الفنون في الإمارات: احتفاء بالإنسان والسلام والتسامح..
كونج على سبيل المثال (وهو فنان تشكيلي أمريكي من أصول هولندية، ولد في روتردام وينتمي إلى المدرسة التعبيرية) يُُعد استثما ار آمنا خير من شراء أسهم في أي مصرف تجاري. أثناء المضاربات في البورصة قد ينتاب بعضهم الشعوربالقلق من أن يؤثر سعر المضاربات على أسعار السوق الخارجية. ومع ذلك فإن أسعار المنتجات الفنية المعروضة في المتاحف والسندات الخاصة ببيع تلك المعروضات وشرائها والأموال المرصودة للجوائز الفنية تظل بمأمن، إلى حد كبير، عن تقلبات البورصة وأسواق صرف العملات. ولذلك فإن العاملين في مجال الفن خاصة الفنانين هم أقل تعرضا للمخاطر في حالة الاندفاع الجامح نحو بيع المقتنيات الفنية. وفي هذا السياق يجب التأكيد أن جمع المال يجب ألا يكون الهدف الأسمى للفنان، ومن وجهة نظر رجال الأعمال والتجار فإن المال ينبغي أن يكون منتجا جانبيا أو قيمة مضافة للفن وليس ًًا هدفا له. إن الإبداع الفني يحتاج إلى قوة دافعة وأكثر سمو من المال ومن الربح حتى يصبح متفردا على غيره من أنماط المنتجات الثقافية الأخرى أكاديمي وناقد، خبير الترجمة في الأرشيف والمكتبة الوطنية - أبوظبي
«زمن الثقافة الشفاهية» فإن آخرين يعتقدون أن هذا العصر يشهد نموا فيما يسمى بالمعارف المرئية، أو الثقافة البصرية عبر شاشات العرض المختلفة من خلال فضاءات الإنترنت واليوتيوب. وفي هذا العصر يعتمد التطور الثقافي والمعرفي بشكل كبير على ما تراه العين، وفي هذا السياق تصبح عملية تعلم الثقافة مصحوبة بالمتعة وبكل ما يسرالعين. ومن ناحية أخرى فإن فترة الانتعاش الاقتصادي التي شهدتها سوق الفن إبان القرن المنصرم قد أتاحت لشريحة كبيرة من الأغنياء على مستوى العالم تحقيق أرباح بالمليارات. وحسب ما ورد عن السيدة آمي كابيلاتسو من مؤسسة «كريستيز» وهي شركة أسسها جيمس كريسي في بريطانيا في القرن الثامن عشر متخصصة في الفنون الجميلة والمزادات العلنية فإن كبار الأثرياء الذين يمتلكون القصور والطائرات النفاثة يتجهون إلى عالم الفن لجمع المزيد من الثروات. وبالتأكيد فإن الأثرياء ليسوا مجرد جامعي تحف وإنما يقومون بتجميع المنتجات الفنية باعتبارها مخزونا استراتيجيا يتم التحفّّظ عليه لوقت الأزمات. لقد ازدادت أعداد هؤلاء فبعد أن كانوا بضع مئات أصبحوا اليوم بالآلاف. في تلك المرحلة التي انتعشت فيها الفنون أصبح عالم الفن أكثر اتساعا وازدادت وتيرة إيقاعاته وتلاحقت الأحداث فيه، كما أصبح أكثرمسايرة للموضة وأكثرغلاء وأصبح المتنافسون على مقتنياته أكثر ضراوة. ومع تراجع حركة التجارة العالمية وصلت تلك المرحلة من النشوة الاقتصادية التي شهدها عالم الفن إلى نهايتها، ولكن بنيتها التحتية وآليات عملها ظلت قائمة على الساحة. وفي عالم رقمي تتزايد فيه المنتجات الثقافية المستنسخة فإن المنتجات الفنية الأصلية تماثل في قيمتها العقارات، والأراضي. ولذلك يسعى الأثرياء لاقتنائها باعتبارها أصولا ثابتة لن تذهب قيمتها أدراج الرياح؛ ولذلك حرصت صالات المزادات العلنية وشركاتها على مغازلة شرائح جديدة من المجتمع لم يسبق لها أن ابتاعت منتجات فنية. وتحرص هذه الشركات على تقديم وعود للزبائن بإمكانية إعادة بيع ما اشتروه منها من تحف فنية إذا اقتضت الحاجة لذلك. وهكذا تولدت لدى المستثمرين الرغبة في شراء المنتجات الفنية المعاصرة باعتبارها استثماار ناجحاًً، ولهذا تم جلب كميات هائلة من السيولة المالية إلى سوق الفن. وتظل القيمة الاستثمارية للمنتجات الفنية قائمة حتى في أوقات الركود الاقتصادي، بمعنى أن شراء لوحة من عمل الفنان ويليم دو
