القرن الإفريقي عمقًا استراتيجيًّا خليجيًّا

ﺎ ً اﻟﻘﺮن اﻹﻓﺮﯾﻘﻲ ﻋﻤﻘ ﺎ ًّ ﺎ ﺧﻠﯿﺠﯿ ًّ اﺳﺘﺮاﺗﯿﺠﯿ

خ ﻋﺠﻤﻲ اﻟﻌﺘﯿﺒﻲ َ و ْ ﺪ َ ﻣ ﺗﺄﻟﯿﻒ: اﻟﺘﺠﺎﻧﻲ ﻋﺒﺪ اﻟﻘﺎدر ﺣﺎﻣﺪ ﺗﻘﺪﯾﻢ :

القرن الإفريقي عمقًا استراتيجيّا خليجيّا

القرن الإفريقي عمقًا استراتيجيّا خليجيّا

تأليف مدوخ عجمي العتيبي

تقديم التجاني عبد القادر حامد

هـ 1443 م - 2021 الطبعة الأولى: ديسمبر/ كانون الأول

ISBN: 978-605-71169-5-6

إن الآراء الواردة في هذا الكتاب لا تعّ بالضرورة عن مركز الجزيرة للدراسات

الدوحة- قطر 4831346 فاكس: ) +974 ( 4930218 - 4930183 - 4930181 هواتف: jcforstudies@aljazeera.net البريد الإلكتروني:

جميع الحقوق محفوظة

يمنع نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب بأية وسيلة تصويرية أو إلكترونية أو ميكانيكية بما في ذلك التسجيل الفوتوغرافي والتسجيل على أشرطة أو أقراص مقروءة أو بأية وسيلة نشر أخرى بما في ذلك حفظ المعلومات، واسترجاعها من دون إذن خطي من الناشر.

التجهيز وتصميم الغلاف: قطاع الإبداع الفني بشبكة الجزيرة الإعلامية

7................................................. تقديم بقلم: التجاني عبد القادر حامد 15.............................................. خريطة القرن الإفريقي والخليج العربي 13.................................................................................... مقدمة المؤلف 15.............................................. خريطة القرن الإفريقي والخليج العربي 17............................................................................................... تمهيد الفصل الأول: المعطيات الثابتة بين القرن الإفريقي 27...................................ّ والخليج العربيّ وفق مبدأ العمق الاستراتيجي 29................................................................... ّ أولً: البعد الجغرافي والتاريخي 40............................................. ّ ثانيًا: البعد الجيوسياسيّ والقتصاديّ والأمني 53......................................................................... ثالثًا: البعد الثقافي واللغوي 57......................................................................................................... خلاصة 59........... الفصل الثاني: الإرادة السياسيّة الخليجيّة تجاه القرن الإفريقي 62................................................... أولً: تجاه حل الصّراعات وتسوية الخلافات 69.................................................................ّ ثانيًا: تجاه تعزيز الأمن الجتماعي 69....................................... ثالثًا: تجاه التفاقيات الستثماريّة والتبادل التجاري 114........................................................................................................ خلاصة الفصل الثالث: التصورات الذهنية لصناع القرار 115.......................... فيالقرن الإفريقي تجاه الإرادة السياسية الخليجيّة 118. ................................................................................ أولً: تجاه قضايا الصراع 126..................... ثانيًا: تجاه العمل الإنساني والتفاقيات الستثماريّة الخليجيّة

ثالثًا: نتائج استطلاع رأي عينة من النخبة الإفريقية 133................................................. تجاه علاقات بلدانهم بدول الخليج العربي 186........................................................................................................ خلاصة الفصل الرابع: كيفية بناء عمق استراتيجيّ خليجي 189............................................................... فيمنطقة القرن الإفريقي 192............................... أولً: الحقائق الجيوستراتيجيّة لمنطقة القرن الإفريقي 194..... ثانيًا: الحقائق المتعلقة بالمعطيات الثابتة، الجغرافيا والتاريخ والحضارة 196............ ثالثًا: الحقائق المتعلقة بالمعطيات أو العناصر المتحركة والمتغيرة 209...................................................................... رابعًا؛ المهددات الستراتيجيّة خامسًا: النموذج التصوّري للعمق الستراتيجيّ الخليجي 211. ....................................................................... فيمنطقة القرن الإفريقي 215.............................................................................................. الخاتمة 217.............................................................................................. المراجع

6

تقديم القرن الإفريقي عمقًا استراتيجيّا خليجيّا بقلم: التجاني عبد القادر حامد يتناول هذا الكتاب مسار العلاقة بين منطقة الخليج والقرن الإفريقي، وإمكانية تفعيــل وتطويــر تلك العلاقة وتحويلها إلى اســتراتيجية بديلة فاعلة. وهو موضوع متعــدد التخصصات، تتقاطع فيه العوامــل الثقافية والموقع الجغرافي مع المصالح الاقتصاديــة والتنافــس الإقليمي والدولي. لم يحظ هذا الموضــوع، على أهميته، بنصيب كبير من البحث فضلاً عن نوع من الاختزالية؛ إذ أن العلاقة بين دول الخليج ودول القرن الإفريقي عادة ما ينظر إليها في ســياق مواجهة الكوارث وقلما تكون مقاربتها في إطار المصالح المشتركة والتعاون الاستراتيجي. ظلت منطقة القرن الإفريقي بؤرة لصراعات ســاخنة لفترة طويلة من الزمان، ولا زالــت فيما يتعلق ببعض الصراعات؛ إما بســبب صــراع القوميات والحروب الأهليــة المتطاولــة وما يترتب عليها مــن خلخلة للبنية الاجتماعية، وإما بســبب الكــوارث الطبيعية التي تدفع الناجين منها إلى الهجرة الجماعية نحو دول الجوار، إما بســبب الموقع الجغرافي الذي تســعى الدول الكبرى وحتى الإقليمية للهيمنة عليه حماية لمصالحها وطرق تجارتها، مما يجعل النخب السياسية الحاكمة ترتبط بالقــوى الخارجيــة أكثر من ارتباطها بشــعوبها في الداخــل الإفريقي أو المحيط الإقليمي. وفى هذا الســياق يرد الســؤال المتكرر: هل تستطيع النخب الحاكمة في القــرن الإفريقي-والحالة هذه- أن تنفك من علاقــة التبعية القديمة للدول الغربية الكبرى، وأن تبرم تحالفات جديدة على المستوى الإقليمي، مع دول الخليج مث ً؟

