مجلة تُراث عدد 286 - أغسطس 2023

اللؤلؤ في الإمارات...موروث واستدامة

عصب الاقتصاد وقصص محفوفة بالمخاطر اللؤلؤ في الإمارات..

الناس يتجنبون (أبوالحنين). وقد اكتشف هير (أم الشيف) أحد غواطصي آل بوفلاسا الذين كانوا يرتادونه ويغوصون فيه كل عام حتى قرروا زرع نخلة في دبي سموها أم الشيف تكريما لذلك الهير الذي كان يمدهم بالعطاء الجزيل من اللؤلؤ. ومن أهم أماكن الغوص على اللؤلؤ (أم السلسول) التي تقع إلى الغرب من خط وهي قريبة 25 و 24 شرقا بين خطي العرض الشمالي 52 الطول من ساحل أبوظبي وخور العديد، وهناك أسماء لهيرات أخرى . إن الاستقرارالذي شهدته إمارة أبوظبي في عهد الشيخ زايد الأول قد أنعش الحياة الاقتصادية وخاصة تجارة اللؤلؤالذي كانت له سوق رائجة ورابحة في عواصم أوروبا والهند، وتم توجيه اهتمام خاص بجزيرة دلما، إحدى جزر الإمارة التي كان يذهب إليها ( الطواويش) أي تجاراللؤلؤوتجتمع فيها سفن الغوص فتغدوسوقا من أكبرأسواق اللؤلؤفي الخليج، ونتيجة لذلك أصبح لأبوظبي من مراكب الغوص وسفن صيد الأسماك أكثر مما تملكه أي إمارة أخرى، لقد كانت جزيرة دلما تقع في الشمال الغربي وكانت مركز الغوص أيام ازدهاراللؤلؤ، وهي جزيرة بيضاوية الشكل تظهرفي جوانبها الشرقية والشمالية تلال صخرية، أرضها خصبة بسبب المياه الجوفية الموجودة فيها، وقد سُئل أحد ربابنة السفن لماذا ترسو بسفينتك عند الجزيرة فيرد بالقول: إنني أحتاج إلى (دلو) ماء فأخذت العبارة تتكرر كلما توقفت السفن عندها ومع مرورالوقت تطورت كلمة (دلو) فأصبحت دلما. كما أشاربالبي جاسبارو إلى منطقة باسم (دالمي) أي دلما وقال إنها كانت من م. 1590 ضمن مواقع صيد اللؤلؤعام لقد كانت دلما تعتبر المركز الأسا؟سي البحري لصيد اللؤلؤ فقد ذكرت الوثائق والمصادر أنها كانت تقوم فيها بانتظام أسواق لبائعي اللؤلؤالذين جاؤوا من الهند في ذلك الموسم، كما أكدت الآثارالتي تم العثور عليها في دلما أنها أهلت بالسكان منذ الألف الرابع أوالخامس قبل الميلاد، وأكد الوكيل المعتمد البريطاني في م ذلك أيضاً، فكتب (تكون جزيرة دلما مأهولة 1906 الشارقة عام بالسكان بصورة مكثفة أثناء مواسم جمع اللؤلؤ، بينما ذكر أسرة من بطن القبيسات من بني ياس 15 لوريمرأنه كانت هناك كانت تسكن في منطقة سكنية صغيرة تقع على الطرف الجنوبي المستدق للجزيرة أي في السهول الساحلية باتجاه الطرف الغربي كتب المعتمد البريطاني في أبوظبي: "يقيم 1936 منها، وفي عام في جزيرة دلما بعض الناس من القبيسات والمزاريع والمحاربة والمريخات. ومع تطور الحياة لعبت الجزيرة دورا مهما كمركز تجاري ومحطة انطلاق للتجار العابرين والمقيمين على أرضها

) بقوله هي (مكان كبيرجدا فيها العديد Book of Duarte Barbosa من الناس والأعيان والملاحين الذين كانوا يعملون في صيد اللآلئ الصغيرة والعديد من اللآلئ الكبيرة التي كان تجارهرمزيقصدونها لشرائها. ويسمي أهل الإمارات وباقي دول الخليج مغاصات اللؤلؤ وأماكن صيدها (هيرات) ومفردها (هير) وقد تم تحديد مواقع (الهيرات) قديما قرب جزر دلما وداس وصيربني ياس وصيربونعير والسعديات وزركوه وأم الشيف وغناضة، إضافة إلى جزيرة أبو مو؟سى والمزاحمي وحصيان وأبوالبخوش وأبوالبزم وجزيرة زغاب أو زعاب (الجزيرة الحمراء) والمناطق المجاورة لساحل رؤوس الجبال في إمارة رأس الخيمة. لقد ذكر الدكتور فالح حنظل في كتابه (معجم الغوص واللؤلؤ في الخليج العربي) بعض أسماء المغاصات في أبوظبي ومنها (إرداع) (أبوالجراوة) وسميت كذلك لأن الغواصين يزعمون أنهم يسمعون نباح جراء الكلاب فيها،وأبو الخصافة، وأم الصناجل، وهي تقع بالقرب من جزيرة دلما وهناك مغاصات الياسات أو ياس المحاربة وأم الطهوف أيضاً. وهناك أيضا هير (أبو الحنين) وهومن أشهرمغاصات اللؤلؤالتي كانت تقصدها سفن الغوص الإماراتية، فلؤلؤ ذلك الهير عالي الجودة مثل (الجيّون) و(الحصابي) ولعل أبرز ما اشتهر به هير أبو الحنين هو اسمه الذي كان يثيرخوف بعض الغواصين والذي جاء من صوت يسمى الحنين أوالحثة، كان الغواص يسمعه بوضوح في قاع الهيروكان بعضهم يقولون إنه صوت الجن الموجود هناك لهذا كان معظم

