جُلَساء التراث
الحرب العالمية الثانية، وجعل القسم الثالث عن باريس في الشعر العربي الحديث، وانتهى من خلالها إلى تبيان احتفاء المثقف العربي بباريس، على نحولا يكاد يتكرر في علاقته بالمدن الأخرى، «وقد كان هذا الاحتفاء يمتزج بفرحة الاكتشاف ودهشته، ويقترن في الوقت نفسه بتأمل حزين للذات الحضارية العربية، التي غدت هامشية ومتخلّفة قياسا إلى الحضارة العربية، التي تعد نفسها . )6 ( مركزللعالم ونقطة جذب له» ورغم أهمية التصنيف التاريخي السابق، الذي كشف لنا عن مسارالمثقف العربي في تعاطيه مع مدينة باريس في سياق حركة التاريخ ببعده العالمي، فإن الناقد جابرعصفور تحدث بعد ست سنوات من صدور الكتاب في مقال مطول، أثنى فيه على مؤلفه، ثم انتهى إلى القول: «كنت أفضل تصنيفا آخرغيرالتتابع التاريخي الصرف، تصنيفا يحترم التاريخ، لكن بإبراز التنوع الفكري في المواقف المختلفة من باريس سواء من منظور التعاقب أو ، ورؤية جابر عصفور النقدية هنا )7 ( منظور التزامن التاريخي» مختلفة عن رؤية الشيخ، لوتحققت لقادنا إلى نتائج عن هذه التي بين أيدينا الآن. ويقر جابرعصفور: «بأن كتاب خليل الشيخ، وإن خلا من التصنيف على أساس من الأنماط الغالبة، فإنه لم يخل )، وأحسب أن ذلك 8 من المعلومات التي تشيرإلى تنوّع الأنماط»( هوما يعنينا نحن القراء، حتى إن لم يحقق المقاصد التي يتوخاها النقاد، أمثال جابرعصفور، الذي لم يُوَّفق ـ في نظري، حين كتب قائلاً: «من المؤكد أن كلا النمطين التنويري لرفاعة والرومانؠسي للحكيم يختلفان عن النمط الذي صاغته كتابات مالك بن نبي أو .) 9 النمط الذي صاغته كتابة سهيل إدريس وأقرانه»( إذ ليس هناك ما يجمع أوحتى يقرب بين كتابات رفاعة الطهطاوي وتوفيق الحكيم من جهة، وكتابات مالك بن نبي بخصوص التفاعل مع باريس، ليس لأن مجال الكتابة الإبداعية لديهما مختلف فقط، وإنما لأن منبع الإبداع على مستوى اللغة
لا يهدف لها من منظور فرانكفوني، بل يقصد إلى تحليل لحظة معقدة من تاريخ المثاقفة الحضارية بين الشرق العربي الإسلامي، . ويآشي هذا الوضوح المعرفي، إن )4 ( والغرب الأوروبي المعاصر» جازالتعبير، إلى قراءة تراثية للأدب العربي في زمن اكتشاف الذات أثناء صدامها الفكري، وليس العسكري، مع الآخر، حيث الانحياز الطوعي إلى السلم والاعتراف والقبول بالآخرعند مثقفي المشرق العربي، دون تأثربمواقف مفكري المغرب العربي زمن الاحتلال، ما أسس، في نظري، إلى اختلاف مبكر في النظر إلى العلاقة من الفريقين مع أوروبا وخاصة فرنسا ممثلة في باريس. وأحسب أن تلك الرؤية لا تزال قائمة إلى الآن في التعاطي مع أوروبا بين المشرق والمغرب العربيين، والعودة إلى البحث في جذورها وخلفياتها قد يُقرِّب بين النظرتين، كما قد يجد مبررات للمواقف العربية المختلفة والمتباينة في العلاقة مع أوروبا. من ناحية أخرى، فإن الوضوح المعرفي، جعل من دراسة خليل الشيخ، كما يقول الناقد الدكتور إحسان عباس: «بحثا جادا بمادته وتنظيمه وما يقدمه من فائدة ومتعة للقارئ.. فهو لا يزعم أنه يتحدث مباشرة عن الأدب، وإنما يدير الحديث حول نظرة كوكبة من أدباء العرب ومفكريهم الذين زاروا مدينة النور والعرفان في أواخرالقرن التاسع عشروالنصف الأول من القرن العشرين، وشاهدوا الحضارة الغربية.. في أم المدن الغربية.. وذاقوا معنى الإرهاف الحضاري، فمن شاء أن يعرف كيف تسّرب كل ذلك وغيره إلى الأدب الحديث فلا غنى له عن دراسة هذا . )5 ( الكتاب» قراءة جابر عصفور قسَّم د. خليل الشيخ كتابه إلى ثلاثة أقسام، فصول، فجعل الأول منها خاصا بباريس في الأدب العربي الحديث حتى الحرب العالمية الأولى، وركزفي القسم الثاني عن صور باريس في الأدب العربي إلى