7

بالمقابــل، هــل يمكن للنخب الحاكمة في دول الخليــج أن تتجه، كنظام إقليمي، نحو القرن الإفريقي، أم أنها ستظل تتحرك كوحدات سياسية متعددة وذات مصالح وأهداف مختلفة ومتناقضة في بعض الأحيان؟ لقد كانت استراتيجية هذه الدول في السابق أن أمنها القومي كل لا يتجزأ، وأن أي تهديد لها في خليج العقبة أو مضيق هرمز أو قناة الســويس هو تهديد لها جميعًا، بل لكل الدول العربية. ولكن الراهن السياسي في منطقة الخليج لا يدل على هذا، إلا أن هناك من الباحثين (ومن بينهم صاحب هذا الكتاب) من يعتقد أن تغيرات كثيرة قد جرت في منطقة الخليج، وأن بعض النخب الحاكمة فيها قد بدأت تبلور رؤية جيوسياســية ترتكز على العلاقات التاريخيــة والصــ ت الحضارية التي تربطها بالقرن الإفريقي. وأن هذه الرؤية تجد تجاوبًا ملموسًا في الجانب الإفريقي، ما لم تحبطه القوى الغربية الكبرى - أو قوى إقليمية مثل إسرائيل - التي لن تتخلى عن منطقة الخليج ولن تدعها تنتهج سياسية نفوذ وتعاون حيال منطقة القرن الإفريقي. يســتند هــذا البحــث على افتــراض رئيس: وهــو أنه يمكــن لمنطقة القرن الإفريقي (جيبوتي وإريتريا وإثيوبيا والسودان والصومال) أن تمثل عمقًا استراتيجيّا مهمًا لمنطقة الخليج العربي؛ ســواء من حيث المعطيات الجيوسياســية والصلات التاريخية والتفاعل الثقافي والحضاري، أو من حيث المصالح المشتركة من حيث الأمن والاســتقرار، أو من حيث الرغبة المتبادلة في الشــراكة التنموية والاستثمار الاقتصادي. ولإثبات هذا الافتراض اســتعان الباحث بمنهج كمي، فوزع الاســتبانة على مجموعات مرجعية من النخب، وأجرى المقابلات مع رموز علمية وسياسية، واستعان بالإحصاء والتقارير الرسمية والوثائق الدولية. على أن المنهج الكمي الذي ســلكه ما كان ليفيد في شــيء لولا أنه قد مهد له بتشــييد إطار نظري ســديد. اســتأنس في تركيب ذلك الإطار برؤية البروفسور . يرى المزروعي أنه من الممكن، بل " الأفرابيا " الراحــل علــى الأمين مزروعي عن من الضروري، أن ينشأ تجمع حضاري جديد بين شبه الجزيرة العربية ودول شرق إفريقيــا. وهو تجمع يرتكز بتقديره على دعائم لغوية وثقافية واجتماعية واقتصادية.

8

الروابط " وتتعزز رؤية المزروعي هذه بدراسات للبروفسير يوسف فضل حسن عن حيث يرى أن البحر الأحمر هو أداة " التاريخية بين الجزيرة العربية والقرن الإفريقي وصل بين المنطقتين، مؤكدًا على أهمية الروابط التاريخية والثقافية والاجتماعية. ثم العمق " نظم الباحث مع هاتين الرؤيتين رؤية ثالثة للدكتور داود أغلو تتعلق بمفهوم وأبعاده النظرية وتطبيقاته العملية. يؤكــد الدكتور أوغلو أن الأبعاد " الاســتراتيجي الحضارية والثقافية والتاريخية والجغرافية والدينية لا تشــكل بالضرورة عبءًا على الدولة، بل أنه من الممكن أن تشكل في مجملها فرصًا استراتيجية حقيقية. واعتمادًا على هذه الرؤى الثلاث تقدم الباحث بصياغة التساؤلات الأساسية في البحث: ما مدى فاعلية الجوار الجغرافي والتواصل الحضاري في تعزيز العلاقة بين المنطقتين؛ وما مدى الفاعلية السياسية لصانع القرار الخليجيين؛ وما طبيعة تصورات القيادات الإفريقية للدور الخليجي في المنطقة؟ وما طبيعة المعوقات التي يمكن أن تعترض هذه العلاقة، وكيف يمكن تفعيل الفرص غير المستغلة؟ يشــكل مثل هذا التأســيس النظري (والذي استغرق بضعًا وثلاثين صفحة من الكتاب)، بتقديري، أكثر فصول البحث أهمية وعمقًا. إذ أن كثيرًا ممن يبحثون في الراهن السياسي يتبعون مناهج كمية يستكثرون فيها من الجداول والأرقام، ولكنهم لا يهتمون بالأطر النظرية والخلفيات الفلســفية التي يستند عليها الفعل الاجتماعي والسياسي. أما في هذا الكتاب فقد حاول الباحث أن يستعين بالمنهج الكمي دون إسراف، وأن يستفيد من المنهج الكيفي دون خلل. احتــوى الكتــاب على أربعة فصول قدم فيها الباحــث وصفًا موضوعيّا لواقع الانفتــاح والتفاعــل بين دول الخليج ودول القرن الإفريقــي، ثم تعرض بقدر من التي تتمثل في توازنات النظام العالمي. أشار إلى " للمهددات الاستراتيجية " الحذر أن أهم تلك المهددات تتمثل في مطامع الدول الرأســمالية الغربية وشــدة تنافسها على منطقة القرن الإفريقي. وكيف أن هذه الدول الغربية ســتعمل على عرقلة أي شــراكات تضر بمصالحها. ومع أن هذه الملاحظة صائبة إلا أنه قد يقال إن منطقة القــرن الإفريقــي لم تعد بقدر الأهمية التــي كانت لها إبان فترة الحرب الباردة، إذ

