بهاء العُزلة. إنها (اللؤلؤة) .. أأقول شيئا من قبيل المجاز التقريبي؟ لعلها بقايا كواكب متحجرة منذ أزمنة الانفجار، تستديرفي البحار بهناءة داخل مجرّة محارية، والدوران رمزأزلي / تشكُّلي / تنسُّكي ذاهب في اللانهايات. وبالانتقال في هذه السلسلة إلى (عزلة اللؤلؤة).. تلمع الروح داخل الروح، بمسارأفعواني مواز لـ (روح المحار.. روح الغواص.. روح السفينة، روح البحرالعميق، روح الكواكب... ولن أغلق القوس هنا... . ألم أقل أنها سلالة من الفواصل اللا نهائية في العُزلات؟ إنها حياة مهددة على السطح وذُعر آخر في الأعماق.. كل في وحدته، في عزلته النفسية الخاصة عبر رحلة الآلام: الغواص، البحر، الهير، المحار، اللؤلؤة، الزمن، والنساء المنتظرات على

حيث الغوص في قاع البحروأعماقه»، مشيرا إلى أن يوم الغواص والعاملين على ظهر السفينة يبدأ في السابعة صباحا حتى الساعة السابعة مساءً، وبينما يكون الغواص في قاع البحريكون (السيب) واقفا على السفينة، وبيده حبلين لرفع الغواصين من قاع البحر. ويحبس الغواص أنفاسه وهوفي قاع البحر، وعندما يخرج يكاد وجهه ينفجرمن ضغط الماء، فتخرج من فمه عبارة «يالله يا رب العالمين، يا بخت الضيف بعشاه، يا بخت الدّيان بوفاه»، يقولون ذلك لأنه لم يكن لهم ما يشغل فكرهم ويجلب لهم الهم سوى الدّين، فهم لا يحبون أن يكون عليهم دّين أو ما يعكرصفو الحياة الكريمة، ويعرضهم للذل والمهانة. تبذل دولة الإمارات العربية المتحدة جهودا متواصلة لصون موروثها الثقافي والتاريخي، باعتباره جزءا أصيلا من الهوية الوطنية، ويأتي في قلب هذا الإرث الغني توثيق كل ما تضمنته الذاكرة الشعبية من سرود وحكايا عن اللؤلؤ ومهنة الغوص، التي مارسها الأجداد على مدار عقود طويلة، حتى باتت جزءا مهما من التاريخ الإماراتي، كونها شكّلت مصدر الرزق وشريان الحياة الاقتصادي قبل اكتشاف النفط. وقد صدرت العديد من الكتب التي توثق لهذه المهنة الشاقة فقد أصدر نادي تراث الإمارات ومركز زايد للدراسات والبحوث العديد من الكتب منها كتاب «ملامح من تاريخ اللؤلؤ»، وكتاب «جوانب من التراث البحري» لعلي إبراهيم الدرورة، وكتاب «البحر في تراث دولة الإمارات» لشمسة حمد العبد الظاهري، وكتاب «الغوص» لهيئة أبوظبي للثقافة والسياحة، ومجموعة

كتب «حصاة الصبر» لأحمد راشد ثاني، وفيها الحكايات الشعبية المسرودة من التراث الشفاهي الإماراتي، وكتاب «أبوظبي واللؤلؤ قصة لها تاريخ» عن مركزالحصن للدراسات والبحوث في أبوظبي للدكتورة فاطمة سهيل محمد المهيري، وكتاب «أسفار في علم البحار» تأليف النوخذة علي عبد الميرزا الصادر عن معهد الشارقة للتراث، كما أصدرالمركزالوطني للوثائق والبحوث كتابا باللغتين العربية والإنجليزية، بعنوان «ذكريات الإمارات من خلال السرد الشفاهي» عن ثلاثة عقود بدأت من الخمسينيات من القرن الماعضي، وهناك العديد من الإصدارات لا يتسع لها المقام. وترصد هذه الكتب عبرالسرد الشفاهي مرحلة مفصلية في تاريخ الإمارات مصورا واقع الحال الذي كانت عليه البلاد قبل حكم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وقبل قيام الاتحاد موثّقة بالصور الفريدة والنادرة * باحث وأكاديمي بالتراث

41

40

2023 أغسطس 286 / العدد

اللؤلؤ في السرديّات الشفاهية الإماراتية

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online