أدب ونقد
الدفين فيسأل زوجته عن أولاده (جائع ومقهورة ومقموع) ويصر عليها إيقاظهم من النوم.. ويقول لها: اللحم كثير ولا يمكن أن يناموا وبطونهم خاوية ويطلب منها أن تتغذى جيدا وأن تنتبه إلى صحتها ليأتي ولدهما القادم قويا معافى.. وترد عليه: يا ليت كل ليلة نأكل اللحم هكذا... ويقترب منها في ليلة تساوي من حياتهما ألف ليلة ويهمس لها فتحذره وهي تشير بعينها إلى الأولاد فيكف ناحل ويصمت، ويصمت معه حلمه ليجد نفسه في الصحوة وجها لوجه أمام بائع اللحم، ويعود السرد القصظصي مرة أخرى إلى سياقه الواقعي. وإذا كان مقدرا له أن يمارس في لعبته الخادعة محاولة ردم أو تجسيرالهوة بين عالمي الحلم والواقع كما يقول فإنه لم يأخذ هذا المنحى في عالم عبد الحميد )2 ( إلياس فركوح أحمد القصظصي، بل ذهب في منحى آخرتصعيديا زاد في دنيا بطله حجم هذه الهوة عند أول محاولة له في تضييقها، وهو ما يظهر منذ تجرئه ودخوله دكان الجزاروسعيه لشراء ءشيء من اللحم من عنده.. وتتوضح صورة المأساة أكثرمن خلال الحوارالذي يبدؤه ناحل بقوله للجزار: ( - أريد لحما ... - كم كيلو؟... - اثنان ... - بكم الكيلو؟... - بعشرين درهما ... تسللت يد ناحل إلى جيبه حيث تقبع العشرة دراهم التي استلمها مساء بعد أن أنهى عمله اليومي ولم يجدها هناك فشهق شهقة مكتومة انتبه لها الجزار. - ما بك؟... هل أنت مريض؟... ومثل طفل يُضبط متلبسا تلعثم ناحل ثم قال: - لا ءشيء.. لا ءشيء ولكن قل لي، ألم يكن الكيلوبخمسة دراهم؟ ...
المارة الكثيرة لكن المبيدات الحشرية تجهزعليه وتحمله المياه الآسنة إلى البحرفيستقرفي جوف السمك... إن عبد الحميد أحمد يلجأ في هذا السياق إلى إكساب الأزمة الإنسانية أكثرمن جانب، ويحاول إبرازها على أكثرمن محور وهو ما يظهر بوضوح من لعبة الأسماء التي اختارها ليودع فيها هذه التعددية لوجوه الأزمة... فتظهر أمام المتابع لها بشق إنساني من خلال اسم بطل القصة وزوجته (ناحل العاري ومسحوقة) إضافة إلى اسم ابنه (جوع)، كما تظهرالأزمة بشق آخراجتماعي وسيا؟سي من خلال مدلول اسمي ولديه الآخرين (مقهورة ومقموع) وإذا كانت سخرية جبران خليل جبران قد دفعته إلى التهكم على العدالة الراهنة بالقول: وقاتل الجسم مقتول بفعلته وقاتل الروح لا تدري به البشر، فإن عبد الحميد أحمد أخذ بمجامع هذه المعاناة النفسية وجسدها بصورة حسية متخيلة نجم عنها اغتيال بطله (ناحل) وتقطيع أعضائه وقد ذهب إلى تحميل المجتمع وسلطاته وأنظمته المختلفة مسؤولية ما كابده من أزمات مركبة بدت قاسية وحادة في سياقيها الواقعي والتخيلي أيضاً، وما يلفت الانتباه في هذه القصة هو استخدام الكاتب غيرتقنية في إنجازمقصوده الدلالي انفتح من خلالها السرد على سياق مزدوج من التخيل... الأول ذهب فيه بطل القصة عبرتقنية الحلم إلى صنع ليلة تضج بالشبع الجسدي والعاطفي له ولأسرته الطافحة بالحرمان. والثاني ذهب عبره الكاتب إلى خط آخر صنع في أجوائه لوحة تتداخل فيها الأمكنة ويخرج الزمن في بنيتها عن تراتبيته وهو مثقل بمأساة متعددة متداخلة في نسب من يعانون فيها من
