مجلة تُراث عدد 287 - سبتمبر 2023

التراث المعماري الحديث في الإمارات.. أصالة وابتكار واستدامة

تتضمن بيوتا شعبية للسكان في إمارات الدولة كلها، التي عرفت باسم «الشعبيات»، وكانت ذات مواصفات معينة، فكانت متراً، تتكون من غرف تحيط بالفناء 24 × 24 مساحتها عبارة عن الداخلي الواسع، تم تخطيطها بصورة شرعية تحرص على الالتزام بالتعاليم الإسلامية والتقاليد الاجتماعية فيما يتعلق بالفصل بين الجنسين، بحيث تكون مجالس الرجال منفصلة عن بقية المنزل، وذلك حفاظا على عادات المجتمع الإماراتي وتقاليده، واحتراما لخصوصية الحياة داخل البيوت واستدامة للقيم الأخلاقية والاجتماعية. وتطورت هذه المباني مع تطور الدولة، وتحوّلت البيوت الشعبية إلى شواهد ورموز للتحول الاقتصادي والتطور المعماري والاجتماعي في الإمارات، من خلال التطورات والتحسينات التي مرت بها، وما صحبها من تحول في مسار الهندسة المعمارية، ووسائل البناء، وخاماته، بحيث تواكب التطور الحضاري الكبيرفي الإمارات. وتشكل المراكزالحضرية القديمة في دبي والشارقة التي تحتوي على شقق متوسطة الارتفاع، وبنوك ومجمعات مكتبية، ومناطق تجارية دليلا على هذا التطور خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن الماعضي التي شهدت اكتمال شقق شارع البنوك في الشارقة، وبرج ديرة في دبي، ومبنى الإبراهيمي في أبوظبي. وجلبت الزخارف المبتكرة إلى واجهات المباني كنوع من الاحتفاء بالتراث والتاريخ المحلي. وتم الانتهاء من مركزالتجارة العالمي في دبي في عام أيضاً، ما أدى إلى تغييرمسارالتنمية الحضرية في المدينة، 1979 وأصبح أحد الرموز المعمارية لفترة السبعينيات، ومؤشرا ودليلا لما سيعقبه من توجهات وتطورات. فنشأت المباني الشاهقة، وتوالت الإنجازات خلال فترة التسعينيات، وبلغت ذروتها مع برج ، الذي شكل مَعْلَما ثقافيا أعلن عن وصول 1999 العرب في عام الإمارات العربية المتحدة إلى المسرح المعماري العالمي. يتضح مما سبق حدوث تغيرات اقتصادية واجتماعية وثقافية هائلة ومتسارعة للغاية في دولة الإمارات العربية المتحدة في فترة السبعينيات. وعزز هذه التغييرات اكتشاف النفط واستثمار عائداته في المنطقة والثروة الاقتصادية الكبيرة التي ارتبطت به. فقد كان اكتشاف النفط وتصديره من داخل دولة الإمارات العربية المتحدة في أواخر الخمسينيات، ومنتصف الستينيات الحافزالأول للتغييرات الكبيرة التي توالى حدوثها، ما أدى إلى تغير العديد من جوانب المجتمع والثقافة بسرعة، وكان لهذا الازدهار الاقتصادي تأثير كبير على الهندسة المعمارية والبيئة المبنية. فالمباني الحديثة، على سبيل المثال، حلت محل العمارة

ٌالمشاريع المعمارية في الإمارات ما بعد الاتحاد: سَبْق وريادة واستدامة

النهضة المعمارية في الإمارات ما بعد الاتحاد في فترة السبعينيات من القرن الماعضي، وتحديدا ما بعد اليوم ، 1971 الاستثنائي في تاريخ دولة الإمارات، الثاني من ديسمبر مع البدايات الأولى لقيام دولة الاتحاد، كان الهم الأكبرللمغفور له - رحمه الله تعالى - الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّـب الله ثراه - هو تحسين الوضع المعيآشي للمواطنين من خلال تحسين مستوى الحياة، وتوفيرسبل الحياة الكريمة لهم، وكانت المساكن هي الأولوية ضمن خطة تنموية شاملة في مختلف المجالات، وقد وجه - رحمه الله - حينها بإنشاء أحياء سكنية

منى حسن المباني ليست مجرد صروح معمارية، لكنها شاهد على التاريخ، ومكون أسا؟سي في ثقافة الدول وتراثها وهويتها. والعمارة فن متجذر في تاريخ البشر، فهي التي تهتم بإيوائهم وتنظيم حياتهم، وأعمالهم، ولطالما شكلت المباني حصونا تقيهم شر الأعداء، وسوء تقلبات الطقس. وقد أولى الحكام عامة، وحكام المسلمين خاصة، منذ القدم العمارة اهتماما خاصاً، وشجعوا الفنانين والمهندسين وأجزلوا لهم العطاء، في مقابل تشييد القصور، والمباني، والقلاع، والمساجد على اختلاف أنواعها، وتزيينها وزخرفتها، فأبدعوا آثارا خلدت أصحابها وشهدت على إنجازاتهم، وخلفت تراثا عظيما تتوارثه الأجيال، وفنا يعجزعنه المقلدون، كما في العمارة الإسلامية بالأندلس وغيرها. وتختلف طبيعة المباني من بلد إلى آخرباختلاف البيئة الجغرافية والمناخية، وطبيعة الحياة، كما تتنوع مواد البناء بتنوع البيئات، وحسب المواد المتوافرة في كل بيئة، لذا فإن للمباني في كل دولة خصوصيتها التي تستمدها من طبيعة المكان وجغرافيتها، وما يتوافرمن خامات في البيئة المحيطة، ما يمنحها القدرة على التكيّـف مع البيئة والحفاظ عليها بما يحقق أهداف الاستدامة.

17

16

2023 سبتمبر 287 / العدد

ٌ

المشاريع المعمارية في الإمارات ما بعد الاتحاد: سَبْق وريادة واستدامة

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online