أدب ونقد
أن تغضيء به جانبا إنسانيا يمنح حيوية وقدرة أكبر على تجسيد الحدث بصورة أكثر إحكاما وأكثر شمولية وموضوعية أيضا وأخص بالذكر هنا شخصية المرأة التي قدّمتـها الكاتبة كقطعة من الديكور العام مكتفية بالإيماء إليها أو بوصف مظهرها الخارجي في أحسن الأحوال مع العلم أن الكاتبات العربيات والقاصات الإماراتيات بصفة عامة تمحورت جل نصوصهن حول المرأة وقضاياها ومعاناتـها وهو ما ابتعدت عنه سلمى مطر سيف في قصصها بشكل قطعي إلى حد لم تظهر فيها ولو بشكل مكثّف دور المرأة في معاناة بطلها - الرجل - ولم تذكرأي ءشيء عن تأثرالأم أو الزوجة بمكابدات هذا الرجل - الزوج والابن - مع أن كلتيهما تعيشان بجانبه وهويهذي معظم الوقت بالموت وعلى ذمّة الطبيب في قصة «حميات وحشة الميراث» أن الرجل مصاب بمرض خطير وحين يتذكّرذلك وهوجالس في المقهى الخالي من الزبائن يهتف بداخله: (إذا ذهبت على ظهر الموت سألقاه حافيا وأهب دمي للديدان الجائعة.. أيّها النادل خذ أوراقي هذه واقرأها على زوجتك واحرقاها وأنتما تبكيان.. وتخاطب الكاتبة بطلها في ختام هذا المقطع قائلة: استرخيت على الكر؟سي الوثيروشرعت تبكي وحدك بكاء مشبعا بتأثير طيفها الذي يتحرّك في ، هذه المشاهد ) 8 ( النافذة مثل فراشة دائخة..) البكائية تتكرر مرارا عبرالمقاطع الأخرى خصوصا بعد انكفاء بطل القصة عن البحر وعجزه عن الاغتسال والتطهر به فاستعاض عن مياه البحر بماء عينيه الباكيتين قائلاً: البكاء ممتع ويجعلنا مثل صفحات صافية.. إنها الرغبة الجامحة للخلاص من أزمة حادة ما زالت تعصف به ماضيا وحاضرا منذ بداية طفولتـه البائسة ومشاهد الموت المتلاحقة برحيل أبيه، وابنة الجيران، والبقرة، وأختـه، وفتاتـه التي أحبها.. والسلسلة مستمرة بلا انقطاع، الأمرالذي يفسّرلعبه بألعاب ابنه الصغيرحين يغفووينام في قصة «حميات عقد الياسمين» فيعيد صلتـه بطفولتـه الراحلة الحزينة
ليصلح شأنه معها وشأنها معه لكن فجيعة الموت وغيابه تظل الغالبة عليه وعلى هذيانه ويبقى مشهد الرحيل الأبدي الأكثر حضورا في «حميات اللوحة» ذلك النص الأخيرالذي بقيت فيه الأنثى موؤدة صامتة كسابق عهدها مع قصص الكاتبة في مجموعتـها «هاجر» التي تركت حتى سطرها الأخير ليختتم عليه بطلها فصول مأساتـه كما ابتدأها من قبل وليعبرعن عطشه لحياة ما زالت تسكن أحلامه رافضا مقولة الطبيب عن مرضه متوسلا ألا ينتـهي فيه البقاء أبدا وهويهذي: (ماذا قلت أيّها الطبيب.. هل سأموت.. اجمعوا الناس في الساحة، احرقوا هذا الطبيب الدجّال أمامهم ليكون عبرة.. دعوني الآن وحدي.. دعوني أبكي.. هل مات .. في كل هذا ) 9 ( الطبيب.. دعوني الآن في مواجهتـه) السياق لا يتحدث بطل القصة إلا مع ذاته ساكنا المكان الذي بقي إلى النهاية شاهدا على انطوائيته تعبيراً ) 10 ( المحمومة التي اعتبرها غاستون باشلار عن العزلة حتى في الخيال ما جعله فاقد الفاعلية والتأثير فيما يجري من أحداث. الأمر الذي أتاح للكاتبة الاستيلاء على سيرورة السرد المفعم بالسلبية والهذيان.. كاتب وأديب من سوريا هوامش ومراجع: . مجموعة قصص «هاجر» لسلمى مطر سيف - صادرة عن 1 م، قصة 1991 اتحاد كتّّاب وأدباء الإمارات - الشارقة عام . 15 الثعبان ص . مجموعة قصص «فيروز» لمريم جمعة فرج - صادرة عن 2 . 9 - قصة فيروز، ص 1988 اتحاد كتّّاب وأدباء الإمارات عام . مجموعة قصص «هاجر» لسلمى مطرسيف - قصة الثعبان 3 . 15 و 14 - ص . 34 و 30 . المرجع السابق - قصة الصندوق الأسود - ص 4 . 65 . المرجع الســابق - قصة حميات اليراعة - ص 5 . أطياف للوجه الواحد - د. نعيم اليافي - اتحاد كتّّاب العرب 6 . 1997 - دمشق عام . مجموعة قصص «هاجر» لسلمى مطر - قصة حميات 7 . 36 اليراعة، وحشة الميراث - ص . المرجع السابق - قصة حميات اليراعة، وحشة الميراث - 8 . 70 و 67 ص . 106 . المرجع السابق - قصة حميات اليراعة، عقد الياسمين - ص 9 . جماليات المكان - غاستون باشلار - المؤسسة الجامعية 10 . 1984 - بيروت