9

أن موازين القوى الدولية قد تغيرت كثيرًا، لا ســيما بعد ســقوط الاتحاد السوفيتي وبروز أقطاب اقتصادية عالمية جديدة. وســترد في هذا الصدد إشــارة إلى الصين الذي تشــارك فيه عدد من " الحزام والطريق " كلاعب دولي جديد، وإلى مشــروع الــدول، ممــا يجعل دول القــرن الإفريقي لا تتوقع تعاطفًا من الدول الرأســمالية الكبرى فتســرع الخطى شــرقًا نحو الصين التي تتلهف بدورهــا لإيجاد أقدام لها في ســواحل إفريقيا الشــرقية وموانيها. وقد يشــار في هذا الســياق أيضًا إلى أن الفــراغ الــذي تتركه الــدول الكبرى في هذه المنطقة لن يقود إلى اســتقرارها، بل ســيفاقم الصراع الإقليمي. وتوجد أدلة على هذا، منها التوجه الإيراني نحو منطقة والتغلغــل الإماراتي في اليمن، القــرن الإفريقي في إطار صراعها مع الســعودية، والصــراع الإثني فــي إثيوبيا (إقليم التغــراي مث ً)، والنــزاع المتطاول بين مصر وإثيوبيا والســودان حول سد النهضة، مما يعني أن منطقة القرن الإفريقي قد تكون عرضة لمزيد من الصراع الذي لا يترك فرصة مناســبة للاســتثمارات، ســواء من دول الخليج أو غيرها. يضاف إلى كل هذا أن أغلب النخب السياسية الحاكمة في دول القرن الإفريقي يجعلها تقف على أرضية شعبية راسخة تمكنها من " رأســمال اجتماعي " ليس لها البقاء في السلطة لمدة زمنية مناسبة. كما أن مؤسسات الدولة التي يمكن أن يعتمد عليها في تنمية دول المنطقة ما يزال أكثرها يشكو من المحسوبية والفساد وضعف التأهيل. ومــع أن الباحــث يدرك كل هذه العقبات إلا أن أمله لــم ينقطع وتفاؤله لم ينضــب؛ فهو يراهــن على العزيمة والإرادة في الجانــب الخليجي. وقد جره هذا لتحليــل وتوضيح ثلاثة أنماط للفعل الإرادي الخليجي تجاه القرن الإفريقي: نمط يتعلق بفض النزاعات، وآخر يخص بتعزيز الأمن الاجتماعي، وثالث يتعلق بأعمال الإغاثة الإنسانية وإعادة الإعمار. وفى كل هذه المجالات وجد أن دول الخليج قد صارت تعي تمامًا العلاقة بين الأمن والتنمية، وقد بذلت في هذا الصدد مجهودات كبيــرة لا يمكــن إنكارها، إذ ظلت تتقدم بمبــادرات ناجحة في فض النزاعات بين

10

دول المنطقة، ويتضح ذلك جليّا في حالات النزاع بين السودان وتشاد، والسودان وإريتريــا، وجيبوتي وإريتريا، وإيوبيــا وإريتريا. أما في مجال إعادة الإعمار فيمكن الإشــارة إلى مشروعات الكويت في شرق الســودان والصومال، ومشروعات قطر في دارفور والصومال، والمشــروعات الكثيرة التي تنفذها السعودية والإمارات في معظــم أقطار القرن الإفريقــي. ومع ملاحظة أن أطروحة الكاتب تتجه في عمومها نحــو ترجيــح الجانب الإيجابي في العلاقة إلا أنه لــم يتخل عن الموضوعية ولم ينكــر مــا تثبته الأرقام من أن هنــاك ضعفًا ملحوظًا في النمــط الأكثر أهمية وهو نمط التبادل التجاري والتنمية المســتدامة. باســتثناء جيبوتي والسودان، يظل حجم التبــادل التجاري بين دول الخليج ومنطقة القــرن الإفريقي متواضعا، رغم الجوار " المهددات " الجغرافــي والصــ ت التاريخية والثقافية. وهذا يعني أنــه إلى جانب داخلية، ســواء كانت في المجال السياســي أو " محددات " الخارجيــة توجد أيضًا الاقتصــادي أو الاجتماعي. وتبعًا لهــذا فإن الخلاصة التي انتهى إليها هي ضرورة الاعتماد على المشــاريع التنموية التي تقوم على مفهوم المنافع المشتركة، وتسعى لمواجهــة واقع التهميش والفقر الذي تعانيه الشــعوب فــي بلدان القرن الإفريقي، ووضع أســس للتنمية المســتدامة تعكس حقيقة المصالح الحيوية بين دول الخليج ودول القرن الإفريقي. ، ولكن الســرعة 2018 إلى 2001 لقد حصر الباحث دراســته في الفترة من التي تتحرك بها رياح السياسة تفوق سرعة الباحثين. فما أن يفرغ باحث من الكتابة ويضع القلم حتى تدخل في المشهد السياسي متغيرات لم تكن في الحسبان، وتبرز فــي الأفق تيارات لــم تكن بادية للعيان. ولكن ما يحســب لصاحب هذا الكتاب أنه تجنب التعميمات المفرطة في التفاؤل، واســتطاع بحس الباحث الحصيف أن للعمق الاســتراتيجي الخليجي في " نموذجًا تصوريّا " يقدم للقراء (ولصناع القرار) منطقة القرن الإفريقي يمكن أن يصمد أمام التغيرات. يركز هذا النموذج، بتقديره، على شراكة حقيقية، قوامها المصالح الاستراتيجيّة المشتركة، والقضايا ذات المصير المشــترك بين منطقة الخليج العربيّ وبلدان القرن الإفريقي. وتهدف تلك الشــراكة إلى تحقيق الوظائف الأساســية في النظام الإقليميّ، الذي يجمع المنطقتين، وهي

11

التكيــف، والتكامل، والحماية والأمن، وتحقيق الأهداف المشــتركة. إن ميزة هذا الكتاب أنه ينظر إلى الواقع كما هو، ولكنه لا ينظر إلى الواقع وحسب، وإنما يفتح نوافذ جديدة للنظر في المســتقبل. أتمنى أن يجد أذنًا صاغية وعزيمة صادقة ممن بيدهم القرار.

التجاني عبد القادر حامد مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية 2021 سبتمبر 17 جامعة قطر، الدوحة.

12

مقدمة المؤلف

تتميز منطقة القرن الإفريقي بموقع جيوســتراتيجيّ مميّز جعلها موضع اهتمام عديــد القوى الإقليمية والدولية، وقد بــدأت دول الخليج العربية من بعد الحرب ) تهتم بشكل متزايد بتلك المنطقة، وأدرك صانع 1988 - 1980 العراقية- الإيرانية ( القرار في تلك الدول أهمية القرن الإفريقي من منظور اســتراتيجي، لكن يبدو أن انعكاس ذلك الإدراك على أرض الواقع كان ولا يزال ضعيفًا. إلى عرض الحقائق الجيوســتراتيجية والجيواقتصاديّة ( ( ( يهــدف هذا الكتــاب والجيوثقافيّة لمنطقة القرن الإفريقي باعتبارها عمقًا استراتيجيّا خليجيّا، ويحاول أن يجيب على جملة من التساؤلات، منها: إلى أي مدى تشكّل منطقة القرن الإفريقي أحد مكونات العمق الاســتراتيجيّ لمنطقة الخليــج العربيّ؟ وما طبيعة المعطيات الثابتة التي تميز منطقتي الخليج والقرن الإفريقي فتجعل كّ منهما عمقًا استراتيجيا للآخر؟ وما أفضل الســبل لبناء عمق اســتراتيجيّ خليجيّ في القرن الإفريقي وفق منطق الشراكات الاستراتيجيّة؟ ينطلق الكتاب من فرضية مؤداها أنّ العمق الاستراتيجيّ للسياسة الدوليّة ترتكز في النظام العالميّ الجديد بالأساس على علاقة تكاملية تعكس المصالح المشتركة بين الأطراف المعنية في رســم العلاقات الاســتراتيجيّة بغرض مواجهة التحدّيات السياســيّة والاقتصاديّة والأمنيّة المشــتركة، ومن ثمّ فإن الكتاب يحاول الربط بين ( أصل هذا الكتاب أطروحة دكتوراه ناقشها الباحث بجامعة الخرطوم في جمهورية السودان، سنة ( ( م. 2020

