مجلة تُراث عدد 290 - ديسمبر 2023

ارتياد الآفاق

ونظام الحكم في العهد المملوكي الأخير. ويبدي (ليون) دقة في تحري الحقائق والملاحظة، تجعل من مصنفه وثيقة نفيسة، ومرجعا مهمّّاًً. أمضى (ليون) حياته في المغامرة والترحال مُُتوجا ذلك بتأليف هذا الكتاب، ويبدو أن الانتقال من قارة ًًإلى أخرى، ومن دين إلى آخرأثرى تجربته وميزه عن غيره؛ فقد أنجزذلك الكتاب في وقت كانت لغة السيف هي الأعلى صوتا الأندلس البعيدة جغرافيا عن ت ُُم ْْب ُُك ْْت ُُو كانت حاضرة فيها، ولهذا كانت أول تجربة سفر كبير لـ(حسن الوز ََّان)، زارها في السابعة عشرة من عمره، وبالتأكيد فإن زيارته للمدينة، ووصفه لها في مؤلفه قد غيّّرها إلى الأبد، ولكن بعد أن غيرته أولا ًً. أحب الرجل ت ُُم ْْب ُُك ْْت ُُو؛ ويظهر ذلك في وصفه لها؛ ثم نقل حبه إلى الأوروبيين عبركتابه، وقد ظل وصف (ليون) موضع ثقة أوروبية لنحوأكثر من ثلاثة قرون؛ إذ ثبت أن مخطوطه كان معروفاًً، ويستفاد منه م. كوثيقة جغرافية أساسية، لعلماء الخرائط 1529 منذ سنة والجغرافيين، ولا تزال صحة التفاصيل التي عرضها (ليون) تدهشنا، ويعحب المتخصصون من صواب نظرته البحثية مع تكوينه العلمي القديم، المتمتع بروح عصرية، وكان محبا للعلم، وتجرده كبي ارًً، كما كان مولعا بمتابعة الحياة اليومية للنََّاس، تجده متجولا في الأزقة والأسواق، متفرسا في وجوه العامة مراقبا لتصرفاتهم؛ ما انعكس على أسلوبه في التدوين، وما زال كثير مما دوّّنه قبل خمسمئة عام موجودا حت ََّى الآن، لقد انبهر(ليون) بما شاهدته عيناه، فأبدع في رسمه بالكلمات

ع ُُرف فيما بعد باسم (ليون الأفريقي)، واشت ُُهر به، فبعد أس ْْرِِه في جزيرة جربه، قُُدم هدية للبابا الذي أحسن وفادته، وعم ّّده، ومنحه اسميه (جان، وليون)، وهناك تعلم الإيطالية، وألََّف فيها كتابا سماه «وصف أفريقيا» في الجغرافيا؛ استنادا إلى مذكرات باللغة العربية كان يدونها خلال رحلته. (راجع مقدمة باتیست راموزیو). تُُرجم كتاب (وصف أفريقيا) إلى اللاتينية، والإنجليزية، والألمانية، والفرنسية، والهولندية، وأصبح من أكثر كتب الجغرافيا مبيعا وقراءة في أوروبا في القرون التي تلت تأليفه، والغريب أن ََّه لم يترجم إلى اللغة العربية لغة (ليون) الأم إلا بعد نحو خمسة قرون. م عندما عمد 1550 ظهر الكتاب أول مرة في البندقية عام العالِِم (باتیست راموزیو) إلى نشر قصص عن رحلات لم تنشر من قبل تحت عنوان «في الملاحة والرحلات»، وكانت أكثر هذه الرحلات أهمية كتاب «وصف أفريقيا» بقلم (جان م ظهرت الترجمة 1555 ليون)، الملقب بالأفريقي، وفي سنة الفرنسية للكتاب بجهود (تامبورال)، وفي العام التََّالي ترجمه إلى اللاتينية (جان فولريان)، في مدينة آنفرس البلجيكية، م ترجمه إلى الإنجليزية (جون بوري)، ونُُقِِل 1600 وفي سنة م. 1665 «الوصف» إلى اللغة الهولندية عام م ظهرت 1896 م تُُرجم إلى الألمانية، وفي سنة 1805 وفي سنة م أعاد (براون) 1896 طبعة إيطالية حديثة. وفي السنة نفسها

