ج ُُلََساء التراث
قراءة في كتاب «سمير الض ّّامر» «قصص الأنبياء في التراث الشعبي».. تحليل ثقافي للموروث الديني
الثقافة العربية الإسلامية في عصورها المبكرة، وتحمل عنوان «قصص الأنبياء»، أو تقترب منه، ذكر منها: - « قصص الأنبياء»، و«التيجان في ملوك حمير» وهما لـ «وهب بن منبه». - «المبتدأ في قصص الأنبياء» لـ«محمد بن إسحاق». - «قصص الأنبياء»، المأخوذ من كتاب «الأمم والملوك» لـ «محمد بن جرير الطبري». - «المبتدأ في قصص الأنبياء» لـ «أبي بكر محمد بن عبد الله الكسائي». - «قصص الأنبياء» المسمّّى «عرائس المجالس» لـ «محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسبوري». - «تاريخ الأنبياء» لـ «أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي». - «قصص الأنبياء» لـ «الحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير». السيرة الغيرية للأنبياء هذه الكتب اعتبرها المؤلف، من خلال دراسته، وعبرمقارنات، «نوعا من قصص السيرة الغيرية للأنبياء» عليهم الصلاة والسلام، وذاك على مستوى التنظير، لكنها على المستوى المنهجي بدت له في مناهج مؤلفيها ورواتها مختلفة في طريقة التبويب، وإن كانت قد أخذت بالترتيب التعاقبي في سلسلة مجيء الأنبياء واحدا تلو الآخر، كما تعد من الكتب الأولى التي زخرت بها الأساطير القديمة، ومسائل الأنثروبولوجيا، والعقائد والتاريخ المشتت، التي حاولت هذه الكتب جمعه من دون .) 15 النظر فيما وراءه تأويلا وتفسي ار (ص دراسة الض ّّامر، في كتابه هذا، بعمقها البحثي هي حالة من المجالسة التراثية، التي حضرت فيها كتابات حول قصص الأنبياء، لكن المؤلف لم يقتنع بأهداف مؤلفيها الدينية، حيث ارتأى أن هناك أبعادا أكثر أهمية من طريقة القصص الديني
إن الرواية الشفاهية كما هي في التراث الشعبي مختلفة عن تلك التي روتها كتب التراث، غير أن هذا الأسلوب من التعاطي والرواية لقصص الأنبياء جاء في النصوص المكتوبة أيضا من ، في كتاباتهم عن الرسول صلى ) 6 ( ِين» �ِّ طرف بعض «الإخباير الله عليه وسلم. «لقد صو ََّر بعض الإخباريين محمد صلوات الله وسلامه عليه، على أنه شخص فوق بشري، لدرجة أن المعجزات الحسيََّة قد جرت على يديه، إضافة إلى أنه يحيط بكل علم أرضي أكثر من المتخص ّّصين فيه، حتى إن الناس يتداوون بما عرف عندهم بالطب النبوي، والذي هو عبارة عن أقوال منسوبة إلى الرسول جمعها الناس على شكل كتب تقرأ ، وقد توارثنا ذلك منهم، وهناك ) 7 ( ويتعالج الناس بما فيها» من يوظفه اليوم بطرق مختلفة، وهذا يختلف مع ما جاء من أوصاف للرسول في كتاب الله، حي أنه أكبر من ذلك وأجل ّّ، فهو عبد الله، ورسوله للعالمين، وعلى خلق عظيم، ورؤوف رحيم بالمؤمنين.. إلخ. تساؤلات الخطاب من ناحية أخرى، يرى الض ََّامر أن قصص الأنبياء في التراث ِناعة �ِّ الشعبي، لم تكن قصصا بريئة، بل تدخلت فيها الص الفك يرّّة وحرفة الفنون السردية، وصارت مشتملة على العديد من الأنواع، المعرفية والسردية والأنثربولوجية، التي أسست خطابا مهمّّا مؤث ار في التراث العربي، ولم يكن لها نصيب من الدراسات المعمقة، لذلك اهتم بها من خلال طرح أسئلة كثيرة حول خطاب قصص الأنبياء في التراث الشعبي العربي، ذكر منها الآتي: - هل «قصص الأنبياء» نصوص دينية مقدّّسة؟ أم نصوص بعضها ديني وآخر أنتجه الخيال الش ّّعبي؟ - ما دلالة اجتماع الأمرين، المقدس وغير المقدس، الإلهي والبشري؟ َرت الثقافة والاتجاهات المذهبية في َّث - هل أ صناعة تلك النصوص؟