13

الأمن والاســتقرار في منطقة القرن الإفريقي من جهة وبين الأمن والاســتقرار في منطقة الخليج العربيّ من جهة ثانية. وترجــع أهميــة الكتاب انطلاقًا مما هو حقيقي وقائــم من المعطيات الثابتة التــي تؤهل القــرن الإفريقي ليكون بالفعل عمقًا اســتراتيجيّا خليجيّا مثل: الجوار الجغرافــي، والتواصــل التاريخيّ، والتفاعل الحضاريّ والثقافيّ، وأيضًا على ما هو قائــم وملموس من عناصر متغيرة أو متحركة، مثل الإرادة السياســيّة الخليجيّة في تفاعلها مع القضايا الحيوية بمنطقة القرن الإفريقي، وتصوّر الذهنية الاســتراتيجيّة للنخب في القرن الإفريقي تجاه الفعل الإراديّ الخليجيّ، وكذلك من خلال إبراز نقاط القوة التي تتميز بها منطقة القرن الإفريقي، باعتبارها فرصًا اســتراتيجيّة يمكن أن تسهم في بناء العمق الاستراتيجيّ الخليجيّ. والمرجــو مــن وراء هذا الكتاب أن يكون ســببًا في تفعيــل مبدأ المقاربات الاســتراتيجيّة طويلة الأمد بين الخليج العربيّ ومنطقة القرن الإفريقي، خاصة وأن جُلّ الدّراســات الســابقة التي تناولت هذا الموضوع لم تتعامل مع الإقليميْن على أساس العمل المشترك لمواجهة تحدّيات النظام العالميّ الجديد.

14

خريطة القرن الإفريقي والخليج العربي

المصدر: إعداد مركز الجزيرة للدراسات

15

تمهيد

قبل البدء في معالجة موضوع القرن الإفريقي كعمق استراتيجي خليجي يجمل بنــا أن نوضح بعــض المصطلحات والمفاهيم الواردة التي سنســتخدمها في ثنايا هذا الكتاب. ســمي الخليج العربيّ بمســميات عديدة عبر التاريخ، فأُطلق ؛ّ الخليج العربي عليه: الخليج الفارســي، والبحر الأدنى، والبحر المر، وأرض الله، وأرض البحر، وخليــج البصرة، وخليج القطيف، وخليج البحريــن، وخليج عُمان. ويقع الخليج ) درجة شما ً، ويعتبر قوة جيوستراتيجية كبيرة 31 و 16 العربيّ بين دائرتي عرض ( كونه أحد العناصر الرئيسة في التوازن الاستراتيجيّ الدوليّ منذ سنين طويلة. ويعــد الخليج العربيّ حاليًا من الخلجان الدوليّة، أي جزءًا من أعالي البحار، وتكون للسفن حرية المرور فيه فيما عدا الجزء الذي يخضع للاختصاص الإقليمي . ( ( ( للدول السّاحلية المطلة عليه كم من شــط 990 هو ذراع بحر العرب، ويمتد مســافة والخليــج العربيّ؛ العــرب (مصب نهري دجلة والفرات) في الشــمال الغربي إلــى منفذيه، مضيق ) 340 ) كم و( 55 هرمز وخليج عمان في الجنوب الشرقي، ويتراوح عرضه بين ( ، ويقع في جنوب غرب إيران، شــرق شبه 2 ) كم 239.600( كم، وتبلغ مســاحته الجزيــرة العربيّة في الغــرب. وتوجد داخل مياهه الغربية جزيرة البحرين، وتحده إيران في الشــمال والشــرق، والإمارات العربيّة في الجنــوب، والمملكة العربيّة أمن الخليج العربيّ تطوره وإشكالياته من منظور العلاقات الإقليميّة ( العجمي، ظافر محمد، ( ( . 46 م)،ص 2006 ، (سلسلة أطروحات الدكتوراه، مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت، والدوليّة

17

الســعوديّة وقطر من الغرب، والكويت والعراق من الشمال الغربي. وتنتج الدول المطلــة على الخليج أكثر من ربــع إنتاج العالم من البترول، كما يوجد بالمنطقة . ( ( ( ثلثا احتياطي العالم من النفط ؛ هو الرأس البارز من اليابســة الذي يشــق الماء إلى شطرين: القرن الإفريقي وهما البحر الأحمر، الذي يشــكل الشــطر الشــمالي له، والمحيط الهندي الذي . ( ( ( يشــكل الشــطر الجنوبي، ويبدو هذا الجزء الظاهر من اليابسة على شكل قرن ويقصد الجغرافيون والأنثروبولوجيون بالقرن الإفريقي أساسًا الأراضي التي يسكنها . أما المنظمات ( ( ( الصوماليّون، وإن تعددت أوطانهم في الصومال أو إثيوبيا أو كينيا الدوليّة والإقليميّة والسياســيّة فتقصد بالقرن الإفريقــي الصومال وإثيوبيا وإرتيريا وجيبوتي، كوحدات سياســيّة قائمة تشــكل رقعة اســتراتيجيّة على خريطة القارة ، ونحن في هذه الدراســة نقصد بالقــرن الإفريقي كّ من: الصومال، ( ( ( الإفريقيــة وإثيوبيا، وإرتيريا، وجيبوتي، والسّودان. ؛ وضع عدد من الباحثين تعريفات عدّة للاســتراتيجيّة، وهي في الاســتراتيجيّة يقتصر في تعريفه على الجانب العسكريّ، الأول؛ مجملها انقســمت إلى اتجاهين: ؛ فقد توســع ليتضمن كل القدرات التي يمكن اســتغلالها. وقد الثاني أما الاتجاه ظهر هذا الاتجاه عندما تبين أن هناك قوى فاعلة أخرى غير القوة العسكريّة، وهي . ( ( ( السياسة والاقتصاد والمجتمع ، (مكتبة الآداب، القاهرة، الموسوعة في المصطلحات السياسيّة والبرلمانية ( عتريس، محمد، ( ( . 265 ،ص 2 م)، ط 2014 م)، 1983 ، (دار العلوم، القاهرة، الجغرافيّة السياسيّة للقرن الإفريقي ( هويدي، محمد توفيق، ( ( . 22 ص م)، 1978 ، 54 ، (العدد السياسة الدوليّة ، " صراعات القرن الإفريقي " ( عبد الرحمن، حمدي، ( ( . 8 ص ، (الطوبجي للطباعة والنشر، القاهرة، وثائق عن الصومال والحبشة وإرتيريا ( ماح، أحمد برخت، ( ( . 65 م)،ص 1992 مجلة ، " اقتصاديّات الأمن الوطني: مدخل إلى المفاهيم والموضوعات " ( الشهراني، سعد علي، ( ( . 25 م)،ص 2003 ، 4 ، (العدد جامعة الملك سعود

