مجلة تُراث عدد 290 - ديسمبر 2023

الفنون في الإمارات: احتفاء بالإنسان والسلام والتسامح..

ويؤكد فيشر على أنه لا بد لنا أن ندرك منذ البداية أننا عندما ندرس الفن فإننا نتناول في الواقع ظاهرة فريدة ومدهشة. وينو ّّه إلى أنه لو نظرنا حولنا فسنجد ملايين من الناس يقرؤون الكتب، ويسمعون الموسيقى، ويشاهدون عروض المسرح، ويرتادون دور العرض السينمائي، ويعود فيشر إلى التساؤل: لماذا يفعل الملايين من البشر كل هذا: «هل لأنهم يبحثون عن الراحة والمتعة وفراغ – أو راحة – البال؟ وتتواصل أسئلة مؤلف كتاب «ضرورة الفن»، وتتواصل بالتالي محاولاته للإجابة عن تلك التساؤلات على مدار صفحات الكتاب. ومن بين إجابات الكتاب على أسباب لجوء الإنسان إلى القراءة ومشاهدة الفنون من لوحات تشكيلية وعروض مسرحية وأفلام سينمائية، إنما يطمح من وراء ذلك إلى أن يكون أكثرمن مجرد كيانه، ويريد أن يكون أكثر اكتمالاًً، فهو لا يكتفي بأن يكون فردا منعزلاًً، بل يسعى إلى الخروج من جزئية حياته الفردية إلى «كلية» يرجوها ويطلبها، إلى كلية تقف فرديته بكل ضيقها حائلا دونها... إنه يسعى إلى عالم أكثر عدلا ًً، وأقرب إلى العقل

والمنطق. ويذهب مؤلف كتاب «ضرورة الفن» إلى القول بأن رغبة الإنسان في الوصول إلى الزيادة والاكتمال يدل على أنه أكثر من مجرد فرد، وهو يشعر بأنه لا يستطيع الوصول إلى هذه الكلية، إلا إذا حصل على تجارب الآخرين، وهي التجارب التي كان يمكن أن تكون تجاربه هو أو التي يمكن أن تكون تجاربه في المستقبل. وذلك يشمل كل شيء، وكل نشاط يمكن أن يقوم به الإنسان.. والفن كما تدلنا صفحات الكتاب، هو الأداة اللازمة لإتمام هذا الاندماج بين الفرد والمجموع، فهو يمثل قدرة الإنسان غيرالمحدودة على الالتقاء بالآخرين، وعلى تبادل الرأي والتجربة معهم. ولعل هذا القول يُُعد تأكيدا على أن الفن هو وسيلة للاندماج في الواقع. ووسيلة الفرد إلى الالتقاء بالعالم، والتعبير عن رغبته في التمرس بالتجارب التي لم يمر بها. كما يسوق لنا الكتاب قول المسرحي الألماني برتولت بريخت: «يجب على مسرحنا أن ينم ّّي لدى الناس متعة الفهم والإدراك، وأن يدربهم على الاغتباط بتغيير الواقع، وكيف يشعرون بكل

ضرورة الفن

علي تهامي

يختفي، وأن الواقع سوف يحل بالتدريج محل الفن، إذ لم يكن الفن في جوهره إلا تعويضا عن انعدام التوازن في الواقع الراهن، حيث قال موندريان: إن الفن سيختفي عندما تصل الحياة إلى درجة أعلى من التوازن. وعلى ذلك فإن بيت موندريان الذي يرى في الفن بديلا للحياة، ووسيلة لإيجاد التوازن بين الإنسان والعالم الذي يعيش فيه فكرة تحتوي على اعتراف جزئي بطبيعة الفن وضرورته. ولكن صاحب كتاب «ضرورة الفن» يرى في مقدمة كتابه الذي بين أيدينا، أن وجود التوازن الدائم بين الإنسان وعالمه أمر مستبعد حتى في أرقى أشكال المجتمع، ومن هنا فهو يستنتج أن الفن سيكون ضرورة في المستقبل كما كان في الماضي. ويتواصل طرح الأسئلة عبر صفحات كتاب «ضرورة الفن» لمؤلفه أرنست فيشر، حيث يقول: هل الفن مجرد بديل للحياة؟ ألا يوجد علاقة أشد عمقا بين الإنسان والعالم؟ وهل يمكن أصلا تلخيص وظيفة الفن في عبارة واحدة؟ ألا يشبع الفن مجموعة واسعة ومتنوعة من حاجات الإنسان؟ يُُعتبر كتاب «ضرورة الفن» بمثابة محاولة من قِِبل مؤلفه أرنست فيشر، للإجابة على تلك التساؤلات وغيرها، وتقوم فكرة الكتاب على الاعتقاد بأن الفن كان ضرورة ولا يزال، وسيبقى ضرورة كذلك على الدوام.

يطرح النمساوي أرنست فيشر في كتابه «ضرورة الفن» الذي ترجمه لنا أسعد حليم، الكثير من الأسئلة حول الفن وضرورته ووظيفته ودوره في حياة البشر، وغير ذلك من الأسئلة التي نذكر منها: هل الفن ضرورة؟ وهل الفن يُُمكن أن يختفي؟ وهل الفن بديل للحياة؟ وهل الفن وسيلة لإيجاد التوازن بين الإنسان والعالم؟ وهل نستطيع أن نحدد وظيفة الفن؟ وألم تنشأ للفن وظائف جديدة؟ وغير ذلك من الأسئلة التي ي ُُجيبنا عنها أرنست فيشرعبرما يسوقه في كتابه «ضرورة الفن» من الرؤى والأفكار التي تدور في فلك الفن، وكيف رآه الفلاسفة وغيرهم من المفكرين والفنانين، وكيف عب ّّر هؤلاء عن الحيرة إزاء دور الفن في العالم، وعلى رأس هؤلاء الفرنسي جان كوكتو الذي قال حين تحدث عن ضرورة الفن قائلا ًً: «آه لو أعرف لماذا». الفن بديلا للحياة وإلى جانب حيرة جان كوكتوفي بحثه عن إجابة لسؤال: «لماذا الفن ضرورة»، يستعرض لنا أرنست فيشر رأيا آخر عبّّر عنه المصور الهولندي بيت موندريان، الذي رأى أن الفن يمكن أن

25

24

2023 ديسمبر 290 / العدد

ضرورة الفن

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online