جُلَساء التراث
رحلة حنّا دياب ومن بين تلك التجارب وقف خليل الشيخ في هذه الطبعة لكاتبه، سنة، عند رحلة «أنطون يوسف حنّا دياب» كونها 24 الثانية منذ م، وكانت 1708 الرحلة العربية الأولى التي وصلت باريس عام طويلة قبل وصول حنا دياب إلى باريس وقد رافق فيها «بول لوكا» إلى طرابلس وصيدا وقبرص وبيروت وصولا إلى مصر، فتونس، ثم بعض المدن الإيطالية مثل كورسيكا وجنوة، وبعدهما وصل إلى مرسيليا، ومنها إلى باريس، وكان أول من قابله في باريس لويس الرابع عشر. في تلك الرحلة، التي اعتبرها خليل الشيخ: «كشفا بالمحكية السورية، )12 ( ، ودوّنها حنَّا دياب )11 ( شديد الأهمية» توقف دياب عند معالم باريس كالكنائس والمستشفيات ودار الأوبرا والمسرح الكوميدي، ولم يكتف بذلك، بل نقل حكايات من شوارع باريس تشيرإلى معرفته بالواقع اليومي للمدينة. هكذا مثلت باريس يوتوبيا معاصرة للأدباء العرب في أواخرالقرن التاسع عشروبداية القرن العشرين، لذا أضفى عليها الذاهبون إلى هناك طابعا مثالياً، وربطوا صورتها بالجنة، كما سبق الذكر. وعلى هذا الأساس لا يمكن مقارنتها بأي مدينة أوروبية أخرى، وقد شرح الكاتب خليل الشيخ ذلك في حواره مع جريدة «الشرق الأوسط»، بقوله: «إذا تأملنا صورة لندن أو برلين في الأدب العربي فإننا لن نعثر لهما على تمثيلات أدبية واسعة الحضور، أما نيويورك على سبيل المثال، فقد قدمها أدونيس على نحو مغايرلصورة باريس في قصيدته الشهيرة «قبرمن أجل نيويورك».
مختلف، والأمرالفارق الآخرهو «الدهشة الحضارية» بين كتابة تود أن تكون جزءا من الإبداع الأوروبي سعيا للتطور، وكتابة ترى في موروثها الثقافي والديني مرجعيَّة لمواجهة الغرب الاستعماري. المركز والأطراف مهما يكن الموقف النقدي، أوحتى التقييمي، لهذا الكتاب، فإن مؤلفه قدم لنا «دراسة نقدية في إشكالية العلاقة بين المركز والأطراف»، بيّـن فيها كيفية تبلور جاذبية مدينة باريس في الأدب العربي الحديث من خلال بُعدين بينهما قدركبيرمن الانسجام، الأول: في إضافة المثالية على باريس على نحو يربطها بالجنة، كما تتجلى في التصورات الدينية، ما أضفى عليها طابعا يوتوبيا يجعلها تزخربأسباب الراحة والسعادة، كما تجلى ذلك في قصائد فرانسيس المراش، وأحمد شوقي، وزكي مبارك، وخير الدين الزركلي، ومحمد مهدي الجواهري، وبيرم التونؠسي، وغيرهم. كما يظهرربط باريس بالجنة أيضاً، في كتابات عدد من المفكرين، الذين تحدثوا عن المدينة ومشاعرهم الوجدانية الجارفة نحوها من خلال لغة تتكئ على مصطلحات الشعائر الدينية لتضفي القداسة على المكان، من أمثال: مصطفى عبد الرازق، ومحمد كرد علي، وغيرهم. أما البُعد الثاني، فهو ذو طابع حضاري، ظل يؤمن بأن بناء مشروع النهضة العربية المعاصرة، ينبغي أن يمربهذه المدينة، كما في كتابات: رفاعة الطهطاوي، وأحمد فارس الشدياق، وعلي مبارك، ومحمد المويلحي، وتوفيق البكري، وأحمد زكي باشا، ومحمد حسين هيكل، ومحمد صبري، ومحمد تيمور، وطه حسين، ومالك بن نبي، وتوفيق الحكيم، وعبد الرحمن بدوي، وسامي الدهان، وسهيل إدريس، وغيرهم. وجميع تلك الكتابات رسمت صورة لعلاقة متميزة بين المثقف العربي وباريس، التي يغدو الذهاب إليها، بصرف النظرعن مدى الاتفاق أو الاختلاف، ضروريا لتشكيل مشروعات حضارية، أو فلسفية، أو إبداعية، أو فنية. ومن خلال تلك الكتابات دَوَّن المثقفون العرب تجاربهم «فحظيت باريس بمدونة عربية لا تقل أهمية عن تلك المدونة التي تمتلكها تلك المدينة في اللغات الأوروبية، فقد كانت باريس تشكل فضاء حضاريا جاذبا للأدباء والفنانين وسأكتفي هنا بالإشارة إلى تجربة شعراء ألمان مثل: وراينر ماريا Heinrich Heine (1797 - 1856 هاينريش هايني ( ) Paul Celan 1920 - 1970( ) وباول تسيلان 1926 - 1875 ريلكة ( . )10 ( وكلهم أقاموا في باريس ودخلت تجربتهم فيها في فضاء شعرهم