18

مــن تعريفات الاتجاه الأول الشــهيرة، تعريف الجنرال البروســي كارل فون فن اســتخدام " )، الذي عرّف الاســتراتيجيّة بأنها Carl Von Clausewitz كلاوزفيتــز ( المعــارك، كوســيلة للوصول إلى هــدف الحرب؛ فالاســتراتيجيّة تضع مخططات الحرب، والتطور المتوقع للمعارك الحربية، كما أنها تحدد الاشتباكات التي ستقع ) بقوله Helmuth von Moltke . ويعرفها الجنرال هيلموت فون مولتكه ( " في كل معركة . ( ( ( " إنها مطابقة الأهداف مع الإمكانات المتيسرة " أمــا تعريفات الاتجاه الثاني، فمن أشــهرها تعريف الجنرال الهندي المعاصر )، الذي تناول المفهوم الواسع للاستراتيجيّة، واعتبرها D. K. Palit ميجور د. ك بالت ( فن تعبئة وتوجيه موارد الأمة أو مجموعة من الأمم، لدعم وحماية مصالحها من " . وهي بهذا الشكل المبسط تعد أفضل من سابقاتها " أعدائها الفعليين أو المحتملين لأنها تقوم على توزيع للإمكانات المتاحة بغرض اســتخدامها الاســتخدام الأمثل، . ( ( ( لتحقيق الهدف أو الأهداف المرجوة أنه ورد في بعض تعريفات مفهوم التفكير الاستراتيجيّ؛ التفكير الاستراتيجيّ؛ ما يشير إلى توافر القدرات والمهارات الضرورية لقيام الفرد بالتصرفات الاستراتيجيّة البيئيــة المختلفة، والقيام بإجراء التنبؤات المســتقبلية الدقيقــة، مع إمكانية صياغة الاســتراتيجيّات واتخاذ القرارات المتكيفة في ظروف التطبيق والقدرة على كســب معظم المواقف التنافسية، بالإضافة إلى إدراك الأبعاد الحرجة والمحورية في حياة . ( ( ( المنظمة والاستفادة من مواردها النادرة ّ، (المركز الدوليّ للدراسات الأمن الإقليميّ بين الأمن الوطني والأمن العالمي ( علوي، مصطفى، ( ( . 11 م)،ص 2005 المستقبلية الاستراتيجيّة، بيروت، ، ترجمة مصطفى الجمل، (الهيئة المصرية العامة للتأليف أصول المعرفة العسكرية ( بالت، د. ك، ( ( . 91 م)،ص 1971 والنشر، القاهرة، ، (المجموعة العربيّة مقومات التخطيط والتفكير الاستراتيجيّ المميز ( أبو النصر، مدحت محمد، ( ( . 58 م)،ص 2009 للتدريب والنشر، القاهرة،

19

)، التفكير الاستراتيجيّ على أنه عملية Craig Loehle وأيضًا يُعرّف كرايج لوهيل ( أو (تقنية كلية) للتفكير بشــأن حل مشــكلات معقدة أو تحقيق غرض منظومي، أو التوصل إلى حلول جديدة في المجالات التي تتطلب الجدية في مســائل أساســية وقد استفادت دراستنا من هذا التعريف . ( ( ( للدولة كالسياسة الخارجيّة والأمن القومي لأنه يعتمد على مبدأ وضع الحلول للمعضلات والمشــاكل التي تواجه السياســة الخارجيّة والأمن القومي، وهو ما ســنطبقه حين الحديث عن العقبات التي تواجه تعزيز التعاون الاستراتيجي بين منطقتي الخليج العربي والقرن الإفريقي. في الأدبيات العسكريّة ؛ّ العمق الاستراتيجي يُعرّف مفهوم العمق الاستراتيجيّ؛ على أنه رقعة من الأرض تكون كافية لامتصاص الضربة الأولى الموجهة من القوة . ( ( ( المعادية دون أن يكون لها تأثير مباشر على مركز الدولة وقد عرّف المعجم العســكريّ العمق الاســتراتيجيّ: بأنه التحركات العسكريّة . ( ( ( داخل وخارج حدود الدولة ويــرى بعض الخبــراء الاســتراتيجيّين أن العمق الاســتراتيجيّ والجرأة هي أهم ســمات التخطيط الاســتراتيجيّ، وقد لازمت هــذه الصفة معظم المخططات . ( ( ( الاستراتيجيّة لأصحاب المصالح الدوليّة ؛ من تعريفات مفهوم البيئة الاستراتيجيّة؛ أنها كل ما يحيط البيئة الاســتراتيجيّة بالكائن الحي من عوامل ومكونات حيوية يؤثر فيها المكان ويتأثر بها. ّ، (منشورات الاستراتيجيّا، التفكير والتخطيط الاستراتيجي ( حسين، خليل، وعبيد، حسين، ( ( . 34 م)،ص 2013 الحلبي، بيروت، ، 37 ، (مج الدفاع ، " أهمية العمق الاستراتيجيّ في الحروب الحديثة " ( العمري، سعد ظافر، ( ( . 40 م)،ص 1998 ، 111 ع . 834 م)،ص 2011 ّ، (مكتبة لبنان، بيروت، المعجم العسكري ( عشماوي، محمد عادل، ( ( ، (مطابع السّودان للعملة المحدودة، الخرطوم، مسألة الاستراتيجيّة ( جبريل، محمد نعمة الله، ( ( . 279 م)،ص 2012

