مجلة تُراث عدد 290 - ديسمبر 2023

أدب ونقد

هواجس الموت والغياب في قصص سلمى مطر سيف

كقدرملازم للحياة؛ فلم تنته مآ؟سي بطل سلمى مطرمنه برحيل أبيه وصديقه والبقرة عن عالمه بل تبعتـهم بعدئذ ابنة الجيران الجميلة وأختـه الصغيرة والفتاة التي أحب وكل من كان له علاقة معه لا يسلم من هذا الرحيل حتى كلبه رحل بنباح أخيرولم يبق إلا هو وأمّه وسلسلة الموت بقيت أيضا ولم تنقطع لتشد إليها أصحاب الصلة به الذين انقلبوا عليه وما عادوا يفرّقون بينه وبين الموت، ومن ضمنهم أمّه جاءتـه ذات ليلة وهي ممنطقة بالسواد ترجوه ألا يقتلها كي لا تموت وتبقى وحيدة في القبرفي حين أن أهل القرية وضعوه في قارب ودفعوه إلى البحروهم يقولون له: ارحل عنّا.. وهناك وهوفي حضن الماء يرى بأن البحرهوالموت ويقرّر منازلتـه والإجهاز عليه وعندما ينتبه لنفسه ولا يجد بحوزتـه أي سلاح يرجع إلى القرية لإحضارسلاح أبيه ثم يمغضي إلى قتال البحر ويحمل جثّتـه عائدا فيرى الموت قد امتد حريقه إلى جميع الأهالي ويرى القرية باتت مقبرة كبيرة!.. بهذا الهذيان الطفولي وبأناه المركزية الصغيرة المحمومة المعروفة في علم النفس «بالأيغوسنترية» تنداح الحقيقة في الخيال ويختلط الواقعي باللا واقعي في ذهن بطل القصة الذي ضاق ذرعا باليابسة بعدما اصطاد الموت أحبّاءه وحين انفتح البحر أمامه بالمدى للخلاص والتطهّر مما هو فيه ظلّت أزمتـه المستفحلة بداخله عصية وبقيت الأقوى حتى الماء المخلوق منه كل ءشيء حي بات في شعوره امتدادا لهذا الموت فركب الموجة بعكس التياروراح يخوض حرب طواحين الهواء للانعتاق من معاناتـه المضنية وركبت الكاتبة الموجة معه باتّجاه خالفت فيه رؤية القصة الإماراتية للبحرالذي لم يكن مبعث راحة لبطلها وهو موقف تلتقي به مع ما أوردتـه شيخة الناخي على لسان بطلتـها في مجموعة «الرحيل» حين قالت في ختام قصتـها ما قبل

المفقود لبطلها لأنه متزوّج وهويهمس لصديقه: (زوجتي الأنسية لا تعلم شيئا عن ذلك. لقد وصلت إلى مرحلة من الشك بأنني على ، وفي الوقت الذي يبدو فيه على غير ) 3 ( اتصال مع امرأة أخرى..) ما يرام مع زوجتـه يكشف أنه يعيش بسعادة غامرة مع الجنية ويقول: (أشم رائحتـها عالقة بي وأنفاسها ترعشني وأرى كل ما حولي من خلالها.. لم أذق سعادة مثلما أشعر بها الآن..) بهذا المعنى تصبح المرأة مصدرعذاب في بعدها الواقعي وتكون ملاذ هروب للتعويض في بعدها التخيلي، إنها الهوّة العميقة بين الحلم والواقع الذي تكشف الكاتبة في أعماقه مكنون الماعضي التربوي بعدما حفرت به عميقا من خلال هذيان بطلها المتواصل في باقي قصص المجموعة وبأسباب لا تبدو مختلفة كثيرا عبر سياق القصة الثانية «الصندوق الأسود»، حيث يظهر من بدايتـها أن الخلاف حول المرأة الجديدة الداخلة حياتـه بعد المرأة الأولى وهي هنا أنسية وليست جنية كما في القصة السابقة ولقبها المرأة العذراء تنتـهي الأمور بينها وبينه، وتضع سلمى مطرسيف بذلك بطلها وكأنها تعاقبه لإقدامه على زواج آخر فوق زواجه الأول بالضعف أمام الزوجة الثانية - المرأة العذراء - وبالهزيمة النفسية والخضوع الكلي لأمه ولممارساتـها اللا عقلانية.. وبعد هذا الرصد لشخصياتها التي تعيش هواجس وكوابيس عوالم الجن والسحرفي أول قصتين «الثعبان والصندوق الأسود» اللتين فيهما أصبحت اللا حركة هي المهيمنة على زمن القص جراء هذه الكوابيس التي تعيشها الشخصيات، وتنتقل في قصة «اليقظة الأخيرة» إلى رصد هواجس الموت والغياب جاعلة كل ءشيء يحيط ببطلها يشع بالفراق الأبدي وبالأ؟سى فتخاطبه قائلة: (أثناء الليل فكّرت بالموت. لماذا يموت الناس ويأكلهم التراب؟.. بحثت عن أبيك عند أمّك وكان الفراش خاليا منه، أجابت ببكاء فربطت الموت بالبكاء.. وعندما غرق رفيقك في البحروكنتما معا ربطت الموت بالسمك الذي قضم قلب صديقك.. وعندما ماتت بقرتـهم وكانت ترفس متشنّجة صائحة من زائر الموت ربطت . ) 4 ( الموت بالبقر.. وإذا بكى أحدهم أعلنت عيناك الموت..) هكذا ينفتح السرد الحكائي على مصراعيه أمام الفاجعة وسلسلتـها غير المنتـهية فقبل الموت موت وبعد الموت موت

أحمد حسين حميدان الكاتبة سلمى مطر سيف في مجموعتها القصصية «هاجر» تأتي 1991 الصادرة عن اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات عام متخمة بأسئلة عن كنه الموت ومفعمة بعالم الجن والسحر والأرواح.. لقد شغلت دنيا قصصها بمسائل ما زالت حتى اللحظة بين أخذ ورد في الأوساط الثقافية حتى بطلتها «هاجر» يقول عنها بطل قصة «الثعبان»: (.. جنّية جاءتني وغسلت ما بي من قذارة.. مسّدت روحي بطهارتـها ، قبّلت أصابعها وسمّيتـها . ) 1 ( هاجر..) وهذا يعيد إلى الأذهان «فيروز» بطل مجموعة مريم جمعة فرج وحبيبتـه المفقودة «ياسمينة» التي قال له عنها الشيخ الهاشمي: (ياسمينة، نصفك المفقود في الماء جنّية تقيم مع المردة ، لكن الجنية في قصة «الثعبان» ليست النصف ) 2 ( هناك..)

الأخيرة «الصمت الصاخب»: (مَن يوقف هجوم البحر..؟!) وإذا كانت سلمى سيف قد كشفت عن هجوم بطلها على هذا البحرعبر هذيان محموم، فإن ما أسفرت عنه المعركة لم يغيّرمن الأمرشيئا وما أكّدتـه اليقظة الأخيرة التي جعلتـها الكاتبة عنوانا لقصّتـها لم تفتح العيون إلا على حريق ينذرالقرية بمزيد من الدماروالخراب وجثّة قَدِمت من البحر لتؤكد في النهاية الانضمام مجددا إلى سلسلة الموت دون أن تتمكّن من قطعها فبقيت على رقبة البطل الذي سعى ويسعى للتخلص منها وبقيت معها الأزمة تثقل

83

82

2023 ديسمبر 290 / العدد

هواجس الموت والغياب في قصص سلمى مطر سيف

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online