مجلة تُراث عدد 286 - أغسطس 2023

اللؤلؤ في الإمارات...موروث واستدامة

«قفل، بمعنى عاد، وكان العرب يسمون المواكب التي تسافر للتجارة بالقافلة، تفاؤلا بأنها ستعود»، يعلن «السردال» بداية رحلة العودة بطلقة مدفع تبدأ إثرها رحلة عودة البحارة إلى ديارهم.. واستعداد الأهالي لاستقبالهم، وعادة ما تزين العائلات في الإمارات منازلها بأعلام من القماش تسمى البيرق، ترقبا وتفاؤلا بعودة البحارة من رحلاتهم بحثا عن اللؤلؤ، وتظل البيارق معلقة حتى تظهر أشرعة السفن الشراعية في الأفق مبشرة بسلامة عودة طواقمها. كما أن بيوت الإماراتيين لا تخلو من إشارات إلى هذا التراث، سواء في النقوش والزخارف، أو مجسمات السفن والملابس التراثية التي يتم ارتداؤها في مهرجانات الغوص التي تقام بصورة دورية، وتحتفي بماض مغضيء وداع للفخر. ولكل فرد في طاقم السفينة لقب يصف مهمته الخاصة به، ويعملون في تناغم ونظام وتعاون يسهم في نجاح الرحلات وتعلم النظام والصبر،نذكرمنهم:«النوخذة»،وهوقائد السفينة،ويكون هو نفسه صاحبها غالباً، وهو المسؤول عن إدارة رحلة الصيد وحساب الأرباح وتوزيعها أيضاً، و«السردال» الذي تم ذكره آنفا، وهو قائد أسطول السفن والقوارب مجتمعة، ويكون صاحب خبرة طويلة في البحر، يرشدهم عبرها إلى أفضل مواقع الهيرات «مغاصات اللؤلؤ». ونذكر أصحاب المهمة الرئيسية الشاقة وهم: الغوّاصون الذين يغوصون لصيد المحار من قاع البحر، وهناك «السيب» وهو اسم يطلق على الشخص أو الأشخاص المسؤولين عن الحبال المستخدمة لإنزال الغواصين، أوسحبهم إلى السطح، و«التبّاب» أيضا وهم صبية تتراوح أعمارهم ما بين العاشرة والرابعة عشرة، مهمتهم مساعدة «السيب» في سحب الغواص، كما يتدرب بعضهم على الغوص. ويشارك «الرضيف» أو الأولاد الصغار بتقديم الشاي والطعام للطاقم، وفي فلق أصداف اللؤلؤ، وهناك «النهام»، الذي يصحب البحارة بصوت عذب يسليهم أثناء رحلاتهم الطويلة بالأشعار والأهازيج وأغاني ربما لا يعرف الكثيرون مدى قوة الارتباط القديم بين تاريخ الإمارات العربية المتحدة وصيد اللؤلؤوتجارته، فعلى الرغم من أن الغوص بحثا عن اللؤلؤلم يعد ضرورة لكسب العيش حالياً، فإن قادة الإمارات حرصوا على الحفاظ على استدامة هذه المهنة كإرث وتقليد عريق وتاريخ براق لا يزال يثير فضول السياح من خلال توثيق كيف كان الأسلاف يمارسون مهنة الغوص بحثا عن اللؤلؤ، وكيف يستخرجون المحارمن قيعان البحار، حيث البحارة المحتشدة بالشوق الحنين للدياروالأهل. جهود استدامة موروث مهنة الغوص في الإمارات:

تبذل دولة الإمارات العربية المتحدة جهودا جبارة في التعريف بمهنة صيد اللؤلؤ التقليدية باعتبارها جزءا أصيلا من الهوية الوطنية، وذلك عبرإقامة المهرجانات، ورحلات الغوص، وإنشاء المتاحف، وعلى سبيل المثال تتيح جزيرة اللؤلؤ في أبوظبي فرصة مثالية للسياح للاستماع إلى تفاصيل رحلات الغوص، كما يعرض متحف اللؤلؤفي دبي مجموعات من أندروأثمن اللآلئ الطبيعية وأدوات الغوص، ويعرض متحف الشارقة البحري السفن الخشبية التقليدية التي كانت تستخدم لأغراض الغوص. والجديربالذكرأن بعض أسرتجاراللؤلؤ ما زالوا يحافظون على هذا التقليد على قيد الحياة، من باب الحفاظ على التراث، مثل أسرة السويدي برأس الخيمة، حيث يمكن لزوّار مزرعة لآلئ السويدي في رأس الخيمة التعرف على الأهمية التاريخية لصيد اللؤلؤفي الإمارات. ختاماً: ارتبط الموروث الثقافي الأسطوري للؤلؤ، الممتد إلى الآلاف السنين، والذي يرمز عند البحارة وأهل الساحل في الإمارات إلى الحكمة والمعرفة، والخلود والخصوبة، والنقاء والديمومة، لفترة طويلة بالوعي الروحي، وظهرفي قصص تعود إلى ما قبل خمسة آلاف عام. وقد ذكر الله تعالى اللؤلؤ في محكم تنزيله في سورة "الرحمن" كآية من آيات عظمته سبحانه، وخص لؤلؤ منطقة البحرين التي كانت ترمز للؤلؤ الخليج العربي حينها، وهو الأجود مَرَج الْبَحْرَيْن ﴿ والأكثر طلبا في سوق تجارة اللؤلؤ، يقول تعالى: فَبِأَي آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان ) 20 ( بَيْنَهُمَا بَرْزَخ لا يَبْغِيَان ) 19 ( يَلْتَقِيَانِ . ﴾ِ فَبِأَي آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان ) 22 ( يَخْرُج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ وَالْمَرْجَان ) 21 ( كما خلده الشعراء في قصائد فصيحة وشعبية، تصاحبها الأغاني التراثية، لا يتسع المجال لذكرها، والتي يتم إحياؤها والحفاظ عليها عبر مشاريع استدامة التراث، التي تنتصر لقيمة الموروث الثقافي وقيمته الكبيرة في الحفاظ على هوية المجتمع وعاداته وتقاليده الأصيلة، التي تتجاوز كونها مهنة لكسب العيش، إلى مدرسة أخلاقية واجتماعية يعرف كل فرد فيها مهمته وما خرج لأجله، وتحوطها الدقة والتخطيط والأهداف النبيلة *كاتبة من السودان أهم المصادر: . 2011 • رحلة الغوص واللؤلؤ، جمعة الحميري، . 2023 صيد اللؤلؤ... صفحات من بريق الذاكرة الوطنية، وام، • A Cultural and Mythological History of Pearling in the Arabian Gulf, BY CHANTAL BROCCA, 2023

53

52

2023 أغسطس 286 / العدد

«صيد اللؤلؤ في الإمارات» موروث ثقافي أسطوري ممتد لآلاف السنين

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online