الفنون في الإمارات: احتفاء بالإنسان والسلام والتسامح..
النهمة.. فن وثقافة أزلية
مريم سلطان المزروعي ارتبط أهالي ساحل دولة الإمارات العربية المتحدة بعلاقة وثيقة مع البحر، فتشكلت بينهما علاقة حميمة أخذت أبعادا وجودية وحضارية وتاريخية عميقة. ويعتبر الإنسان الإماراتي البحر جزءا كبي ار من ذاكرته الوطنية، حيث تمتلئ هذه الذاكرة بالأحداث والتجارب التي شك ّّلت جزءا لا يتجزأ من تراثه. إن هذه الذاكرة البحرية لها تأثير عميق في حياة الإماراتيين وثقافتهم، حيث نشأت منها مهن وصناعات وعادات وتقاليد وفنون إبداعية غنية ومتنوعة. هذه الفنون نشأت وازدادت تأصيلا بعدما تداخلت مع جوانب متعددة من حياة الإنسان، ما أدى إلى ظهور فنون بحرية أصبحت معروفة وشائعة بين أفراد المناطق الساحلية وتمارس من أجل إشباع احتياجاتهم واحتياجات أسرهم بما في ذلك توفير مصدر للعيش. تبدأ الرحلة من شاطئ البحر تلك السفينة الرملية المجاورة لمياه البحر المكتظة بالبح ّّارة الذين يعملون على ظهر السفن الضخمة، تشق عباب البحار والمحيطات وتنقل البضائع والتجارة وتسعى إلى جلب اللؤلؤ من أعماق البحار. تكونت في تلك الفترة الممتدة لأربعة أشهر ما بين حدود السفينة ومحيطها علاقات قوية ما بين البحارة. ففي الفترة المسائية وبعد التعب من جراء عملية الغوص، يتجمعون ويأخذون في تبادل أطراف الأحاديث الماضية والحاضرة، تجمعهم جلسات السمر التي يحيونها ما بين الطرب والأنس. ومن هنا يتطرق إلى أذهاننا «النه ّّام» الذي يعتبر من أهم شخصيات الغوص، قد يكون واحدا من الغواصين أو السيوب، فيؤدي النهم بأجر يتفق عليه مع النوخذة زيادة على أجره الأصلي، يحيي الجلسة بما يحفظه من أغاني مختلفة عاطفية وقصائد متنوعة، ومن تلك الفنون «فن الفجري»، يذكر المؤلف نجيب عبد الله الشامسي في كتابه «الإمارات في سفينة الماضي»: إن النهّّام قد يختلط عليه ما هو من وحي خياله وما هو موروث، ومن هنا يكون الإبداع الفني نابعا من وجدان الشعب وضميره.
وتطرق الشامسي إلى «فن الفجري»، وهذا الفن تصحبه رقصة أحيانا ودق الطبلة ويصحبه تصفيق البح ّّارة الذين يصطفون صفين وهم جالسون، يقفز أحد البح ّّارة في الوسط ويمين المجموعة بركعة، ثم يعود ليناوبه أحدهم بالحركات نفسها، وحين الوصول إلى الهير ينشد النه ّّام مع السيب: وعند إعلان يوم «القفال» أي العودة، كان ذلك يضايق بعض النواخذة الذين يتطلعون إلى صيد أكثر، وكان البح ّّارة يفرحون ويبدؤون في هذه الندوات: لا إله إلا اللــــــــــــــــــــــه مـــــــــــــــــــــــــــــــــات الغـــــــــــــــــــوص النهـــــــــــــــــــــــــــــــــام: حكــــــــــــــــــــــمك ياروم وتجـــــــــــزر ينهـــــــــــض بدايــــــــــــــــــــــري والموسم غلــــــــــــــــــــــــــق يا عيـــــــــــني هللــــــــــــــــــــــي في الوادي اتعلـــــــــــق دار نزلنا وأبرك دار دار الخير والمحار
وفي كتاب «الغوص بو سبعة أرزاق»، للمؤلف أحمد محمد بن ثاني، حيث يقول: النهّّام هو من يقوم بالغناء، وهو من يقوم بترديد الأبيات
وفي حالة ليريالس أوخاري، وهي تستخدم في السفن الصغيرة وغيرالمسطوحة، فإن النه ّّام يستخدم قصائد على وزن «هيليه»:
النهام جمعة بو سماح
ْْشط ّّبـــــــــــــــــــــــــــــــــي ما خ ََذنـــــــــــــــــــــــــــــــــي بهونـــــــــــــــــــــــــــــــــه
الشعرية لقصائد معينة وبلحن معين، وهذه الألحان تختلف حسب نوع (اليََّر) الذي يقوم به البحارة، فهناك ألحان خاصة (لير داخل) كما أن (لير خاري) له ألحانه الخاصة، والبحارة يستطيعون العمل لساعات طويلة وهم يستمتعون بصوت النهّّام الشجي ويرددون ما يقوله، وتختلف النهمات مع طريقة التجديف، فهناك نهمات لير واجف (تجديف واقف) وهناك نهمات لير يالس (جالس)، ففي النهمات لير (واجف) ويسمى كذلك (داخل) يستخدم في السفن الكبيرة المسطوحة، ويأتي على وزن «هِِيلي لامََال».. «هيلي لامََال»، فيبدأ النهّّام بالغناء بشطر البيت ويكمل البح ََّارة وهم يجد ّّفون بقية الش ََّط ْْر: ه ِِيلي ِِه.. ه ِِيلي ِِه.. ه ِِيلي ِِه ويرد عليه البحارة: هيلي لآمال.. هيلي لآمال
ِِـــــــــــب داس العتـــــــــــــــــــــــــــــــــب في ّّـــــــــــــــــــــــــــــــــه صاح
ْْلو بغــــــــــــــــــــــيت أس ّّلََــــــــــــــــــــــى أنـــــــــــا دونـــــــــــــــــــــــــــــــــه
ََـــــــــــــــا ليّّــــــــــــــــــــــه زاد عوقََــــــــــــــــــــــه فــــــــــــــــــــــي الحش
ّّـــــــــــع ركونـــــــــــــــــــــــــــــــــــه عــــــــــــــــــــــوق قلــــــــــــــــــــــبي خش
وأرث الأســـــــــــقـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــام يوفِِيّّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه ويكرر النهّّام هيليه.. هيليه إلى أن يصل إلى نهاية اللحن المطلوب، ثم يقوم بغناء البيت الأول وبقية البحّّارة يرددون: هيليه.. هيليه، ثم ينتقل إلى البيت الثاني. إن الأغاني البحرية هي موروث غنائي شعبي أصيل توارثته الأجيال على الرغم من تعدد ألحانه وتباينها بما يناسب الشاطئ
67
66
2023 ديسمبر 290 / العدد
النهمة.. فن وثقافة أزلية
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online