مجلة تُراث عدد 286 - أغسطس 2023

ارتياد الآفاق

من كزبرة البئر، وبنباتات متسلقة متورمة الجذوع، مرقطة كالأصلات؛ وكنائس، وأطلال دينية أشد إيحاشا من الأطلال الدنيوية. أتوقف في البرودة الظليلة لقنطرة ذات عقد معماري مدبب، قنطرة بقيت قائمة بمعجزة، ربما لأن جدارا واحدا باقيا ظل يسندها. يوهمني حنيني للحظة أنني داخل كنيسة من كنائس رومانيا أو أبروتسو ولكن ثلاثة قرود فاحشة - هي الرمز الرؤيوي الدقيق للشيطان - تشغل حيزالحنية المعمارية، وسربا من الببغاوات المتناهية في الصغر يسرع على امتداد الأقواس القوطية الأربعة. لا اللبلاب، ولا السحلية الودود ما يبث الروح في هذا الحجرالميت، بل نبات زاحف غريب ذوأزهارتبدووكأنها تقهقه، وحرابي شيطانية، حولاء العينين... من الأعلى، مدت شجرة جوز هند إلى داخل الكنيسة ورقة هائلة راحت تهزها برفق وهوادة، ملقية إلى الأرض بظل يد تمنح البركة. يبدو لي شعوري بالوحدة أكثر اكتمالا الآن، وأكثر توقدا تبدو لي رغبتي في المغادرة، بعد أن عرفت أنني كنت أقتفي أثر مبيت في مدينة ميتة. يعرض علي الرهبان استضافتي، ويصرون على ذلك: أمامي عشرة كيلومترات قبل الوصول إلى بانجيم، المدينة الجديدة حيث يمكنني العثور على نُزل؛ وسوف يرخي الليل علي سدوله في منتصف الطريق.. لست أبالي. يشيعونني إلى الباب؛ أصعد منصبا يجره ثور درباني، عربة أشبه ما تكون بنعش أو بمغطس، يستقر فيها الراكب شبه مستلق على ظهره، رافعا أو خافضا ما يشبه حاجبا شمسيا على وجهه. وبأقظصى سرعة ننطلق صوب غوا الجديدة. مدينة غوا الجديدة غوا الجديدة.. مدينة أشبه ببلدة ريفية من الماعضي، بعاصمة من عواصم جمهوريات الموز في نهاية القرن الثامن عشر. أقغضي أمسيتي بأكثر الطرق ابتذالا لكي أقنع نفؠسي بأني ما أزال حيا

الضامرتين، والوجه الزيتوني الأعجف، والعينين القردتين المتقدتين تحت جبين مقعر؛ ولديهم مشية فروسية متنافرة، وهم جميعا مهندمون ومدهونون، ويدخنون سيجارا ضخماً، وتصحبهم رفيقات واهنات يختلن في زي يعود إلى عشر سنوات خلت، وهوفضلات ملابس يشحنها إليهن أحد المتاجرالأوروبية. أفعى الكوبرا! ... ولكن ماثيوالذي يسيرأمامي يتوقف فجأة على العتبة ويصيح بصوت عال مذعورا ومبتهجاً: - كوبرا! كوبرا! هذا أفضل فأل يمكنك أن تتمناه! أي مخيلة غريبة يملكها الهنود، ليرمزوا إلى الأمل البهيج برسول الموت الأكيد هذا! - تكاتورا - تكا: «سبع خطوات أخرى»، هكذا يسميه السنهاليون، لأن الضحية، كما يقال، تترنح سبع خطوات إضافية، ثم تسقط متخشبة. إنه بلا شك من بين أكثرالزواحف فتكاً، مع أن مظهره ليس بالمظهرالمروع...، التفت الكوبرا على نفسها، مشرئبة بنصف جسدها وقد انتفخت رقبتها وتمددت من الغضب، ورأسها المثلثي الصغير ذو العينين الحمراوين كالياقوت، واللسان المشقوق النافث، يدور حول نفسه، راصدا الرجل، ومتأهبا للدفاع عن نفسه. ولكن الرجل يتركه وشأنه، فيسترخي الزاحف، ويتمدد، ويختفي في الأجمة؛ المجد له هو في يوم الميلاد المجيد أيضاً... فضيلة الخدم الهنود باترك وماثيو يجيئان ويذهبان صامِتَين، يراقبان كل إيماءة من إيماءاتي بتلك الحمية المخلصة التي هي فضيلة عظيمة من فضائل الخدم الهنود يراها كل المسافرين أعجوبة من العجائب. وضع ماثيو في منتصف الطاولة، داخل علبة مصبرات، حزمة ضخمة من أزهارأوركيد جمعها في جولة هذا الصباح، وطبقا من حبات مانجوضخام... عصافيرالمونيا الحمراء