20

م مفهوم البيئة إطارًا واسعًا بحيث أصبحت 1972 وقد أعطى مؤتمر إستوكهولم تدل على أكثر من مجرد عناصر طبيعية مثل الماء والهواء والتربة والمعادن ومصادر الطاقة والنباتات والحيوانات... بل هي رصيد الموارد المادية والاجتماعيّة المتاحة . ( ( ( في وقت ومكان معينين لإشباع حاجات الإنسان وتطلعاته وعُرّفت البيئة على أنها أيضًا كل ما يحيط بالإنسان، فالبيئة الطبيعية هي الماء والهواء والأرض وما عليها وما في باطنها معًا، والبيئة المبنية هي المسكن ومكان العمل والطريق وما إلى ذلك. والإنســان جزء لا يتجزأ من البيئة التي يعيش فيها وعلى خيرات ما تستطيع أن تقدمه له ولا يعيش خارجًا عنها، ولكل فرد الحق في أن يعيش حياة ملائمة في بيئة تتفق مع الكرامة الإنســانيّة، وعليه مســؤولية مقابلة والبيئة هي أيضًا مجموعة القوى . ( ( ( في أن يحمي البيئة ويحســنها لنفســه وذريته والعوامل والظروف الخارجيّة التي تؤثر بدرجة ما على الاســتراتيجيّات والقرارات . ( ( ( والإجراءات التي يتخذها التنظيم بينما جاءت تعريفات البيئة الاستراتيجيّة؛ بأنها البيئة الشاملة وتتضمن البيئات الثلاث المحلية (الوطنية) والإقليميّة والعالميّة، وتأخذ بعين الاعتبار العوامل المؤثرة وقد ورد مفهوم البيئة الاســتراتيجيّة في هذا . ( ( ( في الماضي والحاضر والمســتقبل الكتاب باعتباره يحدد العوامل والظروف الخارجيّة التي تؤثر على الاســتراتيجيّات المستقبلية. ، (سلسلة محاضرات، مركز التطور التدريجي لمفاوضات البيئة الدوليّة ( ويت، مارك جيد، ( ( . 4 م)،ص 2003 الإمارات للدراسات الاستراتيجيّة، أبوظبي، . 35 ،ص مسألة الاستراتيجيّة ( جبريل، ( ( ، (مطابع السّودان للعملة المحدودة، الخرطوم، الإدارة الاستراتيجيّة ( المقلي، عمر عثمان، ( ( . 54 م)،ص 2009 ، (رسالة دكتوراه)، م 2030 - 1960 التخطيط الاستراتيجيّ: تجربة كوريا ( جبريل، محمد نعمة، ( ( . 17 م)،ص 2008 جامعة الزعيم الأزهري، كلية العلوم السياسيّة والاستراتيجيّة، الخرطوم،

21

نرى أن هنالك بعض المصطلحات والمفاهيم المســاعدة التي وردت كذلك في الكتاب، مثل مفهوم الفرص؛ ولهذا المصطلح مفاهيم متعددة ذلك تبعًا للمجال تجمّع لعدد من الظروف المواتية لإحداث " الذي يستخدم فيه، إلا أنه وبصورة عامة بأنه مجموعة . ومثل مفهوم التحدّيات الذي يُعرّف ( ( ( " تحسّــن في الأحوال القائمة الظــروف والمــوارد والإمكانيات التي تحتاجها الإدارة أو تضطر للتعامل معها، في . ( ( ( حين لا تستطيع السيطرة عليها أو التأثير فيها بشكل مباشر وسريع النظريات السياسية المؤطّرة لفهم العلاقة بين القرن الإفريقي والخليج العربي ثمة مقاربات نظرية عديدة في حقل دراسات النظرية السياسية لفهم العلاقات بين القرن الإفريقي والخليج العربي من منظور استراتيجي، من ذلك: - النظرية الواقعية 1 تقوم نظرية الواقعية على مبدأ دراســة عامــل القوة والحروب والنزاعات في فهم ســلوكيات الدول كعوامل مؤثرة في علاقاتها مع بعضها البعض؛ فعلى ســبيل المثال تعتبر الواقعية الكلاسيكية أن هدف كل الدول هو البحث عن القوة وتعتبرها المحرك الأساسي للسلوك الخارجيّ للدول. ويعتمد هذا الاتجاه على مبدأ التكافؤ والتشــابه في السياســات الخارجيّة لبعض الدول المتقاربة أو المتشابهة من حيث مكانتها في النظام الدوليّ رغم التباين في المكونات الداخليّة لهذه الدول. ومن هذه النقطة تظهر الواقعية الكلاسيكية مبدأ المصلحة، وفكرة القوة. ولهذا يرى أصحاب هذا الاتجاه أن المجتمع الدوليّ والعلاقات الدوليّة في صراع مستمر نحو زيادة قوة الدولة واستغلالها بما تمليه مصالحها واستراتيجيّاتها، بغض النظر عن التأثير الذي تلحقــه بمصالح الدول الأخرى. ويقول أصحاب هذا الاتجاه إن المصلحة القومية م)، 1985 ّ، (دار الفكر العربيّ، القاهرة، الإدارة والتخطيط الاستراتيجي ( خطاب، عايدة سيد، ( ( . 92 ص . 87 ( المرجع السّابق،ص ( (

22

للدولة هي الهدف المستمر لسياساتها. حيث انتقد هذا الاتجاه من بعض الباحثين في مجال العلاقات الدوليّة. ونتيجة لهذه الانتقادات ظهرت الواقعية الجديدة، وإن أبقت على المفاهيم الأساسية للواقعية الكلاسيكية كدور الدولة وأهمية ميزان القوى والمصلحة القومية، إلا أنها انفتحت على حقول العلوم الاجتماعيّة الأخرى. وإعادة الصــراع بيــن الدول إلى طبيعة النظام الدولــيّ الفوضوية وليس للدول كما أكّدت الواقعية الكلاسيكية. ويقول أصحاب هذا الاتجاه إن الدول موجودة في نظام دولي تغيب فيه حكومة عالميّة، مما أدى إلى لجوئها إلى كافة الوســائل التي تمكنها من الحصول على زيادة قوتها للدفاع من أجل البقاء بســبب عدم وجود قواعد منظمة للعلاقات بين الدول. وأخيرًا تنظر الواقعية الجديدة لسلوك الدول من منظور النظام . ( ( ( الدوليّ كمفتاح لفهم سلوك الدول في بناء علاقاتها الخارجيّة مع الدول الأخرى - النظرية البنائية 2 تعتمــد النظريــة البنائية في تفســيرها للعلاقات الدوليّة علــى أهمية الأفكار فــي تحديــد طبيعة الواقع وصياغته ومدى تأثير ممارســات الفاعلين فيه من خلال تقديمهــم للأفكار والقيم، وترى البنائية أن التغير البنيوي أو الثقافيّ، يحدث عندما تقوم الفواعل بإعادة تعريفها لنفسها؛ من هم وماذا يريدون، فالتغيرات في السياسة الخارجيّــة تحدث مــع التغيرات في وضعية ومكانــة ودور الدولة. وتعتبر النظرية البنائية، أن الدولة هي الوحدات الأساســية للتحليل، والبنيات الاجتماعيّة هي من . ( (( تشكل الهويات ومصالح الدول في بناء علاقاتها الخارجيّة في العلاقات الدوليّة . النظرية الليبرالية 3 تقــوم فلســفة النظريــة الليبرالية في مفهوم العلاقــات الدوليّة على عنصري القيــم والأخــ ق، كما يأمل أصحاب هذا الاتجاه في بناء علاقات دوليّة يســودها ، ترجمة ديما الخضرا، )المركز نظرية العلاقات الدوليّة: التخصص والتنوع ( ليبو، ريتشارد ند ( ( . 177 - 174 م)،صص 2016 العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، ، (ديوان المطبوعات الجامعية، الاتجاهات النظرية في تحليل العلاقات الدوليّة ( مصباح، عامر، ( ( . 115 م)،ص 2019 الجزائر،