المنتمون إلى جماعات وفرق شتى موجودة هنا وهناك، وغالبا ما يصحب الاعتقاد بما في قصص الأنبياء بإصدار أحكام، صائبة أو خاطئة، محتمية بقداسة يراها الأتباع. ك ُُتُُب العصور المبكرة هذا النوع من الحديث قد يع ْْني بالأساس عناصر النخبة في حال اهتمامها بالتراث الديني، مثلما يهمُُّها عند بحث ودراسة «قصص الأنبياء» حين يتعلق الأمربالتراث الشعبي، على اعتبار أنها قد تكون مختلفة عن تلك التي جاءت في الكتب، واعتبرت مراجع نعود إليها، خاصة في تفاصيل الأحداث. الإقدام على طرح مزيد من الأفكارحول هذا الموضوع يتطلب ذكر دراسة بعينها تكشف لنا من خلال نتائجها البحثية، ما وصلت إليه من اختلاف أو تطابق، أو حتى مقاربات جمعت بين ما هو تراث شعبي، تطغى عليه الثقافة الشعبية وتحركه، وبين ما هو نصوص مكتوبة، يتم الرجوع إليها، وأحسب أن ، التي حملت ) 3 ( دراسة الباحث الدكتور «سمير الض ََّامر» عنوان: «قصص الأنبياء.. تحليل ثقافي للموروث الإنساني في واحدة من الدراسات المهمة في هذا ) 4 ( الفكر والفن الشعبي» المجال، وذلك لأسباب عدة، نذكربعضا منها على النحو التالي أوّّلاًً: إن الأصل فيها أنها موضوع رسالة دكتوراه حملت عنوان «قصص الأنبياء في التراث العربي» تحليل سيميائي سردي»، ما يعني أنها عمل بحثي تم بإشراف ومناقشة أساتذة . ) 5 ( متخصصين ثانياًً: إن هذه الدراسة، اتََّس ََمََت بجهد بحثي ملحوظ من طرف المؤلف، ظهر في قراءته ودراسته في كتب مرجعيّّة تناولت «قصص الأنبياء»، ومقارنة ما جاء فيها، بالقصص المتداولة في التراث الشعبي حول الأنبياء. ثالثاًً: الدراسة طرحت تساؤلات ذات طابع إشكالي، باعتبارها محفزات لاختيار موضوعها. رابعاًً: خروجها بالعديد من النتائج العلمية، إن على مستوى المنهج أو على مستوى الخطاب. والكتاب ينطلق من دراسة مجموعة من الكتب، التي أنتجتها
خالد عمر بن ققة ننجذب نحو القصص والروايات في حياتنا اليومية عند سماعها، أو مشاهدتها في أعمال فنية، وهي في تسجيلها قبل ذاك وبعده أشد تأثي ارًً، وربما أعمق متعةًً، كونها ترافق عند قراءتها، أو تشهد وتصف، حركة الزمن في تعبيرها عن الفعل، والعلاقات، والمواقف، والمشاعر.. إنها تنوب َا - نحن البشر - مهما تنوعت وتعددت واختلفت ألسنتنا َّن ع وثقافاتنا. تلك هي حالها، ووقْْعُُها، حين تخص البشر عموماًً، لكنها حين تروي قصصا تتعلق بالرسل والأنبياء، فإنها تتحول من المتعة إلى الدرس والعبرة، ومن ثم إلى الاقتداء والاتباع، بما تفرضه المتطلبات الإيمانية الواردة في رسالاتهم، والتي هي من مشكاة واحدة. لهذا وج ََب التفريق عند القراءة، كما هو الأمر عند الدراسة، من القداسة، في حال صدق ا � بينها، كونها تحمل نوع النقل إلينا من الأتباع، وتأتي خاضعة طائعة لأوامر الخالق، ومصحوبة بتجليّّات الاصطفاء، وبين روايات بقيّّة البشر، سواء أكانت واقعية أم غارقة في الخيال، بما في ذلك روايات الخيال العلمي. والبشر في إبداعهم وسماعهم وقراءاتهم لسير وتراجم من المؤثرين في حركة التاريخ وصناعته، خاصة الزعماء والقادة والمصلحين، غير ملزمين باتباعها إلا ما فرضوه هم على أنفسهم أو اختاروه، أو كان نتيجة الانجذاب العاطفي الكلّّي لما رأوا فيه نموذجا صالحا للقيادة، أو نجومية وشهرة يتمنون أن يكون لهم منها نصيب، أو على الأقل ينالون حظ ّّهم من الإعجاب بها. أما بالنسبة إلى قراءتهم قصص الأنبياء والرسل، فإن الأمر مختلف، ذلك لأن موقفهم منها لا يكتفي في الغالب بالتعبير عن الجانب النظري للإيمان فحسب، وإنما «يتعلق بتطبيقات الإيمان بحيث يكون العمل تصديقا لما وقر ، وما يترتب عن هذا من ) 2 ( ، و«بما أتى به الأنبياء» ) 1 ( في القلب» محاسبة للنفس، أو التأثروجدانيا ًً، كثرذلك أو قل ّّ، عند سماع تلك القصص، وما يتبع ذلك من فهم لأتباع الدين والمذاهب؛
المتعارف عليه؛ بمعنى آخر وجد الكاتب أن قصص الأنبياء في التراث الشعبي، تختلف عن قصص الأنبياء التي ورد ذكرها في القرآن. ولا شك أن الدكتور الضامر محق في ذلك، وقد كنََّا ونحن صغاار نستمع للروا ) في بعض المجالس والأسواق العربية، 13 ة( وهم يََرْْوُُون قصص الأنبياء بأسلوب وإخْْبار مختلف عن ذلك الذي قرأناه في الكتب، أي
- كيف يمكن للثقافة التي أنتجت نصوص (قصص الأنبياء) أن تزيحها من القصة ذات البُُعد اللغوي المنغلق على ذاته، لتنفتح على الخطاب بما فيه من محمولات مضمرة تشمل الطقوس والأنساق والرموز؟ - كيف يمكن تصنيف تلك النصوص
99
98
2023 ديسمبر 290 / العدد
قراءة في كتاب «سمير الض ّّامر» «قصص الأنبياء في التراث الشعبي».. تحليل ثقافي للموروث الديني
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online