أوضاعهم وجل حياتهم وإذا كان الفتيل فيها هو الفقرالذي بقي ملازما (لناحل المطحون) في هذه القصة حتى أوصله إلى الموت كما أوصل (غريب) إلى مصير مشابه من قبل في قصة (الطائر الغمري)، فإن القاص عبد الحميد أحمد يتمسك بهذا الفتيل ويعتمد عليه في قصته (على حافة النهار) التي لا تقل أهمية عن سابقاتها، بل ربما أن لها أهمية إضافية حتى جعلها عنوان مجموعته القصصية وكنا قد أشرنا من قبل إلى أن هذا الفتيل الذي هوالفقريعتبرمن أهم مفاتيح سياقه السردي، ورغم تكرار الاعتماد عليه فإنه يأخذ أبعادا مختلفة تتوافق مع الفكرة التي يسعى الكاتب إلى بلوغها وتجسيدها في حكايات القص التي يغلب عليها طابع التنوع، ويبدوأن التنقل والسفرلديه كان له بالغ الأثر في هذا التنوع وفي رفد نصه بالمزيد من المشاهد الإنسانية، إلا أنها على كثرتها ظلت محكومة بالأزمات وعالقة بها ومستغرقة في تفاصيل مكابداتها اليومية وهو ما جعل سياقها يتشكل وفق بنائية روائية مسترسلة تأخذ منحى الاستطراد والاستطالات السردية التي تملأ مساحات القص بتفاصيل الحدث القصظصي ومكابدات شخصياته مما يدور عبره من مجريات كاتب وأديب من سوريا الهوامش: . مجموعة قصص على حافة النهار، عبد الحميد أحمد، اتحاد كتاب وأدباء 1 م. 1992 الإمارات الشارقة . لعبة السرد الخادعة، حوارات مع إلياس فركوح، إعداد جعفرالعقيلي، دارأزمنة 2 م. 2006 للنشر، عمان . مجموعة قصص على حافة النهارلعبد الحميد أحمد، قصة نسمة هواء طائشة 3 . 87 - 86 ، وقصة الطائرالغمري ص 32 - 31 ص
جلجلت في المكان ضحكة مرعدة هزت الأرجاء.. كان الجزار يقهقه وانتفخت أوداجه وأبوجائع يقلب ناظريه مذهولا ليس من الجزار الذي تحول إلى لحم مترجرج من أعلاه إلى أسفله بل من ذلك الإبليس الذي استطاع أن يسرق من جيبه أجرة يومه ليقف وتنفر الدماء من أنف ناحل )3 ( في خنوع وانكسار أمام الجزار..) لتختلط بلحيته الطويلة المهملة وبتخيل من الكاتب - وليس من بطله هذه المرة - تداعب يد ناحل سكين الجزاروتضغط عليها فتنبثق الدماء الفائرة من أصابعه بشهوانية الجائع المشتاق إلى الشبع من اللحم وطعمه الخرافي... ويهيم في فراغ لا يحس فيه بضحكات الجزار الماكر ولا يشعر بسخريته.. ويستمر الكاتب بالتخيل القائم على التصفية الجسدية لبطله ويتجاوز فيها تقطيع الأصابع ليواصلها الجزارإلى بقية أعضاء الجسم فيتحول (ناحل أبو الجوع) إلى مزق متناثرة من اللحم والعظم يجمعها الجزار ويضعها في واجهة المحل ثم يحمل الأحشاء والرأس إلى صندوق من القاذورات وكما يتحول الإنسان عند فرانز كافكا إلى حشرة، ينقلب ناحل أبوالجوع إلى صرصور عند عبد الحميد أحمد ويغادر دكان الجزار ويمآشي قرب الرصيف متجنبا أرجل إذا كانت الغرائبية جمالياتها تقوم على الخروج عن المألوف الواقعي كما يعبّر هربرت ريد ولانجر، فإن الكاتب الإماراتي عبد الحميد أحمد اعتمد التنويع في بنائية السرد لديه لذلك نجد سياقه القصصي قد جمع بين ما هو واقعي وما هو مُتخيل وواقعي
97
96
2023 سبتمبر 287 / العدد
غرائبية السرد وأبعاده التعبيرية عند الكاتب الإماراتي عبد الحميد أحمد
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online