مجلة تُراث عدد 290 - ديسمبر 2023

الفنون في الإمارات: احتفاء بالإنسان والسلام والتسامح..

مقاربة معاصرة الفنون في عصر ما بعد العولمة:

إن حركة الانتعاش الاقتصادي التي شهدها سوق المنتجات الفنية والرخاء الاقتصادي الذي شهده سوق الفن في القرن الحادي والعشرين قد يدفعنا إلى التساؤل: لماذا أصبح الفن محبوبا من الجماهير؟ لقد أصبح الناس أكثر إقبالا على المنتجات ذات الأبعاد الثقافية المتداخلة والمعقدة التي تتعلق بتطور في أذواق الناس ومشاربهم. ومن ناحية مثالية بحته فإن الفن في حد ذاته مستفز للأفكار ومثير للجدل والنقاش ما يتطلب نشاطا دائما ومجهودا مضاعفا ولكن هذه المسألة تنطوي على متعة ليس لها مثيل. وعندما تتراجع بعض جوانب المشهد الثقافي وتتوارى عن العيون يتجه الجمهور العاشق للفن المرئي إلى مناطق أخرى في الفضاء الثقافي

صديق محمد جوهر منذ مطلع القرن الحادي والعشرين ازداد اهتمام دولة الإمارات العربية المتحدة بالأنشطة الفنية على الص ُُّع ُُد كافة بسبب الدور الذي تلعبه الفنون في مد جسور التواصل الحضاري بين الشعوب والأمم. لقد افتُُتحت في الجامعات عديدة للدراسات السينمائية ا � الإماراتية المحلية أقسام والمسرحية والفنون الجميلة والتصوير والرسم والفن التشكيلي والموسيقى من أجل إعداد أجيال واعدة من المتخصصين في فروع الفن المعاصر كافة. علاوة على ذلك أقيمت المعارض الفنية وتم تنظيم المؤتمرات الدولية السنوية التي تناقش أحدث ما توصلت إليه المدارس الفنية حول العالم في شتى التخصصات. في الحقيقة يمكن القول إن الفن أصبح عاب ار للحدود في زمن ما بعد العولمة الذي ينطلق بسرعة البرق. وعلى عكس الأشكال الثقافية التي تتخذ من الكلمات وسيلة للتواصل، فإن الفن يمكن أن يتحول إلى لغة عالمية فاعلة يفهمها الناس جميعا حول العالم بما يمتلكه من قواسم مشتركة مع الأنماط الثقافية الأخرى. والمفارقة هنا تكمن في أن شعبية الفن قد ازدادت لأن المنتجات الفنية أصبحت أغلى سعارًً. لقد أصبحت المنتجات الفنية ذات الأسعار المرتفعة تتصدر عناوين الصحف والأخبارونشرات الأنباء، ومن ثم يتم الترويج للفنون باعتبارها سلعا ترفيهية ورمواز للمكانة الاجتماعية المتميزة.

عمل للفنانة سامية جنبلاط (مؤسسة بارجيل للفنون)

في محاولة لتحدي الأساليب البالية والطرائق التقليدية التي أصابت الوسط الثقافي بالجمود والركود. يتشكل عالم الفن المعاصر من شبكة عنكبوتية فضفاضة من الجماعات الفرعية ذات الاتجاهات الفنية المتعددة التي يجمعها الإيمان بالفن ورسالته وتمتد هذه الشبكة وتتغلغل عبر الكرة الأرضية ولكنها تتركز في عواصم الفن الرئيسية حول العالم، مثل: نيويورك، ولندن، ولوس أنجلوس، وبرلين. وثمة مجتمعات نابضة بالحياة وجماعات من عشاق الفن قد أقامت قواعد لها في مدن، مثل: غلاسغو (إسكتلنده)، فانكوفر(كندا) وميلان (إيطاليا). ولكن هذه المدائن تعد بمنزلة مناطق خلفية لصناعة المنتجات الفنية وترويجها، كما أن الفنانين الذين يعملون هناك يسعون دائما إلى البحث عن وسيلة تضمن لهم الإقامة الدائمة والاستقرارفي هذه الأماكن البعيدة نوعا ما عن مراكزالفنون الكبرى في العالم. ولكن لا مندوحة أن أذرع عالم الفن قد امتدت إلى العديد من المناطق المركزية الأخرى حول

العالم إذ لم تعد الفنون حك ار على باريس ونيويورك كما كان الحال في القرن العشرين. إن عالم الفن المعاصر هو «عالم الرتب الرفيعة» حسب قول الناقد الأمريكي توم وولف. لقد تأسس هذا العالم على شكل نظام هرمي تحكمه الضبابية والمتناقضات بخصوص أشياء، مثل: التعليم، والذكاء، والثروة، وحجم المقتنيات، والشهرة، والسمعة، والمصداقية، والأهمية التاريخية المفترضة، والانتماء إلى مؤسسات معينة، وما شابه ذلك. وعلينا ألا ننسى أن ثمة فوارق بين «عالم الفن» و«سوق المنتجات الفنية» فالأول أكبر بكثير من الثاني. ويشتمل السوق الفني على من يسوّّقون المنتجات الفنية ويبيعونها ويشترونها مثل التجار وجامعي المقتنيات ومرتادي المزادات العلنية. أما بقية اللاعبين في الميدان الفني مثل النقاد ومديري المعارض والفنانين أنفسهم فإنهم لا ينخرطون بشكل مباشر ومستمر في الأنشطة التجارية المتعلقة بعالم الفن. إن عالم الفن ليس

«البراق» للفنان كاظم حيدر

29

28

2023 ديسمبر 290 / العدد

الفنون في عصر ما بعد العولمة: مقاربة معاصرة

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online