قراءة في كتاب «خليل الشيخ» «باريس في الأدب العربي الحديث».. عمل تأْسِيسي لـ «نقد أدب المدن»
بمكان معيّن، نتيجة شد الرحال إليه، كونه يمثل بيئة جاذبة للأدباء والمفكرين، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف في الآراء والمواقف والأطروحات بن عناصرالنخبة، الأمرالذي يثري معارفنا ويوسع مداركنا عند استحضار التراث، قراءة ونقداً، في عصرنا. من ناحية أخرى، فإن الذهاب إلى منابع التراث في شقِّه الإبداعي، وهنا أقصد الأدب العربي، سيجعلنا أكثرقربا من معرفة خلفيات تأثير الأماكن على النحو الذي سنتحدث عليه لاحقاً، حيث التفاعل معها من منطلق خلفيات تراثية خاصة بالانتماء إلى المكان الأول من جهة، ومن ثقافة حضارية صادمة أحياناً، في المكان الثاني من جهة ثانية، ورغم أهمية تأثيرهذا الأخير، إلا أن المبدع سيبقى مشدودا بين المكانين، الأمرالذي يكشف عنه إبداعه الكتابي بعد ذلك، كما الأمرفي الكتاب الذي نعرضه هنا. الوضوح المعرفي في كتابه «باريس في الأدب العربي )1 ( يقدم لنا «د. خليل الشيخ» : «دراسة تسعى إلى تحليل حضور باريس في مجموعة )2 ( الحديث» من النصوص، التي تنتمي إلى غير جنس أدبي، ويتوزع أصحابها على أزمنة وأمكنة مختلفة، ويصدرون عن رؤى متعددة، وأن ظل يجمع بينهم أنهم أقاموا في باريس زمنا يطول أويقصر، لتكون رؤى . ويُفْصِح خليل الشيخ من البداية )3 ( صادرة عن تجربة ومعايشة» عن الهدف من دراسته، وهويجالس مجموعة من الأدباء العرب كتبوا عن باريس، قائلاً: «إن اختيار باريس، التي تجلت في هذه الدراسة بوصفها مركزا جاذبا لأطراف متعددة في العالم العربي،
خالد عمر بن ققه حين نتحدث عن التراث في مجال الثقافة لجهة البحث والدراسة، يبدو لنا في عوالمه المتدفقة فضاء واسعا يشمل المعارف والفلسفات والآداب، فيشكل بذلك عالما نتوق إليه، ونود لوكنا جزءا منه، في محاولة منا للتفاعل معه. وفي حال تفاعلنا مع الفضاء المعرفي للتراث أو سعينا إليه، نجد أنفسنا في حال من الإصغاء لمبدعين، لا يزالون - رغم رحيلهم منذ قرون أو عقود - يؤثرون في وعينا الجمعي بما سجلوه لها من ذكريات ومعلومات وسرد، يحضر فيها الزمان والمكان معاً، باعتبارهما منبع الأفكار ومصبها، لجهة ظهور الأفكاروتطورها، وصمودها أوزوالها أيضاً. وبعيدا عن مسألة السَّبْق لمن يشد الآخرإليه إن كان المكان أو الفكر ، وكلاهما له صلة بالزمن، فإن الحديث عن تأثيرالأماكن، لجهة «المثاقفة الحضارية» بين الأمم من منطلق الدراسات الأدبية يعد قليلاً، في حدود مطالعاتي، الأمرالذي يجعل البحث في هذا الموضوع من الأهميَّة بمكان. عملياً، فإن الحديث عن الأماكن في سياق البحث والدراسة للتراث، يحمل طابعا اختيارياً، لكنه يكشف مدى تأثيرها في الوعي والوجدان والمشاعر، باعتبارها طريقا ومسْلكاً، أو على الأقل مدخلا للوصول إلى حيث المنجزالبشري في مجالات الفكر والآداب والعلوم، سواء أثرذاك المنجزفي الأماكن أوأثرت فيه. وفي رحلة البحث نكتشف أن هناك تناسلا في الأفكارالتي ارتبطت
طه حسين
توفيق الحكيم
د. خليل الشيخ
115
114
2023 سبتمبر 287 / العدد
قراءة في كتاب «خليل الشيخ» «باريس في الأدب العربي الحديث».. عمل تأْسِيسي لـ «نقد أدب المدن»
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online