مجلة تُراث عدد 290 - ديسمبر 2023

ارتياد الآفاق

في البيمارستان (مستشفى ا � المدينة القديمة، يعمل كاتب للمجانين)، هو اليوم سوق للحناء والأدوات المنزلية. يصفه بقوله: هذا البيمارستان به كل ما يحتاج إليه من كتاب وممرضين وحراس وطباخين وغيرهم ممن يهتمون بالمرضى، ويتقاضى كل واحد من هؤلاء المستخدمين أج ار حسباًً. عملت وأنا شاب كاتبا في هذا البيمارستان لعامين حسب ما هومعتاد عند صغار الطلبة، وكانت هذه الوظيفة تدر علي ثلاثة مثاقيل في الشهر». يوجد بفاس مئتا فندق بنيانها في غاية الإتقان، رجال يعيشون أشنع عيشة، فيأتيها بعضهم ا � يأتيها أحيان للس ُُّكر، وبعضهم لإتيان شهوته، ولو لم يلتزم المؤرخ (والكلام للوزََّان) من قول الحق لأغفلت هذا القسم من وصفي، وفضلت الس ُُّكوت عن اللوم الذي تستحقه هذه المدينة. ولما كان يضيق ذرعا بالمدينة وأهلها كانت له وجهة أخرى مفضلة خارج أسوارها، قصرالعب ّّاد، المشيد على جبل شاهق، ويمكن منه مشاهدة فاس والبادية المحيطة بها. وبعدما أنهى دراسته فتحت له علاقاته العائلية أبواب بلطفاس ليتصل بالس ُُّلطان أبي عبد الله محمد الوطاسي الملقب بـ(البرتغالي). بُُعث عمُُّه في رحلات دبلوماسية، وقد اصطحب معه (ليون) الصغير، أدخلته تلك الأسفار وهو شاب إلى عالم المغامرة ليصبح القلم والقرطاس رفيقي دربه الطويل. الوقوع في الأسر (وصف أفريقيا) الذي يصنفه بعضهم في الأهمية تاليا لكتاب

المغربي النشأة، الإيطالي المعيشة، بعد أن جمع الشََّرق بالغرب في زمانه، أفريقيا بأوروبا ولم ينتم إلى الاثنتين، بل ًًا انتمى إلى الطريق، هو رحالة وعالم ولاجئ، حياته كانت جسر بين عالمين، ورحلته هي الضوء الذي أماط اللثام عن دروب ومدن وممالك. وعلى لسانه يقول الراوي: أما أنا فقد بلغت نهاية رحلتي، فلقد أثقل خطوي ونفسي أربعون عاما من المغامرات، ولم يعد لي من رغبة غيرالعيش أياما طويلة وديعة وسط أهلي وعشيرتي، وإلا أن أكون من بين جميع من أُُح ِِب أو ََّل الراحلين، إلى ذلك المثوى الأخير، الذي لا يحس فيه أحد قط بالغربة أمام وجه الخالق. م، واختفى 1527 غادر (ليون الأفريقي) الأرض المسيحية سنة عن الأنظار، ومثل الكثير من الأمور في حياته كانت وفاته محاطة بالكثير من الغموض، كل ما نعرفه بالتأكيد أنه غادر إيطاليا إلى تونس في نهاية العقد الثاني من القرن السادس عشر تاركا لنا رحلته (وصف أفريقيا) التي استعصت على النسيان باحث في أدب الرحلات المراجع: . محمد بن الخوجة، صفحات من تاريخ تونس دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 1 م. 1986 ، 1 . وصف أفريقيا، ليون الأفريقي، ترجمة عبد الرحمن حميدة، جامعة الإمام 2 هـ. 1399 محمد بن سعود م عن دار النشر الباريسية، ترجمة 1986 . رواية ليون الأفريقي، أمين معلوف، 3 م. 1997 دار الفارابي، لبنان