المتسربل بالأبيض. أمد ذراعا وأرمي صحيفة لأرى أي مدى بلغت جرأتهم، فلا يتزحزح هؤلاء المغاوير الصغار إلا قليلاً. في صيهد الظهيرة الأخرس الخانق، تتناغم تلك السقسقة الوقحة مع تكات ساعة البندول القديمة التي وسمت ساعات من حياة الكثيرمن المنفيين، تتناغم مع الغناء المكتوم للخادِمَين. لقد توقف باترك وماثيو عن العمل. إنهما متمددان على الأرض ووضع كل منهما ظهره إلى الحائط، يغفوان ويغنيان. حلمهما الخامل يترجم نفسه، عبرالأسنان المطبقة، إلى موسيقى ناعسة وغريبة، موسيقى ما هي إلا فعل انعكا؟سي، وتعقيب على الواقع، وإعادة صياغة للعزلة والمنفى، للحروالصمت. الختام: لقد آمن الرجل بالفراشات، بهجة لناظريه وبالأفلام السينمائية، خبزا لأيامه، وببعض الأصدقاء، وآمن قبل كل ءشيء بالشعر مكتوبا بكلمات قليلة مطبوعا في نسخ غير مشتراة بالرشوة، ومأخوذ حتى أقاطصي التجريد التعبيري، من دون جلجلة أسلوبية لأن كلماته لا تفتقر إلى أصداء شعرية غنائية فهناك تاج محل بسروه البرونزي وسمائه الكوبالتية يعوّض بعضا من ذلك الآشيء «الخارق لنواميس الطبيعة» الذي كان يأمل العثور عليه في الهند، وهناك جايبور وتلك الصفحة عن الفواكه والأزهار، وفاتح غوا)، وهناك ذلك «الخبل البهيج الذي يصاحب الآلام اللامتناهية لبعض المسلولين»، وعن النهاية، هناك نعيق الغربان الختامي:

«الصوت الآخرالذي يمثل النوتة الصوتية للهند، الصوت الذي على المرء أن يعتاده كما يعتاد في بعض البلدان هديرالبحرأو السيول: نعيق الغربان الفائق الرتابة والمثابرة، الذي لا يكسر الصمت، بل يبرزه: نعيق - ترنيمة إلى التعفن يتفجّرفيها التتابع الصوتي لكل الراءات، حتى لكأن الأذن تتبين فيها كل الكلمات غير الجذلى: تذكر! تذكر! الاحتضار! الموت! سوف تموت!»** رحلة حج غوتسانو إلى «مهد العالم» مصفوفة تشرح تمثلاته المتعلقة بالشرق، في صورة نص أدبي وسردية رحلية في آن، تقدم وعيا يستكشف وعينا، تراقب الحقيقة بفضولية تختلف كلية عن الصورة النمطية للرحالة الأوروبيين إلى الشرق ولتبقى الدعوة مفتوحة للقارئ أن يكتشف هذه الرحلة بنفسه التي ستظل تشغل مكانة أساسية في أدب هذا الشاعر، وفي خزانة أدب الرحلات. وإلى اللقاء في رحلة مقبلة *باحث في أدب الرحلات الهوامش: م). من الرحلة. 1917 */** (انظرمقدمة جوزِبِّه أنطونيوبورغيزِه المراجع: - نحو مهد العالم: رسائل من الهند، تأليف:غويدو غوتسانو، ترجمة: م. 2020 أمارجي، منشورات المتوسط ودارالسويدي للنشر . 2 /ج V22 - نسخة إلكترونية 1963 - مجلة الأديب، جامعة ميشيغان، - الأدب الإيطالي، بيترهينسوورث، ديفيد روبي، ترجمة نور طلال نصرة، دائرة الثقافة م. 2021 والسياحة - أبوظبي، مركزأبوظبي للغة العربية، مشروع كلمة للترجمة

وموجودا في الزمن الحاضر. أدخل قاعة عرض سينمائي. ثم أمآشي إلى أحد المقاهي وسط هذا الحشد الكبيرالبعيد تماما عن الأناقة المتقنة للإنجليزوعن الرونق الأغرللهندوس، حشد من المزج من البرتغاليين الذين يتكاثرون كالأعشاب الضارة تحت هذه السماء، صامدين للأنقاض، وأكثر عنادا من الحجر، وبكل مباهاة يلقبون أنفسهم بالتوباس. أي الأوروبيون «الذين يضعون قبعات»، ولكن لم يبق ءشيء لهم مما هو أوروبي، مع تينك الكتفين الواهيتين، والساقين

ساعة القيلولة الاستوائية على كر؟سي استرخاء قابل للطي، ساعة الصمت المناسبة لرؤية عصافير المونيا الحمراء، تَغِـيْر عصافير المونيا الصغيرة، الحمراء منها والمخضرة، المرقطة بالأبيض، سراعا من إحدى جهات الردهة،... يهبطون ويحطون على مساند الكرا؟سي، وعلى الرفوف، وعلى الأرض، لينقروا فتات الإفطار، يهبط الواحد تلو الآخر ثم يهبط الجميع، ويقفزون مع سقسقة خافتة، وقد اطمأنوا إلى

81

80

2023 أغسطس 286 / العدد

رحلة شاعر «الغسقية» والغروبية.. الإيطالي «غويدو غوتسانو»

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online