مجلة تُراث عدد 286 - أغسطس 2023

إضاءة

قضايا وآراء

الشعرية ضعّفوا نصوصا رغم أهمية شعرائِها، ومدحوا نصوصا رغم ندرة نتاج أصحابها، فقد عابوا على المتنبي قصيدته في هجاء خصمه ضبّة الفزاري، كما أشادوا بلامية السموءل رغم قلّة نتاجه، لما تحمله من رصانة السبك وقوة الفخر والقيم التي تدعوإليها في تلك الفترة، فما كانت الحداثة لديهم اندفاعا هدّاما للقديم، ولم تكن الأصالة لديهم انطواء على الموروث فقط دون تجديدِه ومرونتِه. ومن ذلك المنظور الصحيح يجب أن نرى الحداثةَ، لأن حركة الأيام واقعة لا محالة، والقصيدة يجب أن تتسلح بالجمال والاستجابة الصحيحة لحركة الزمن، دون أن تهدم أركانها الأساسية وتفقد ميزات هويّتها المتأصلة، لنخلص إلى قناعة راسخة بأن الحداثة الشعرية في مثلثها الشهير: الشكل والمبنى، والمحتوى والمعنى، وفي الاستجابة للمستجدات، تبقى مطلبا ضروريا وانعكاسا منطقيا إبداعيا لحركة الحياة والبشروالمجتمع، مع المحافظة على الجمال والإبداع الأصيل والتطوير، وهنا تكمن مسؤولية الشعراء، وهم يرسمون الجَمال بكلماتِهم، ويبحثون عن الجديد المبتكَر المؤثّر في إنشادِهم *شاعروأديب سوري المصادر والمراجع: . 1995 . أبوهلال العسكري، كتاب الصناعتين، دارالعلم للملايين، بيروت - 1 . 1996 . أحمد بزون، قصيدة النثرالعربية، دارالفكرالجديد، بيروت - 2 . 2003 . د. خليل مو؟سى، بنية القصيدة العربية المعاصرة، جامعة دمشق - 3 . 1985 . د. شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي، دارالمعارف، القاهرة - 4 . 1991 .د.عبدالمجيدزراقط،الحداثةفيالنقدالمعاصر،دارالحرفالأدبي،بيروت- 5 .google ، . شبكة البحث المعلوماتية، محرك غوغل 6

طواعيتَها، في الشكل والمضمون، ومن آخر الأدلة على ذلك ذاك النتاج الشعري الكبير، في وصف الطائرة والهاتف والحاسوب ومنصات التواصل، وما أفرزتْه الثورتان؛ الصناعية والتقنية، وآخر تلك الاستجابات الشعرية انعكاس أثر وباء كورونا (كوفيد ) الذي اجتاح الكرة الأرضية فشل حركتها، وأوقف عجلة 19 اقتصادها وقيد نوارس أسفارها، وهنا تبزغ القصيدة في رصانتِها وعصريتها، لتدلي بدلوِها، ونختار أبيات الشاعر الدكتور عبد الرحمن العشماوي، الذي عاش التجربة وسأل الوباء عن نفسه، فأجابه بجواب إيماني يتردد في خاطرالشاعرالذي قال: أهـكَــــــــــــــــــــــــــــــذا تَسـجُـــــــــــــــــــــــــــــن الدنيــــــــــا وَمَـن فيهـــــــــــــــــــــــــــــا سَــجـنــــــــــــــــــــــــــــا يُكَـبّـــــــــــــــــــــــــــــل قاصيـهـــــــــــــــــــــــــــــا وَدانيهــــــــــــــــــــــــــا مَن أنت؟ كيــــــــــــــــــــــــــــف اقتحمْت الأرض قاطِبـــــــــــة فمَــــــــــــــــــــــــــــا تُصـافِح كـــــــــــــــــــــــــــــف مَن يُحَيّـيـهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا مَن أنتَ؟ قــــــــــــــــــــــــــــالَ: أنا مِن جُنــــــــــــــــد خالقِنــــــــــــــــــــــــــــا قَغضى فأمغضى فأعطــــــــــــــــــــــــــــى القوس باريهــــــــــــــــــــــــــــا أما عن الذرائع التي ساقها رافضو الحداثة الشعرية، فيمكن تلخيصها في طول الفترة التاريخية التي رسخّت القصيدة العمودية في ذائقة الجمهور، ولذا كان من غيرالسهل هدم تلك البنية التي كرّسها الزمن، ودرج عليها الشعراء والنقاد والمستمعون، وإذا كانت الحداثة قد أصابت القصة والرواية والمقال فإن تلك الأجناس كانت وافدة إلينا من الغربِ، أما الشعر فهو ديواننا الموروث الذي يجب ألا نمس أركانه بتحديث أوتغيير، وإلا نكون هادمين لتراثنا ومجدنا التليد. والحقيقة كما يقول الفيلسوف اليوناني أرسطو هي منزلة وسطى بين حدّين مرفوضين، فالكرم حالة وسطى بين الشح والتبذير، والشجاعة منزلة محمودة بين الجُبن والتهور، فإن الوقوف في وجه الحداثة الشعرية سلوك قاصر عن إدراك صيرورة الزمن، وفي الوقت نفسه فإن الاندفاع الفوضوي غير المحسوب نحو الحداثة، يهدم ركائز الجمال في القصيدة العربية، فالموسيقى والإيقاع والقافية، والصورة الفنية، والعاطفة المتدفقة، والصدق الشعوريّ، عناصر يجب أن تبقى في القصيدة مهما اعتراها من تطور وتحديث. إن النقاد العرب القدامى أمثال قدّامة بن جعفر، والآمدي، وأبي هلال العسكري، وابن سلام الجمحي، لم يقفوا في وجه الحداثة خلال تصانيفهم النقدية وجمعهم لنتاج الشعراء القدامى، بل كان معيارُهم الأول في الشعر هو الجمال والجودة، والتأثير الإيجابي في الجمهور المتلقي، لذلك كانوا حصيفين في تناول الحداثة الشعرية، ونتيجة لهذا الموقف المتوازن من الحداثة