والبربرية، والعبرية، واللاتينية، والعامية الإيطالية؛ لأن جميع اللغات وكل الص ََّلوات ملك يدي، ولكنني لا أنتمي لأي منها، فأنا لله وللتراب، وإليهم راجع في يوم قريب، وستبقى بعدي يا ولدي، وستحمل ذكراي، وستقرأ كتابي، وعندها سترى هذا المشهد، أبوك في زي أهل «نابولي» على متن هذه السفينة التي تعيده إلى الشاطئ الأفريقي، وهو منهمك في الكتابة، وكأنه تاجر يعد لائحة حساباته في نهاية رحلة بحرية طويلة. أليس هذا ما أفعله تقريباًً؟ ماذا ربحت؟ ماذا خسرت؟ ماذا أقول للديََّان الأعظم؟ لقد أقرضني أربعين عاما بددتها في الأسفار، فعشت الحكمة في روما، والصبابة في القاهرة، والغم في فاس، ومازلت أعيش طُُهري وبراءتي في غرناطة. فأول ما نكتشفه عن (ليون) أن ََّه ولد في غ ِِرناطة، ميسور الحال والده قريبا من بلاط بني الأحمر بحكم عمله محتسبا ًً، وفي يناير عام م انهارت غِِرناطة أمام زحف الجيوش الكاثوليكية، وفي 1492 م فرض على المسلمين الديانة الكاثوليكية، أو 1500 عام الطرد. اختارت أسرة (الحسن الوز ََّان) المغادرة على غرار الأسر المسلمة الأرستقراطية، فاس حاضرة المغرب كانت الوجهة؛ حيث كان يعيش عمه المقرََّب من السلطان، واستقروا فيما يعرف بعدوة الأندلسيين، أي: المكان الذي أتت إليه العوائل المسلمة المطرودة من الأندلس، تلق ََّى (ليون) تعليمه الأساسي، وحفظ القرآن، والتحق بجامعة القرويين أقدم الجامعات في العالم. قضى (ليون) سنتين مهمتين من حياته في سوق منعزل داخل

ابن بطوطة، لم يكن ليصل إلى مسامع أوروبا ولا مسامعنا لو لم يقع حدث ضخم سيغيّّر مجرى حياة (الحسن الوزََّان)، حدث انتزعه من حضارته العربية الإسلامية وألقى به في الحضارة الأوروبية، فمع بداية عصرالنهضة كان حوض البحر المتوسط ساحة للصراعات بين قوى العصر؛ كان البابا ليون العاشرفي أوروبا يحاول توحيد ملوك الكاثوليك لمواجهة خطر الإمبراطورية العثمانية الآتي من الشرق، انتقل الصراع بين المسيحية والإسلام إلى البحر المتوسط، ولسوء حظ (ليون الأفريقي) فقد وقع ضحية في الأسر، أثناء عودته بحار من مهمة دبلوماسية كلفه بها سلطان فاس إلى القسطنطينية أسره قرصان يدعى (بيترو بوديفيليا) من فرسان القديس يوحنا، واقتاده إلى روما مرو ار بالجزر التي كان يسيطر عليها الفرسان، عادة ما كانت السجون تعج بالأسرى والعبيد من المسلمين واليهود، بل وحتى من المسيحيين الأرثوذوكس، بعضهم كان يباع في مالطة إلى قادة فرسان القديس يوحنا أو إلى النبلاء، بيد أن الأسرى من ذوي الميزات الخاصة كانوا يرسلون إلى قصور أوروبا عند الأمراء والبابوات. ولهذا فقد قُُدم الحسن للبابا ليون العاشر الذي حمله على اعتناق المسيحية، والبقاء لتدريس العربية في روما وبها دوّّن كتابه الذي بين أيدينا اليوم. الختام هنا ينتهي كتاب (جان) أو (يوحنا ليون) الأندلسي المولد،

81

80

2023 ديسمبر 290 / العدد

م رحلة إلى «تُُم ْْبُُك ْْتُُو» أسطورة الذ ََّهب وجوهرة الص ََّحراء لـ(جان ليون) الغرناطي، المعروف بــ (ليون الأفريقي)، أو (الحسن الوزان الزياتي) 1526 «وصف أفريقيا»

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online