نشره باللغة الإنجليزية معتمدا على طبعة (بوري)، بينما كان يعمل (ش. شيفر) على نشره باللغة الفرنسية في باريس سنتي م. 1898 و 1896 بعد نفاد الطبعة الفرنسية التي نشرها (شيفر) قام الطبيب الفرنسي الجنرال (إيبولار)، الذي أمضى معظم حياته في أقطار المغرب العربي بالعمل باللغة الفرنسية على كتاب الوزََّان مع شروح إضافية، ولكنه توفي قبل نشره، ثم حصل ثلاثة علماء من أصدقائه على المخطوط من أرملته، وطبعوه مع إضافات م ضمن جزءين. وهذه 1956 مهمة في الشروح والتعليقات، سنة النسخة هي التي اعتمد عليها الدكتور عبد الرحمن حميدة أستاذ الجغرافيا في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، بمبادرة من كلية العلوم الاجتماعية بمناسبة انعقاد المؤتمر م، وهكذا عاد 1979 الجغرافي الإسلامي الأول في مطلع سنة الكتاب إلى العربية اللغة التي كتبت بها مسودته الأولى. ًًا اتََّسم أسلوب (ليون الأفريقي) بالخصوبة، فجاء كتابه غزير بالمعلومات، محبوكا بالوصف الدقيق، وقد قس ّّم كتابه إلى تسعة أقسام أو كتب، يحتوي على أوصاف مستفيضة للبلاد الواقعة في شمال أفريقيا ووسطها، ومعالمها، وعوائد أهلها، وخص بلاد المغرب بوصف طويل، وخص مصربقسم خاص، وأفاض في وصف القاهرة، وشوارعها وأبوابها، وعادات أهلها، الأسلوب والسرد

سيرة ليون في رواية م أصدر الكاتب اللبناني (أمين معلوف) رواية 1986 سنة في تاريخية بعنوان (ليون الأفريقي) تسرد سيرة ذاتية تخيلية ببنية تحاكي أدب الرحلة، محكية بلسان بطلها الحسن الوزََّان أو ليون الأفريقي، جاء في مطلعها: «خ ُُتنت أنا الحسن بن محمد الوزان (يوحنا ليون) بيد مُُزين (حلاق)، وعُُمدت بيد أحد البابوات، وأدعى اليوم «الأفريقي»، ولكنني لست من أفريقيا، ولا من أوروبا، ولا من بلاد العرب، وأُُعرف بالغرناطي والفاسي والز ََّياتي أيضا ًً، ولكنني لم أصدر عن أي بلد أو مدينة أو قبيلة، فأنا «ابن السبيل»؛ وطني هو القافلة، وحياتي هي أقل الرحلات توقعاًً، لقد عرِِفت معصماي على التوالي دغدغات الحرير، وإهانات الصُُّوف، ذهب الأمراء، وأغلال العبيد، وأزاحت أصابعي آلاف الحجب، ولوََّنت شفتاي بحمرة الخجل آلاف العذارى، وشهدت عيناي احتضار مدن وفناء إمبراطوريات.. ولسوف تسمع في فمي العربية، والتركية، والقشطالية،

79

78

2023 ديسمبر 290 / العدد

م رحلة إلى «تُُم ْْبُُك ْْتُُو» أسطورة الذ ََّهب وجوهرة الص ََّحراء لـ(جان ليون) الغرناطي، المعروف بــ (ليون الأفريقي)، أو (الحسن الوزان الزياتي) 1526 «وصف أفريقيا»

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online