مجلة تُراث عدد 286 - أغسطس 2023

قضايا وآراء

الحَداثة الشعرية بين الرفض والقَبول

وتعدد القوافي ضمن القصيدة الواحدة، وكسر جمود الشكل القديم للقصيدة، وتعود جذور ذلك للموشحات الأندلسية وبنائِها الشكلي، وما تطوّر بعد ذلك من تشطير للقصائد والأشعار الغنائية، التي استجابت لمتطلبات شيوع الغناء، وصولا لقصيدة التفعيلة الجديدة التي ترسّخت مع تجارب ناضجة لجيل من روّاد الحداثة الشكلية، أمثال فدوى طوقان ونازك الملائكة وبدر شاكر السيّاب ونزار قباني وفرسانها الأوائل، ومن أمثلة ذلك التحوّل الشكلي في القصيدة نأخذ من الإرث الشعري هذه الأبيات القديمة التي يقول فيها الشاعرغيلان بن عقبة التميمي، هجري) في 117 - 77 ذوالرّمة، الذي عاش زمن الخلافة الأموية ( موضوع وصف العيون الجميلة: ُوعَـيـنــــــــــــــــــــــــان قال اللــــــــــــهُ: كُـونا فَكـانَـتــــــــــــــــــــــــا ٍفَعـولان بالألبــــــــــــاب ما يفعــــــــــــــــــــــــل السِّـحْـر ُفَيـا حبَّهــــــــــــــــــــــــا زِدْني هَــــوى كــــــــــــــــــــــــل ليلـــــــــــــــــــــــــة وَيا سَـلْـوة الأيَّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــام مَـوعِـدُك الحَـشْــر وبالانتقال لشاعر حديث يصف العيون والتجليات التي تتركها في النفس، وترتبط بالبيئة وتسلك مسار التحديث الشعري في 1926 الشكل الفنّي والبناء، نقرأ للشاعر بدر شاكر السيّاب ( ميلادي) في الغرض نفسه لكن بثوب عصري جديد في 1964 - قصيدتِه الشهير؛ أنشودة المطرحيث يقول: عيناك غابتا نخيل / ساعة السّحَرْ/ أو شُرفتان / راح ينأى عنهُما القمرْ. وتغرقان في ضَبابٍ/ من أ؟سى شَفيف.. دفء الشتاء فيه / واِرتعاشة الخريف.. كأن أقواس السحاب تشرب الغيوم / وقطرة فقطرة تذوب في المطرْ.. وهنا يتّضح نجاح الحداثة لدى السياب من حيث البقاء في دائرة الموسيقى والإيقاع الذي هو الفيصل بين الشعر والنثر، مع توسيعه لإطارات التفعيلة والتنويع في الروي. وهي التي تتعلق بالنظرة للآشيء ثانيا - حداثة المعنى والمضمون: ووصفه، وتطور تلك النظرة عبر الزمن، والتأثير المتبادَل بين الشاعر وتجربته الوصفية في إنتاج الصورة الشعرية، ولكي تتضح القضية في المحتوى سنختار نموذجا لوصف شَعر المرأة لدى أحد الشعراء من العصرالجاهليّ، من معلّقة امرئ القيس؛

عبد الرّزاق الدّرباس تُعتبَر الحداثة بوجه عام، والحداثة الشعريّة على الخصوص مُصطلحا واسعا وإشكاليا لدى الشعراء والنقاد والباحثين منذ القديم وحتى الآن، وقد تعدّدت الاتجاهات والتنظيرات بهذا الشأن، حتى يمكنَنا القول إن انقساما قد حصل بين المهتمّين بالحركة النقدية كباحثين، والشعراء أنفسِهم حول حدودِها وأهميّتها والموقف منها والاستجابة لها، وفي هذا المقام سنبسط القول في الحداثة الشعرية بين الرافضين لها والمهلّلينَ، ومن أمسك عصاها من الوسط. والحداثة الشعرية تعني انفتاح الشاعر والقصيدة على مستجدّات الزمن، والمرونة في التعاطي مع مستحدثات الأفكار والموضوعات والتجديد الأدبي، دون انغلاق وقوقعة حول الموروث وتقديسه وعزله عن الحاضر والمستقبل، وهذا يقودنا للتفريق بين الحداثة في القالب الفني والحداثة في محتوى الموضوعات، ومواكبة المستجدات العصرية.. والمقصود بها الإطار الفني لمحتوى أولا - حداثة المبنى والشكل: الأفكار، حيث درجت الذائقة العربية للشاعر والمتلقّي، على القصيدة البيتية العمودية بنمطِها الكلاسيكي، وهنا جاءت الحداثة غير معترفة بقداسة بحور الخليل بن أحمد، وبرهنت على رأيها باتساع المدى الموسيقي لتوليد بحور جديدة، أو اجتزاء تفعيلة محددة من بحر عَروعضي والدوران فيها دون غيرها،

