مجلة تُراث عدد 287 - سبتمبر 2023

سرد الذاكرة

مع وزير الأمن )17 ذكريات زمن البدايات (

بيت وكل شبرمن الأرض والبحرفي دولة الإمارات العربية المتحدة. ولقد أثر سلوكه العسكري في حياته وحياة رجاله فمواعيده دقيقة، تستطيع أن تضبط ساعتك على وقت دخوله إلى مكتبه ووقت خروجه منه إلا إذا اضطرلترك مكتبه ليلتحق بالقائد أو لحضور اجتماع وزاري أو لقاء أمني خارج مكتبه، وهذا السلوك كان القاسم المشترك بينه وبين جميع ضباط وأفراد رجال الشرطة وجهاز الأمن في ذلك الزمن. كان الرجل نشيطا يتمتع بنحافة تجعل حركته خفيفة، وخطواته سريعة وتنقلاته كثيرة، وفي كل مرة كنت أراه فيها كانت ابتسامته المشرقة على وجهه تؤكد روح التفاؤل التي كان يتمتع بها، والثقة التي كانت تصدرعنها أقواله وأفعاله. وبرغم الحادث المؤسف الذي تعرض له سموه إلا أن ابتسامته المشرقة كانت ترتسم على وجهه، حين يلتقي بأبناء وطنه وبالوافدين الذين أحبوه منذ كان فارس الأمن وصانع الأمان في بلد الحب ووطن الإنسانية دولة الإمارات العربية المتحدة. ولقد شهدت أعظم أمثلة الوفاء، عندما وجدت المغفور له الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، وجميع شيوخ آل نهيان الكرام، بل وجميع حكام وأولياء عهود الإمارات يحرصون على زيارة هذا الفارس في المناسبات وفي جميع الأوقات، ويطبعون على جبينه الطاهرقبل الحب والتقديروالوفاء. هذه هي الحضارة، وهذا هو الوفاء الذي أعد نفؠسي من المحظوظين الذين عاشوا في دولته وفي وطنه وفي مجتمعه الرائع العظيم، ولا أبالغ إذا قلت: إن صورة الوفاء الجميلة هذه لم ترها عيناي في أي مكان في العالم إلا هنا في دولة الإمارات العربية المتحدة حيث تزداد قامات الرجال طولا بانحناءات الحب والوفاء إعلامي وشاعر

لقائده الشيخ زايد؛ فقد كان دائما إلى جانبه لا يفارقه إلا لإدارة عمله الذي كان باختصاربناء جهازأمني قادرعلى حماية الدولة ومكتسباتها وإنجازاتها في مختلف المجالات. بنى الرجل جهازا بشريا رائعاً: أرسل شباب الإمارات إلى مختلف المعاهد والكليات الأمنية في الأردن ومصر وحتى إنجلترا، وتمكّن بعد تخرجهم من الاعتماد عليهم في وضع الأساس القوي الصحيح الذي قام عليه جهازالأمن في دولة الإمارات العربية المتحدة. لم تكن هناك أبواب مسدودة بينه وبين رجاله الأوفياء، ومازال أولئك الرجال يذكرونه بالحب والاعتزاز؛ فهو دائم السؤال عنهم واحدا واحداً، يحضر إلى ناديهم، ويمارس لعبة السنوكر «البلياردو» معهم، كأنه واحد منهم: يمازحهم ويلاطفهم بغير تصنع ولا افتعال. ولذلك أحبه رجاله، وتفانوا في عملهم لإرضائه، وتحقيق الهدف الكبيرالذي أراده قائد المسيرة. التزام بلا مراقبة في ذلك الزمن، وبفضل أولئك الرجال، كنا ننام ملء أعيننا لا نهتم بإغلاق أبواب بيوتنا، ولا نخآشى على سياراتنا المتوقفة في العراء تحت العمارات والبيوت التي نسكنها، ولا نخاف من السير في الشوارع قبل منتصف الليل وبعده. في ذلك الزمن الجميل لم يكن يجرؤ أحد على السير بسيارته بسرعة تزيد على الستين كيلومترا في الساعة داخل المدينة، ومئة كيلومتر على الطرق الخارجية، ولذلك كانت حوادث السير نادرة وغير خطرة على الإطلاق، برغم عدم توافرالرادارات وأجهزة المراقبة التلفزيونية وطائرات الهيلوكبتر وغيرها من الإمكانات الحديثة المتطورة التي تعتمد على آخرما توصلت إليها التكنولوجيا في مجال الأمن والسلامة على شوارع أبوظبي.. فعل ذلك بكل حب، وبكل قناعة أنه يخدم وطنه، ويعلي راية الأمن والسلامة فوق كل شارع وكل