23

الســلم والعدل. ومن أهم أفكار وتصوّرات النظرية الليبرالية، عند تفاعلات الدول فــي النظــام الدوليّ، لا بُدّ من تطبيق الديمقراطية واحترام حقوق الإنســان وأهمية الأخلاق في ترشــيد السياســة الداخليّة والسياسة الخارجيّة للدول. إذًا جوهر هذه النظرية مبدأ السّلام. ويؤكد أصحاب هذا الاتجاه أنه يمكن أن تطبق أفكار النظرية الليبرالية من خلال الليبرالية الجمهورية للدول والليبرالية التجاريّة التي تســهم في . ( (( تحقيق التعاون وتحقيق السلم الدوليّ، والليبرالية النفعية، والليبرالية المؤسساتية وقد استخدمنا في هذا الكتاب تلك النظرية أثناء مقاربتنا للقرن الإفريقي كعمق استراتيجي للخليج العربي، لأنها تقدم مبدأ تبادل المصالح والمنافع المشتركة على ما عداه، كما أنها تتميز بمقارباتها النظرية للأمن الجماعي، بحيث لا يقتصر الأمن على البُعد العســكريّ بل يتجاوزه إلى أبعاد أخرى، وهي في المجمل نظرية تنظر للعلاقات الدوليّة باعتبارها فرصة للتعاون وتبادل المنافع والمصالح على المستويات الاقتصاديّة والسياسيّة والاستراتيجيّة. - مبدأ العمق الاستراتيجي 4 ينطلــق مبدأ العمق الاســتراتيجي من قناعة مفادها أن بالإمكام الشــروع في علاقــات دوليّة تنطوي على أبعاد حضاريّــة، وثقافيّة، وتاريخيّة، وجغرافيّة، ودينيّة، لا تشــكل عبءًا على الدولة، وإنما تشــكل في مجملها فرصًا كي تقوم بدور فعال ، وأن ( (( ليــس فقط في النظــام الإقليميّ المحيط بها، وإنما في النظام العالميّ أيضًا أمام الدول فرصة تاريخيّة في تحسين علاقاتها الدوليّة والمضي قدمًا في الاستقرار . ( (( الإقليميّ والدوليّ الراهن، خاصة بعد زوال مناخ الاســتقطاب الذي كان ســائدًا ، العلاقات الدوليّة: دراسة تحليل في الأصول والنشأة والتاريخ والنظريات ( العقابي، علي عودة، ( ( . 98 م)،ص 2010 (دار الحكمة للنشر، بغداد، ، بتاريخ موقع إسلام أون لاين نت ، " أحمد داؤود أوغلو.. وليسكسنجر " ( غانم، إبراهيم البيومي، ( ( م): 2016 يناير/كانون الثاني 10 م، (تاريخ الدخول: 2009 مايو/ أيار 6 http://www.islamolin.net/servlet ، 95 ، (العدد الدّراسات الفلسطينية ، " شرعية جديدة أو حرب باردة إقليميّة " ( أوغلو، أحمد داؤود، ( ( . 26 م)،ص 2013

24

ولهذا نرى أن مبدأ العمق الاستراتيجيّ يمكن أن يصبح العنصر المساعد والمفسر للنظرية الليبرالية عند الشــروع في بناء مشــروع العمق الاســتراتيجيّ الخليجيّ في القــرن الإفريقي، كما يمكــن أن يصبح نموذجًا تطبيقيّا للعمــل في بناء العلاقات الدوليّــة لأنــه يتقاطع مع رؤيتنا التي تقر حل المشــاكل بغرض بناء علاقات دوليّة جيدة مع ما يســتلزمه ذلك من نشــر ثقافة الأمن والسّلام لتنظيم العلاقات الدوليّة بين الدول في النظام العالميّ، وهو ما يتماشى أيضًا والنظرية الليبرالية التي تقر مبدأ الإعلاء من ثقافة الأمن والسّلام في بناء العلاقات الدوليّة. وقد اعتمد هذا الكتاب في مقاربته النظرية للقرن الإفريقي كعمق استراتيجي على مبدأ العمق الاستراتيجي عند أحمد داود أوغلو إضافة إلى أخذه بالأساليب الحديثة في التحليل الاستراتيجي والاســتفادة من إسهام مفكرين آخرين من بينهم علي الأمين مزروعي كما سيتضح في ثنايا الكتاب.

25

الفصل الأول

ّالمعطيات الثابتة بين القرن الإفريقي والخليج العربيّ وفق مبدأ العمق الاستراتيجي

27

تعدّ دراسة تفاعل الأبعاد الجغرافيّة والتاريخيّة والحضاريّة بين الخليج العربيّ، ومنطقــة القــرن الإفريقي بمثابــة اختبار لفرضية المعطيات الثابتــة في مبدأ العمق الاستراتيجيّ التي نادى بها أحمد داوود أوغلو، وإمكانية توظيف الجغرافيا والتاريخ والحضارة، باعتبارها معطيات ثابتة، في بناء العمق الاستراتيجيّ الخليجيّ في القرن الإفريقــي، وبناءً على ذلك يغطي الفصل ثلاثة محــاور: الأبعاد التاريخيّة والأبعاد الجغرافيّة وأثرها على سير العلاقات السياسيّة والحضاريّة والاقتصاديّة بين الطرفين، والأهمية الجيوستراتيجية للمنطقة وتأثيراتها على تطورات سير الأحداث في القرن الإفريقي، وأهمية تفعيل التواصل الحضاريّ والثقافيّ المتبادل بين الجانبين. أو ً: البعد الجغرافيّ والتاريخي تسهم دراسة المقاربات التاريخيّة والجغرافيّة في فهم وتفسير تعقيدات العلاقات الدوليّة في النظام العالميّ، وبمعنى آخر لا يمكن فهم وتفسير سير العلاقات الدوليّة ومعالجتها من دون اللجوء إلى النواحي الجغرافيّة والتاريخيّة والحضاريّة والاقتصاديّة بين المناطق المختلفة، التي تساعد على تفسير الأحداث السياسيّة. ولهذا تأتي أهمية دراسة المقاربات التاريخيّة للأبعاد الجغرافيّة لإقليم القرن الإفريقي، بغرض التعرف على تأثيراتها في بناء العلاقات السياسيّة والاقتصاديّة والحضاريّة بين الطرفين. ومن خلال دراســة هذا التفاعل الذي فرضتــه الجغرافيا والتاريخ في بناء العلاقات بين الخليــج العربــيّ ومنطقة القرن الإفريقي، يمكن أن تتضح لنا الفرص ونقاط القوة، التي تتمتع بها منطقة القرن الإفريقي، بالنسبة لدول الخليج العربيّ. أســهمت العوامل الجغرافيّة والتاريخيّة في تشــكيل وبناء العلاقات السياسيّة والاقتصاديّــة والحضاريّة بين الخليــج العربيّ وبلدان القرن الإفريقي المختلفة منذ القــدم، وتؤثــر هذه العوامل في كثير من الأحيان بصورة مباشــرة في تســيير هذه العلاقات إيجابًا أو ســلبًا. ويبدو أن هذا التفاعل الجغرافي بدأ كما قلنا منذ أزمنة بعيــدة بحكــم الجوار الجغرافي، على البحر الأحمر، وازداد بعد ظهور البترول في