وليس من شك في أن الفرق الحضاري الكبير بينها وبين المدن . )13 ( العربية أسهم في بناء تمثيلاتها على هذا النحو» وفي سياق الحديث عن أدباء المهجر، خارج الفضاء الأوروبي، من ذلك على سبيل المثال، الفضاء الأمريكي، فقد ذهب خليل الشيخ إلى القول: «أدباء المهجر ينقسمون إلى قسمين، الأول: كانوا كلاسيكيين مثل الشعراء العرب في المشرق العربي، وهم أولئك الذي هاجروا إلى أمريكا اللاتينية، والقسم الثاني: المجددون الذين كانوا في أمريكا الشمالية، ويذكر منهما اثنان جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة، وقد تشكّل هؤلاء في إطار . بقيت هنا ملاحظتان أساسيّتان، وجب ذكرهما، )14 ( غربي تماماً» الأولى: أن كتاب باريس في الأدب العربي الحديث، كما ذكرعبده وازن، «يعد عملا تأسيسيّا في ميدان النقد الأدبي المقارن، ونقد أدب المدن، بل هو من الكتب النادرة جدا التي تطرقت إلى هذه القضية، والتي تنتمي في وقت واحد إلى النقد الأدبي والثقافي مع . )15 ( استناد منهجي إلى البحث التاريخي والحضاري» والملاحظة الثانية: أن هذا الكتاب هوخلاصة «نتاج مشروع بحثي للمؤلف يُفصِّل بالدراسة العلاقة بين الأدب العربي والمؤثرات الغربية، وهو يقوم على مسألة المثاقفة»، التي أشارإليها مؤلفه )16 ( في «حوارتلفزيوني» كاتب وصحفي - الجزائر المراجع: - خليل الشيخ.. باحث وناقد أدبي ومترجم، وهوأستاذ الأدب الحديث، وقد حصل 1 م.. له العديد 1986 على الدكتوراة من جامعة فريدريش فيلهلم - بون - ألمانيا عام من الدراسات النقدية في الأدب المقارن والنقد الأدبي والرواية والسيرة الذاتية، كما ترجم الكثيرمن الدراسات النقدية والفكرية والأعمال الإبداعية عن اللغة الألمانية، إضافة إلى ترجمته عشرات النصوص الخاصة بالأطفال والناشئة. - سبق لهذا الكتاب أن صدر في طبعته الأولى عن المؤسسة العربية للدراسات 2 م. 1998 والنشرفي بيروت عام - د. خليل الشيخ، باريس في الأدب العربي الحديث: دراسة نقدية في إشكالية 3
العلاقة بين المركزوالأطراف، الطبعة الثانية (دائرة الثقافة والسياحة، مركزأبوظبي بتصرف. 11 م)، ص 2022 للغة العربية، بتصرف. 11 - المرجع السابق نفسه، ص 4 بتصرف. 9 - المرجع السابق نفسه، ص 5 بتصرف. 11 - 10 - المرجع السابق نفسه، ص ص 6 م. 2004 - جابرعصفور، باريس في الأدب العربي الحديث، مجلة العربي، عدد فبراير 7 - المرجع السابق نفسه بتصرف. 8 - المرجع السابق نفسه بتصرف. 9 - خليل الشيخ: النقد العربي يحتاج إلى التجدد معرفيا ومنهجياً، حوار: م. م. 10 م، بتصرف. 2020 يوليو 18 البشتاوي، مجلة «نزوى» https://www.nizwa.com : الرابط - خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتّاب العرب، حوارشاكرنوري، 11
م، بتصرف. 2023 مايو 2 جريدة «الشرق الأوسط»، / https://aawsat.com/home/article : الرابط
- حنّا دياب، من حلب إلى باريس (رحلة إلى بلاط لويس الـرابع عشر)، حققه ووضع 12 هوامشه وقدّم له: محمد مصطفى الجاروش وصفاء أبو شهلا جبران، (منشورات م. 2017 الجمل: بيروت ـ بغداد) - خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتّاب العرب، حوارشاكرنوري، 13 مرجع سابق بتصرف. )، باريس والمثقفون العرب.. 39 - خليل الشيخ في برنامج «ءشيء يذكر» (الحلقة 14 15 فرحة الاكتشاف والتأمل الحزين، حوارخالد عمربن ققه على اليوتيوب بتاريخ م. 2023 يوليو https://www.youtube.com/watch?v=KmAEaiW0Q5c : الرابط - عبده وازن، تجليات باريس في الأدب العربي كما يستجليها خليل الشيخ، جريدة 15 م، بتصرف. 2023 يوليو 3 «إندبندنت» عربية، / https://www.independentarabia.com/node : الرابط - انظر: الباحث الأكاديمي الأردني خليل الشيخ ضيف حديث العرب، حوار 16 م. 2019 يوليو 05 سليمان الهتلان، قناة «سكاي نيوز - عربية»، بتاريخ https://www.youtube.com/watch?v=6VZqr-LCTss : الرابط
117
116
2023 سبتمبر 287 / العدد
قراءة في كتاب «خليل الشيخ» «باريس في الأدب العربي الحديث».. عمل تأْسِيسي لـ «نقد أدب المدن»
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online