بِيْدار اللَّهْجَة الإماراتيّة فيما طابق الفصيح (التّطوّر الدّلالي للألفاظ في اللّهجة الإماراتيّة)

التّطوّر قانون عام يخضع لسلطانه كل مجتمع في شتّى النواحي، ولهجة الإمارات لحقها هذا التّطوّر في العديد من الألفاظ ما ينبئ عن أصالتها وتتجلّى هذه الأصالة في: أن غالبيّة ألفاظ اللّهجة الإماراتيّة تساير نهج العربيّة الفصحى، كما يشيع في هذه اللّهجة الكثيرمن الألفاظ العربيّة. ولا شك في أن لكل تطوّر دلالي أسبابا ودواعي تُسهم فيه، ومن هذه الأسباب الدينيّة واللهجيّة، واللغويّة، والصّوتيّة، والاجتماعيّة. ولعل خير مثال على توافر التّطوّر الدّلالي في أي لغة أن كثيرا من المعاجم العربيّة قد حفظت في أثنائها ما يعزّز ذلك، فالعجوز مثلا لها ثمانون معنى على وفق اللّهجات وغيرها كثير. وممّا يمكن عدّه من الألفاظ في هذه اللّهجة في هذه المسألة: تقول الأم عندما تنادي ابنَها، أو أحد أبناء العائلة، أَبُويَه، وأُمِّيَه: أوالحيِّ، (أَبُويَه، تعال هِنِيّة)، ويقول الأب في نداء ابنته الصغيرة، أوغيرها من بنات العائلة، أوالحيّ: (أُمِّيْه، سيري الدكان)، والقول نفسه بعيد نداء الابن أمّه: أُمِّيْه، إذ تناديه بقولها: أبُويَه، أوبعيد نداء البنت أباها: أبُويَه، إذ يناديها بقوله: أمِّيّهْ، ويحمل محمد المر هذا العدول على الرغم من توافرقرينة الحضور - على أن كثيرا من النِّساء كن يسمِّين أبناءَهُن بأسماء آبائهنَّ، وأن كثيرا من الرِّجال يسمّون بناتهم بأسماء أمّهاتهم، ويتبدّى لي أنّه يمكن حمل ذلك على تذكيرالأب ابنَه بأمّه، أوتذكيرالأم ابنها بأبيه؛ لأن قرينة الحضور تُغني عن تذكيره بالمنادي الحقيقيّ، وهو ما يُعد من باب إيثار كِليهما الآخر على نفسه، وشد الطفل إليهما معا لا إلى أحَدِهِما. تُطلق هذه اللّفظة في اللّهجة الإماراتيّة أبو تِيْرَة (بو تِيْرَة، وبو طِيْرَة): على ثَوْب العَروس، ودِلالة هذه اللفظة يُمكن أن تُتَوهَّم من التِّيْر، وهوالتِّيْهُ، والكِبَرُ، والتَّيَّارُ، وهوالتَّائِه المُتَكبِّر: لأن العَرُوس تكون كذلك بهذا الثّوْبِ، لأن الحاضرين جميعُهم، ولا سيَّما النِّساء يرْغَبْن في أن يرْتَدين هذا الثَّوبَ: لإِظْهارالخُيَلاء والتِّيْهِ، كما يظهر لي، على أن التَّاء قُلِبت طاء في (بوطِيْرَة) في هذه اللّهجة، أوأن هذه اللَّفظة من الطِّيرَة والطَّيْرُورَة، وهي الخِفَّةُ، والطّيْشُ، والطَّيْرُ: الحَظُّ. من معاني الأخْذ في العربيّة: التَّناولُ، والقُبولُ، والحَبْسُ، أَخَذَ: والعّذّابُ، والعُقُوبَةُ، والقَتْلُ، والأَسْرُ، ومن معانيه في هذه اللّهجة: الزّواجُ، وهومعنى لم يُطالعْني في مّظّان اللّغة التي عُدْت إليها، كما في قولهم: (فُلانَة خَذْهَا (أَخَذَها) فُلان)، (العائِلة الفُلانِيَّة خَذُوا