فاطمة المزروعي اعتبرت مهنة الغوص وصيد اللؤلؤ إحدى أقدم المهن التي اعتمد عليها سكان منطقة الخليج العربي، وهذا ما يؤكده التاريخ لنا، وما ورد في وثائق الرحالة والمعتمدين السياسيين الأجانب الذين توافدوا على المنطقة، لقد اعتمد سكان المنطقة اعتمادا كلياً، في ظل توافر أماكن صيد كبيرة في مياه الخليج قبل اكتشاف النفط، لقد بقي اللؤلؤ حتى ثلاثينيات القرن الماعضي مصدرا للدخل الرئيؠسي لشعوب المنطقة، فصدّروه إلى بلاد الرافدين والهند وفارس وأوروبا لأن جودته وقيمته العالية جعلته ثميناً، لقد لعبت مغاصات اللؤلؤ الموجودة في مياه الخليج دورا كبيرا في حياة سكانه الاقتصادية، لأن مهنتهم كانت الغوص على اللؤلؤواستخراجه وتسويقه وبيعه. ولكن موضوع تجارة اللؤلؤ في المنطقة أخذ بُعدا تجاريا مختلفا وخاصة بعد وصول البرتغاليين للخليج العربي عبرمضيق هرمز واحتلالهم مناطق منه، كما أصبح منظما في مراحل متأخرة م 1498 ، إن اكتشاف رأس الرجاء الصالح عام 19 من القرن الـ المؤدي إلى المحيط الهندي، وانهيار الطريق البرية إضافة إلى وصول السفن الحديثة أيام الحماية البريطانية للخليج العربي عبرخليج عُمان، كل هذا سمح بوصول ما تنتجه دول الخليج من اللآلئ من جنوب آسيا وشرق أفريقيا ليصل إلى أوروبا. وهكذا أخذت تجارة اللؤلؤمع الوقت تأخذ بُعدا اقتصاديا عالمياً، انطلق منها ليكون حاضرا في الاتفاقيات والمعاهدات والقوانين الخاصة بالتجارة البحرية المتعلقة بالحركة داخل منطقة الخليج العربي وخارجها والتي لعبت دورا حيويا لا يستهان به على الصُّعُد كلها. وتطل دولة الإمارات العربية المتحدة على ساحلين مهمين يربطانها بالعالم هما ساحل الخليج العربي وساحل بحر عُمان، وكلا الساحلين يؤديان إلى الطرق البحرية التي تربط الإمارات بالهند من جهة، ومن جهة أخرى بالعالم كله تقريباً، ومن أبرز المناطق التي تعاملت معها الإمارات الهند، وزنجبار، وممباسا، والصومال، وعدن، وجزيرة سوقطرة وغيرها، لقد The وصف الرحالة البرتغالي (دورات باربوسا) جلفار في كتابه (

وكان سوق اللؤلؤ الذي يقام فيها يجتمع فيه بائعو اللؤلؤ الذين جاؤوا من أقاطصي المعمورة مثل الهند. لقد اضطر أهل الخليج حتى ثلاثينيات القرن العشرين للعمل في مهنة الغوص الشاقة جدا لتوفير لقمة العيش، لقد كان العاملون يجتهدون خلال ثلاثة مواسم غوص تبدأ على التوالي برحلة الغوص الصغير التي تستغرق نحوشهرواحد تليها الرحلة الرئيسية أو الغوص الكبير وتستغرق أربعة أشهر ثم رحلة الردة ومدتها عشرون يوما وهي آخررحلة في موسم الصيد، أما بالنسبة إلى رحلة الغوص الكبيرفيبدأ حين تصبح مياه الخليج دافئة أي بين شهري مايووسبتمبر إذ يحدد النوخذة قبل شهرموعد بداية الرحلة التي تمتد لفترة أربعة أشهريمكن أن تعود بعض السفن إلى الميناء مرة أومرتين للتزود بالمياه. يبدأ الاستعداد للرحلة على الشاطئ، فيقوم النوخذة ومعه الجزوة بتجهيز المركب الذي سوف يبحر فيه، ودهانه بزيت وشحم الحوت، والتزود بالحبال والمجاديف وكل ما يلزم من الماء والزاد وأدوات الغوص مثل الفطام، والشمّشول، والخبط والديين واليّدا والزّيبل والمفّلقة، وحين تنتهي مرحلة الإعداد التي

47

46

2023 أغسطس 286 / العدد

اللؤلؤ في الإمارات.. عصب الاقتصاد وقصص محفوفة بالمخاطر

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online