إضاءة
خيانة الباب
فأصبحت هذه العيون المزروعة لا علاقة لها بالباب الذي يعود بطمأنينة لأن يكون أمينا في وظيفته لكن التكنولوجيا تتخطاه لتزرع عدم الأمان وعدم الطمأنينة بوسائل أكثر جهنمية في الاستخدام غير المرئي لتكشف عبر شبكات إشعاعية عن حركة أهل الداخل وعن فعلهم الداخلي في غياب المتلصصين كما يعتقدون فيمارسون بحريتهم حركتهم وهمسهم وتلامسهم لكن هذا الباب الأمين الساتروالواقي يتحول إلى مرحلة الخيانة حين يشيخ ويكبر.. نعم الباب مثل الجمادات الأخرى تتشبه بالإنسان، لها أعمار وتمتلك عافيتها في مرحلة التكوين الأولى والشباب التالية حين يكون الباب مكتمل البهاء والصنعة والقوة والمتانة وغلبة الصلف في مواجهة العابثين واللصوص قوياًً ا � والمارقين الذين يحاولون فتحه عنوة فيكون صلد عفياًً.. ولكن حين يكبر ويشيخ فإنه يتواطىء مع اللصوص أو مع العابرين غير المسموح لهم حين تتحول ألواحه وتتفكك دسره.. وعقده الرابطة، ويتفكك وهنا وضعفا ويصبح غير قادر على المنع والستروالحفظ، الباب لا يملك في حالة شيخوخته إلا الرضوخ للعابثين العابرين بتعمد لأنه لا يستطيع ردهم أو منعهم. هذا التواطىء اللارادي تحوله إلى خائن لأمانته ولوظيفته ولأسرارالداخل التي يجب أن يحافظ عليها كما كان يفعل أيام شبابه وحيويته ومتانته وصلابته. الباب الذي أصبح مهلهلا غير قادر يشبه الإنسان حين يكون شابا أورجلا قويا عفيا ممتلكا لصحته وقوته وبهاء فكره ومضاء عزيمته وحال شيخوخته يتحول إلى واهن غيرقادرعلى الفعل أو الحركة أو المشي أو القيام بحراكه المعتاد في نهر الحياة.. الباب يمتلك حيويته وبهاء قوته من متانته وشباب عمره الذي امتلك فيه قوة الصنعة وصلد الرد والمنع وعدم السماح للغرباء بالعبور إلى الضفة الأخرى إلا وفقا للأصول المرعية وآليات السماح والمنع وفق مشيئة من يسكنون خلفه في طمأنينة الرضا والقبول بحراسته العظيمة المطمئنة لهم.. ولكنها في حالة بهوته ووهنه وشيخوخته وتفكك أوصاله وأضلاعه ووهن مزاليجه.. يتحول إلى ناطور نائم خائر القوى لا يستطيع صد أو رد مغير أو معتد أو متجسس خبيث، هذه الخيانة التي يمتهنها الباب ارتبطت بقدرته وحولته إلى خائن لأنه كبر وتبدلت
أحواله ومشاغله واكتسب حاله من حال المبنى الذي يسكن بين جنباته فلربما المبنى وهن وترهل وتشقق أيضاًً، فتصبح الخيانة قطرة ارتبطت بطول السنين والعجز عن استكمال رسالته وفق نظرية وفلسفة صناعة الباب التي تهدف إلى الحماية والستروتغليف الداخل بوجاء من السرية وستارعازل لهم من الخدش والاطلاع على خصوصيات أمرنا الله أن تصان وتحمي، حماية للجميع من الجميع. وللباب هنا فلسفة الحماية المطلوبة.. ولكن حين يعجزويخون يتحول إلى متواطئ ومداهن ومرحب بأهل السوء والشر والعادين والغادرين.. للباب حيواته.. وأخلاقه وسماته التي يتميز بها عن غيره من الجمادات أو حتى الأبواب المشابهة.. الباب يصدق ويؤتمن وأحيانا يخون.. من أخلاق الأبواب الحميدة أن باب الدار يدرك كل الأسرارويخفيها.. الباب نلجه آلاف المرات ولا يتذمر.. تنتهك حرمته كل يوم ورغم ذلك يحمينا.. الباب حنون أيضا فإنه لا يمانع في انسراب أرواحنا من أعقابه حين نعيش وحدتنا خلفه.. الباب توءمنا هل تعلم أن الباب يمكن أن يكون شقيقك لأنه من خشب الشجروالشجرنبت الطين ونحن من الطين.. ولكن الباب حين يغدر أو يشيخ فإنه يخون ويفتح للآخرين مسربا غير شرعي للداخل أو يصبح عينا سحرية أو كاميرا لكشف الداخل وأهله والسماح للإطلاع على عوراتهم ويصبح كاشفا لأسرارهم ومخترقا لحيواتهم.. الباب يجب أن نخاف منه أيضا ًً.. فإنه أمان ولكن الحذر مطلوب