والمقصود بها تجاوز ثالثا - مواكبة المستجدات العصرية: القصيدة للأغراض التقليدية التي شكّلت على مدى قرون محتوى النصوص، كالغزل والرثاء والمديح والعتاب والفخر والحماسة والشكوى،... إلخ، والتقدّم بثقة نحوما أفرزته الحضارة الحديثة من أحوال وآلات، وما استجد في الحياة اليومية للناس، ومن ذلك سنختار نصا أخذ الشكل القديم للقصيدة من بحر البسيط، لكنه أتقن وصف المذياع (الراديو) تلك الآلة العجيبة التي قرّبت إليك العالم، مع حرية اختيار المرء في سماع ما يريد، وترك ما لا يريد بوساطة مفاتيح التحكّم، وهذا النص للشاعرمحمود غنيم

ميلادي)، حيث وصف شَعر 540 - 500 حندج بن حجرالكندي ( المرأة بدقّة وصفا ظاهريا ماديا فقط، بألفاظ من معجم تلك ٍالفترة الموغلة في القدم، إذ يقول: وفَـرع يَزيــــــــــــــــــــــــن المتْـــــــــــــن أســـــــــــــوَد فاحِـــــــــــــم أثيـث كَـقِــنْـــــــــــــو الـنَّخـلـــــــــــــــــــــــــة المُـتعَـثـكِــــــــــــــــــل ِغَـــــــــــــــــــــــــــــــــــــدائِـره مُسـتَشـــــــــــــزِرات إلى العُــــــــــــــلا تضــــــــــــل العُقــــــــــــــــــــــــــــــاص في مُثنّى ومُرسَــــــــــــل ونبقى مع شَعر المرأة الأسود الفاحم لنراه من خلال مضمون وصفي جديد عند الشاعر نزار قباني، الذي بقي محافظا على البيت الشعري ووزنه العروعضي، من مجزوء الرّجز، حيث يقول: يــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا شَعـرَهــــــــــــــــــــــــــــــــــــا علــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــى يَـــــــــــــدي شَـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل َّاَّل ضَـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوء أســــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوَد هُنــــــــــــــــــــــــــــاك طاشَــــــــــــــــــــــــــــت خَـصلـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة َـكــثــيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرة الـتَّـــمَــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرّد تُـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوزّع الـلَّـيـــــــــــــــــــــــــــــــــل عـلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــى صَبـــــــــــــــــــــــــــــاح جِيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد أَجْـيَــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد قَـــــــــــــــــــــــــــــد نلتَـقـــــــــــــــــــــــــــــي فــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي نَجمَـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة زَرقــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاء لا تَستَبعِـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدي

ميلادي) في وصف الراديو: 1972 - 1901 (ُ شــــــــــــــــــــــــــــــاد تَـرنَّـم لا طَـيْـــــــــــــــــــــــــــــــر وَلا بَـشَــــــــــــــــــــــــــــــــر

ْيا صاحب اللّحن أين العـــــــــــــــــــــود والوَتَـرُ؟

كأنّما الكُـــــــــــــــــــــــــــــرة الأرضيّة انحَصــــــــــــــــــــــــــــرَت

في صُغرِها والوَرى في جوفِها انحَصــــروا

ُقَـد حكّمَتــــــــــــــــــــــــــــني في الأصـــــــــــــــــــــوات لوحتُها

فَـصِـرْت أخـتـــــــــــــــــــــــــــــار مـا آتــــــــــــــــــــــــــــي وَمــــــــــــا أذر وفي مواكبة راهنة لكل المستجدات التي تمر بكوكبنا، من حروب وأوبئة وأحداث مفرحة وأخرى محزنة، أثبتت القصيدة العربية

83

82

2023 أغسطس 286 / العدد

الحَداثة الشعرية بين الرفض والقَبول

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online