دبي واحة لأفضل التجارب الفنية الرقمية العالمية
مجرد بيئة حاضنة للفنانين، حيث يقومون بأنشطتهم الفنية ويبدعون أعمالهم، ولكنه المستقر لهم يقيمون فيه طوال الوقت. يسعى المطلعون على بواطن الأمور في عالم الفن إلى لعب ستة أدوار محددة، فهم يرغبون في أن يكونوا فنانين أو ًًا تجاار للمنتجات الفنية أو مديرين للمعارض الفنية أو نقاد أو جامعين للتحف. ويعترف هؤلاء بأن ثمة صعوبات بالغة تكتنف أعمالهم وتشكل تهديدا لقدراتهم في الحفاظ على وظائفهم التي تعتمد في الأساس على التلاعب بمشاعر الآخرين وأحاسيسهم والسيطرة على مداركهم وأذواقهم بحيث يتقبلون ما يقدم إليهم من فنون. إن من أصعب المهام وأكثرها مشقة على النفس أن يصبح الإنسان فنانا ناجحا يتقبله الآخرون. أما تجار المنتجات الفنية القادرون على تصريف ما أفرزته طاقات اللاعبين الآخرين في ميدان الفن وتعديل مسارها فإنهم يضطلعون بأدوارمحورية أكثرفعالية في هذا المضمار. ويزعم جيف بو وهو أحد تجارالمنتجات الفنية الأثرياء بأن عالم الفن لا يعتمد على عنصرالقوة ولكن على القدرة على السيطرة على الآخرين والتحكم فيهم لأن القوة هي سلاح السوقة والرعاع أما السيطرة فهي سلاح الأذكياء الذين يحددون أهدافهم بدقة بالغة. وينبغي البدء بالسيطرة أولا على الفنانين لأن أعمالهم هي التي ستحدد الخطوات التالية، ولكن الفنانين بحاجة إلى وسيط يثقون به ويتحاورون معه بشأن أعمالهم ومنتجاتهم. إن
سيرورة الإنتاج الفني تقتضي السيطرة والثقة في آن معاًً. هكذا تسير الأمور في عالم الفن. وعلى الرغم من اعتزاز عالم الفن بذاته وكأنه مجتمع يضم أهل الفضيلة والتقوى إلا أن هذا العالم يعتمد في وجوده على التوافق الجمعي بالطريقة نفسها التي يولي فيها الاهتمام بالآراء الفردية والتفكير الناقد. وعلى الرغم من أن عالم الفن يبجل كل ما هو غير تقليدي فإنه يسعى دائما إلى التكيّّف مع آراء الآخرين. وفي هذا السياق فإن الفنانين قد يصنعون أعمالا تبدو وكأنها فن حقيقي وقد يلتزمون بطرائق تدعم وجود الصور النمطية في المجتمع. أما مديرو المعارض فيتصرفون مثل سماسرة الفاحشة والقوادين، حيث يعملون على تحقيق رغبات نظرائهم وأعضاء مجالس إدارات المعارض. وبالنسبة إلى جامعي التحف فإنهم يهرعون كقطعان الماشية في سعيهم لشراء أعمال حفنة من الرسامين الذين يسايرون آخر خطوط الموضة في عالم الفن. أما النقاد فإنهم يخوضون مع الخائضين ويركبون الموجه تلو الموجة ويحنون رؤوسهم للريح حتى تمر الأمور بسلام وبلا أخطاء. وفي عالم الفن لا توجد ضمانة على أن المبدعين سوف يحصدون الجوائز ولكن بعضهم يغامرون ويبدعون وبالتالي يقدمون مبر ار للآخرين لتقليدهم والسيرعلى خطاهم. على الرغم من أن بعضهم يتفجع على زوال زمن القراءة وحلول عهد جديد يراه هؤلاء على أنه بمثابة نكوص إلى الماضي
سوق الفن الرقمي في دبي
31
30
2023 ديسمبر 290 / العدد
الفنون في عصر ما بعد العولمة: مقاربة معاصرة
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online