للباب حيوات .. وأخلاق يتصف بها.. إنه ليس جماد من خشب أو حديد أو ما شابه.. ومجرد ضلوع صامتة أو كتلة أو مساحة صماء بكماء كما تتخيل.. الباب يبش ويبتسم ويضحك في وجهك أو يكشر ويغضب في وجه من يريد اقتحامه عنوة أو رغما عن آلية حركته ودورانه المعتاد في سياق وظيفته الأبدية.. الباب كلما ضاق به الحال يبكي وتئزمفصلاته ويحدث صري ار مؤلما ًً، معلنا عن حزنه وغضبه وعدم سيولة حركته حينما يتحشرج ويتململ في دورانه حول نفسه مفسحا لك أو منغلقا خلفك. للباب حيوات وحياة عامرة بالمشاعروالحنين والحنان لصاحبه أولأصحاب المكان.. وحين يكون في حالة من عدم الرضا وعدم الاتساق يتحول إلى آلة خطرة على أهل الداخل وجاسوسا على أسرارهم التي أؤتمن عليها أو المفروض أنه أمين عليها في عقد أو اتفاق تأسيسه أو إنشائه أو صناعته حيث يتم عمله ًًا بمواصفات من القوة والمتانة والجمال والفخامة ليكون شاهد أمينا في صمت وحارسا أمينا في قوة وبأس.. وبمواصفات تتسق والمطلوب منه والذي يقع في نطاق وظيفته.. الحراسة.. الأمانة الرعاية لأهل المكان.. حجب الآخرين عن الاطلاع على عورات الداخل ومثالب الداخل وما يحدث في الداخل من سلوك وحركة يجب على أهل الخارج عدم الاطلاع عليها منعا لخدش الحياء ولخصوصية أهل الداخل وما يفعلون، وعدم إطلاع أهل الخارج عن اختراق حجب المنع والستر وعدم زرع أشعة عيونهم البصاصة والرائية التي تحاول العبور إلى عين المكان ومساحته في محاولة لرفع قيود المنع والنظر بشغف وحسد وجسارة خبيثة لاكتشاف ما لا يجب أو معرفة ما لا يريد الداخل أن يبرزه ويكشف عنه لأنها حياة خاصة وأسراروعلاقات وحراك لا يجوز أن تكون مباحة للغرباء أو لمن يجب ألا يرى أو يسمع أو يطلع. الباب القوي الأمين متفق عليه أنه مانع وأنه حاجب وأنه ستر وأنه وجاء.. ولكن من عجيب حيويته ومن أسرار حياته أنه أحيانا يكون خائنا للأمانة عاج از عن القيام بواجباته الأبدية والمطلوبة منه.. منذ سنوات قليلة كان يتم اختراقه.. أي الباب .. بواسطة العين الشريرة البصاصة حين تكتب على ثقب المفتاح لترسل أشعتها الماسحة للداخل بحثا عن عورة أوعن كنزمن الأسرارأوللتأكد من وجود أهل الداخل
عبد الفتاح صبري روائي وناقد مصري
أو أي أحد يعينه في حراك الداخل أو المكان.. أو للتأكد من عدم وجودهم أساسا ًً.. هذا الاختراق المعيب هو خيانة لوظيفة الباب وخيانة لمهامه الموكول بها في عقد وفلسفة تأسيسه وصناعته.. يتحول الباب إذا ومن مجرد ثقب متناهي الصغر لا يسمح بحشرة صغيرة أن تعبر، الذبابة مثلا لا يمكنها أن تمر لأن الطريق غيرمعبد لها .. ولكن يمكن لحزمة من أشعة صغيرة تخرج حين تندس عين بصاصة يتعمد على هذا الثقب الصغير لتتسع عين النظر والرؤية لتكشف مساحة مهولة من داخل المستور والمخبوء ولتتكشف الأسرار والحركة والناس والمتاع والأثاث.. وتتكشف عورات ومخبوءات ٍٍ، وكنوزالطمأنينة تتعب، وسكينة الداخل تذوب حين تسرح أشعة عين بصاصة من ثقب المفتاح ليحيل الباب إلى خائن متهم بعدم مراعاته أصول المهنة وأصول حراسته وأمانه بل ومتواطىء مع لص السكينة، وكاشف العورات يتعمد ويكون شريكه في اقتفاء أسرار الأهل وأخبارهم وأحوالهم ويتحول الباب إلى أداة اختراق.. وإلى مسرب للرائي غير المسموح له أن يكون كاشفا أو كشافا لسمت الداخل المخدوع بطمأنينة كاذبة لم يوفرها الباب كما هو متفق أو معهود عنه.. الباب الخائن لما تيقن صانعه من هذه الخيانة طورصناعته وألغى هذا الثقب ليضيق أكثروأكثر وأصبح مع الحداثة والتطورضيقا ومتحشرجا بمعدنه فلم يعد يسمح للرائي بالنظر أو التلصص بواسطة هذا الثقب الذي كان.. فتحولت عين الرائي إلى تقنيات حديثة تتخطى أمانة الباب، وتتخطى ذكاء الباب، وأصبحت هناك كاميرات وعيون تزرع، وعيون تتنصت رغما عن الباب وحيويته وعجزه أوقدرته..
71
70
2023 ديسمبر 290 / العدد
خيانة الباب
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online