محمد فاتح زغل أكاديمي وباحث في التراث

بِنْت فُلان (تَزَوَّجَها ابنُهُم)، ومن ذلك قوله عليه السلام: «خذها بما معك من القرآن». تُطْلَق هذه اللّفظة في هذه اللّهجة على الطَّعام الذي يُقَدِّمُه أَكْلَة: أَهْل الطَّالِب بُعَيْد حِفْظِه سُورة من القرآن الكريمِ. يلبس الطِّفْل في أثناء يوم الأَكْلَة هذه ملابس جديدة أو نظيفة، ويسير مع الأطفال في مَوْكب الشوارع يردِّدُون في هذا المَوْكِب الأَهازيجَ. تُطْلق هذه اللّفظة في هذه اللّهجة على الكِيْس بَخْشَة (بَغْشَه): الذي يُوضَع فيه القمحُ، أو الشعيرُ، أو الأرزُ، (جُونِيَّة، يُونيَّة، كُوْنِيَّة)، وهذه الدِّلالة يُمكن أن تُتَوهَّم من: خَبَش الأَشْياء (جَمَعَها، وَتَناوَلَها)، على أن الأصلَ: خَبْشَة، بِوَضْع الباء في هذه اللّهجة مَوْضٍع َالخَاءِ، كما يظهرلي، ولَسْت أَسْتَبْعِد أن تكون هذه »، ولعل Package« اللّفظة دَخِيْلة إلى هذه اللَهجة من الإنكليزيَّة ما يعزِّز ذلك أنَّها تُلفظ في بعض المناطقِ: بَقْشَة، وبَغْشَة، وهي في لهجة فِلسطين والأردُنَّ، بَكْجَة وبَقْجَة. البَدْحَة والتِّلِّي في هذه اللّهجة: من الخُيوط الذهبيَّة التي بَدْحَة: تُزَيِّن بها المرأةُ، وهو معنى يُتَوَّهَّم من بعض استعمالات (بَدَحَ) وما يدور في فَلَكِه في العربيِّة، منها (بَدَحَت المَرْأةُ: (مَشَت مِشْيَة حَسَنَةً، أو مِشْيَة فيها تَفَكُّك). والتَّبَدُّحُ: حُسْن مِشْية المرأةِ، أو التَّوسُّعُ، والانْبِساط في المآشيِ، على أن المآشْي الحَسَن يُومِئ إلى اللّباس الحَسَن المُزَيَّن. ولعل لأجمل ما قيل عن اللغة العربية وتوسّعها الدّلالي قول الشاعرحافظ إبراهيم: وسِعت كِتــــــــــــــــــــــــــــــاب الله لَفظا وغايــــــــــــــــــة وما ضِقْــــــــــــــــــــــــت عن آي به وعِظــــــــــــــــــــــــــــات ِفكيف أضِيق اليوم عن وَصــــــف آلــــــة وتَنْسِيــــــــــــــــــق أسمــــــــــــــــــــــــــــــاء لمُخْترَعــــــــــــــــــــــــات أنا البحــــــــــــرفي أحشــــــــــــائه الدر كامــــــــــــن فهل سألوا الغوّاص عن صدفـــــــــاتي

85 2023 أغسطس 286 / العدد

84

الحَداثة الشعرية بين الرفض والقَبول

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online