خليل عيلبوني الأمن الذي تنعم به دولة الإمارات العربية المتحدة في هذا الزمن، يرجع إلى الأساس القوي الذي وضعه القائد الراحل - المغفور له بإذن الله تعالى - الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان. كان - رحمه الله - يدرك جيدا أن الإنجازات جميعها التي يحققها في مختلف المجالات تعتمد بالدرجة الأولى على الاستقرار، والابتعاد عن موجات العنف الفكري والسيا؟سي في الدولة التي كانت إلى حد بعيد نواة العالمية؛ فالوافدون القادمون إلى الدولة من مختلف أنحاء العالم يحملون معهم الاتجاهات السياسية والفكرية التي كانوا يمارسونها في بلدانهم الأصلية. والوافدون العرب الموجودون على أرض الدولة في بداية السبعينيات من القرن الماعضي، كانوا منتمين أصلا إلى أحزاب وتيارات سياسية مختلفة. وعلى الرغم من ذلك، فإن الدولة فتحت أبوابها لهم، ولم تطلب منهم التخلي عن أي فكرأواتجاه سيا؟سي لديهم، كل ما طلبته هوأن أرض دولة الإمارات لا يمكن أن تكون ميدانا لأي صراع أو تناحرأو تنافر، كما أنه لا يمكن لأي شخص له سوابق في مجال الجريمة أن يعود إلى ممارسة الجريمة في هذا البلد الآمن. مع وزير الأمن وكان على رأس جهاز الأمن في أبوظبي أولا ثم في الدولة كلها بعدئذ، ذلك الرجل الهادئ الباسم دائما سمو الشيخ مبارك بن محمد آل نهيان، أول مسؤول ووزير للداخلية في دولة الإمارات العربية المتحدة. اللقاء الأول بيني وبين سمو الشيخ مبارك ، وذلك من خلال برنامج إذاعي كنت أعدّه، 1971 كان في مارس وأقدّمه في إذاعة أبوظبي بعنوان: «الشرطة في خدمة الشعب». وكانت تشرف على البرنامج إدارة العلاقات العامة في جهازشرطة أبوظبي، وكان المسؤول في ذلك الوقت الأخ إبراهيم أبوذكري من جمهورية مصرالعربية الذي اختارفيما بعد العمل الحرفأنشأ شركة إنتاج إعلامي في أبوظبي، ثم أكمل مشروعه الخاص في مصر، بعده تسلّم إدارة العلاقات الملازم حسن الحوسني، وقد استمتعت بالعمل بمعيته ومن خلاله، وقد وصل الأخ الحوسني

خليل عيلبوني

إلى رتبة عالية. في ذلك اللقاء الأول مع سمو الشيخ مبارك بن محمد آل نهيان أدركت أنني أمام رجل أمن مختلف عن الصورة التي رسمتها لوزراء الداخلية أومسؤولي الأمن العرب الكبار. كنت أتهيب دائما اللقاء بمسؤول أمني كبير، وأشعرأن هناك حواجز تحول بين أولئك المسؤولين الأمنيين والإنسان العادي. مع سمو الشيخ مبارك أدركت أنني أمام إنسان طيب ودود، يحترم الناس ويصادقهم بغير تحفظ. وقد استطاع اللقاء الأول بيني وبين الرجل أن يزيل ذلك الشعور بالحذر أو التهيب؛ فسمو الشيخ مبارك ينتمي أولاً: إلى الأسرة الحاكمة، وهو ثانياً: أكبر مسؤول أمني في الدولة. ببساطة، وبغيرمقدمات، تحوّل الحديث بيني وبين الرجل إلى حديث ودي تناولنا فيه مختلف القضايا الاجتماعية والإنسانية التي طغت على السطح في ذلك الزمن. وفوجئت أن الرجل مثقف جدّاً، وأنه يعرف الكثيرعن الاتجاهات السياسية لدى الوافدين العرب حتى الأجانب خاصة القادمين من الهند وباكستان. كما وجدت فيه ذلك العربي الأصيل المؤمن بوحدة أمته العربية، والممتلئ بالحب لها، والمتمكن من معرفة تاريخها في عصوره المختلفة. ما أذكره جيداً، ولا يمكن أن يمسح من ذاكرتي هو حب الرجل

المغفور له الشيخ مبارك بن محمد آل نهيان

83

82

2023 سبتمبر 287 / العدد

) مع وزير الأمن 17 ذكريات زمن البدايات (

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online