كاهله كصخرة سيزيف التي ما تكاد تصل إلى الأعلى حتى تـهوي إلى أسفل القاع فتعود معاناة النهوض بها سيرتـها الأولى ويواصل بطل سلمى مطر معاناتـه ويخرج من بيتـه ضجرا إلى الشوارع الخالية وقد جفاه النوم تاركا زوجتـه على الفراش غيرمرتج العودة إليها. وحين يرى مقهى تضيئه شمعة يدخل إليه رغم خلوّه من الزبائن وعلى مقربة من إحدى نوافذه يجلس ويغرق بهواجسه وحيدا إلا من وقع أقدام كان ينفذ من جسم الزجاج إلى مسمعه وكذلك خيال امرأة على الشرفة المقابلة وأشياء متناثرة لامرأة أخرى على طاولة مجاورة كل هذه المكوّنات للمشهد الخارجي وظّفتـها الكاتبة وكشفت بها مخبوء أزمة بطلها الداخلية وهمست له من خلالها: (أنت غير راغب للعودة إلى البيت، تريد قضاء الوقت في هذه الزاوية الصامتة.. صحوت على طرق نافذ وقوي لحذاء كان يضرب الأرض كأنه سيدكّها امتزج الصوت مع طعم القهوة ونداوة المطر وروحك المستنفرة ولم تشك أنه صوت جسد أنثوي.. وجدت على الطاولة قبضة زهور عالقة بها رائحة امرأة.. دفعت ناظريك إلى الشرفة المقابلة.. المرأة ملامحها واضحة الآن.. شعر قصير شديد السواد، وجه قمحي وزندان جميلان غير ممتلئين.. ، ) 5 ( إنّها توجّه نظراتـها إليك واقفة مثل تمثال لا يتحرّك..) ضمن إطار هذه اللوحة المأخوذة من قصة «حميات اليراعة» نتلمّس بشكل لا لبس فيه الشقاق الواقع في علاقة بطل القصة مع زوجتـه النائمة في بيت هو هرب منه رغم شوقه العارم للأنثى الكائنة بامرأة أخرى كان يشتم رائحتـها من الزهور المرمية بجانبه على الطاولة وكان يتخيّلها ويجزم بأنها هي من وقع أقدام دقّت
مسامعه دون أن يراها.. إنها امرأة الحلم البعيدة دائما والعالية دائما كامرأة الشرفة التي كانت تلوح من بعيد.. تأتي ولا تأتي فلا تتغير المسافة وتبقى الفجوة على اتّساعها بين المثال والواقع الذي تتراءى من خلاله غيرصورة للشخصية المتجاوزة للمكان .. وإذا كان ) 6 ( المغلق إلى المكان المفتوح عبر التداعي والتذكر الواقع هنا تمثّله الكاتبة بالزوجة وبعلاقتـها المأزومة مع الرجل الزوج فإن الكاتبة لا تقوم بسبر أغوار هذه الزوجة لإبراز ءشيء من معاناتـها كما تفعل بشكل مسهب لبطل قصصها الرجل: الابن والزوج في حين أنها تبقي دواخل الأم والزوجة في العتمة دون تقديم أي إضاءة لما يعتريهما ويعتري علاقتـهما بالرجل الذي احتلّت مكابداتـه المكان الأكبر في قصصها، فهو يقول في المقطع الثاني الذي قدمته بعنوان «وحشة الميراث»: (قذفتني أمي وحيداً، التفت إليها أرجوك ذرّة حنان، لا ءشيء يطلع منها.. يا ، وفي هذا القول إفصاح ) 7 ( الله من يحضنني أنا الوحيد في لعنتي..) عن أزمة واقعة بينه وبين أمّه تضاف إلى أزمتـه مع الزوجة لكن لا نعرف منه ولا من أمّه وزوجتـه أي ءشيء عن أسباب هذه الأزمة وإذا كان هناك ثمة ما يختلف به مع زوجتـه فما هو كنه ذاك الآشيء العظيم الذي يمنع أُمّا من تقديم الحنان لابنها ومن المسلّم به أنها بطبعها وفطرتـها فيّاضة بعطف أمومي يعد سمة منها لا تملك من أمرإيقاف تدفّقه شيئا فما الذي حدث حتى بقي بطل قصة «حميات وحشة الميراث» يواجه لعنتـه وحيداً؟!.. إن اعتماد الكاتبة على مركزية الخطاب القصظصي ومركزية الرصد لشخصية أُحادية أغفل نقاطا في غاية الأهمية كان يمكن
85
84
2023 ديسمبر 290 / العدد
هواجس الموت والغياب في قصص سلمى مطر سيف
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online