29

. ولذلك تتميز منطقتا القرن الإفريقي والخليج العربيّ بموقع ( (( دول الخليج العربيّة جيوسياسيّ فريد يضفي عليهما نوعًا من التعقيد على العلاقات الإقليميّة والدوليّة، ، وفضً عن ذلك تتميز ( (( باعتبارهما حلقة وصل استراتيجيّة لكثير من الطرق المائية منطقة القرن الإفريقي بموقع جيوسياسيّ جعل منها ساحة خلفية للجنوب العربيّ، ومدخله وامتداده الطبيعي في شرق إفريقيا ووسطها، وأيضًا أصبحت لاعبًا أساسيّا في التجارة العالميّة لتحكمها في أهم الموارد الخليجيّة بإطلالتها المميزة على المحيط الهندي والبحر الأحمر عبر مضيق باب المندب كممر مائي للملاحة التجاريّة وفي مقدمتها النفط؛ مما أكسب القرن الإفريقي أهمية جغرافيّة خاصة تتجاوز في أبعادها . وأسهم الجوار الجغرافي بين المنطقتين في انتقال ( ((ّ ما هو إقليميّ إلى ما هو دولي المؤثرات العربيّة من قبل الإســ م وبعده إلى أواســط القارة ودواخلها عبر ساحل إفريقيا الشرقي، مما أسهم في توثيق الروابط الاقتصاديّة بين البلدان العربيّة وشعوب شرق إفريقيا. وتظهر هذه الآثار العربيّة بصورة واضحة نوعًا ما في ساحل الزنج أو . ( (( زنجبار والتي كانت على صلة تجاريّة بالبلدان العربيّة نتيجة لقدم التواصل بين ســكان شــبه الجزيرة العربيّة وساحل إفريقيا، يرى بعــض الباحثين أن إفريقيا وشــبه جزيرة العرب كانتا رقعــة جغرافيّة واحدة حتى انفلقت قشــرة الأرض مكونة البحر الأحمــر الذي فصل بينهما. وعلى الرّغم من وعــورة مســالك البحر الأحمــر فإنها لم تقف حائً دون التواصل البشــري بين ســاحليه. كما أن قدرًا كبيرًا من ذلك التواصل كان متيســرًا عن طريق مضيق باب المندب وشــبه جزيرة سيناء، وكانت ســواحل المحيط الهندي، العربيّة والإفريقية ، (العدد الرابع، جامعة قطر ، " القرن الإفريقي التاريخ والجيوبوليتيك " ( عثمان، عبد الرزاق علي، ( ( . 390 م)،ص 1992 ، 4 المجلد ، 57 ، (العدد السياسة الدوليّة ، " البحر الأحمر في الاستراتيجيّة الدوليّة " ( محمود، محمد توفيق، ( ( . 24 م)،ص 1979 ، القاهرة، 15 السنة ، " القرن الإفريقي وشرق إفريقيا: الواقع والمستقبل " ( بغدادي، عبد السّلام والأصبحي، أحمد، ( ( . 116 م)،ص 2010 ، 50 ، (العدد دراساتشرق أوسطية ، عبد الملك عودة، العرب وإفريقيا ، " العرب وإفريقيا وقضايا الأمن المشترك " ( هويدي، أمين، ( ( . 585 م)،ص 1984 يوسف فضل وآخرون (محررون)، (مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت،

30

وربما من العوامل التي يســرت ذلك . ( (( تمثــل نقاط تواصل مهمــة بين الجانبين التواصــل عبر المحيط الهندي ظاهرة الرياح الموســمية التي ربطت بين ســاحل إفريقيا الشــرقي وأجزاء من آســيا، ولا سيما سواحل الخليج وجنوب اليمن؛ فقوة الرياح الموسمية تهب من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي في فترة زمنية معينة، ثم ينعكس مســارها في فترة زمنية لاحقة من نفس العام، حيث اســتفاد الملاحون العرب من هذه الظاهرة في وقت يتعذر تحديده بدقة، لكن المؤكد أنها أدت إلى ترك أثرًا بيّنًا في التكوين البشري والثقافيّ لساحل ( (( حراك سكاني ونزوح موسمي . ( (( إفريقيا الشرقي منذ بداية التقويم الميلادي وفــي التواصل التاريخــيّ والحضاريّ بين منطقتي القــرن الإفريقي والخليج العربيّ، ترشح معظم المصادر التاريخيّة، أن العلاقة بين القرن الإفريقي وشبه جزيرة العرب قديمة وثرّة، وترجع إلى أكثر من ألفي عام. ولتشــعب هذه العلاقة وطول حقبها، نكتفي برصد أهم تلك الروابط، وأبرز تفاعلاتها البشــريّة على مســتوياتها المختلفــة منهــا الاجتماعيّة والثقافيّة والاقتصاديّة منذ فجر التاريخ، ويتضمن ذلك: الهجرات البشــريّة بين الجانبين، والعلاقات التجاريّة المتبادلة، والمؤثرات الدينيّة، . ( (( والأطماع الاستعمارية، والعلائق التجاريّة الرأسمالية الحديثة شــهدت العصور الأولى من فجر التاريخ هجرات بشــريّة متبادلة بين منطقة الخليج العربيّ، ومناطق القرن الإفريقي المختلفة، حيث تحركت شــعوب وبطون عربيّة من قلب شبه الجزيرة العربيّة في اتجاهات مختلفة ومن بينها القارة الإفريقية، ، (المنظمة العربيّة للتربية العلاقة بين الثقافة العربيّة والثقافات الإفريقية حسن، يوسف فضل، ( ( ( . 33 م)،ص 1985 والثقافة والعلوم، تونس، ، (دار جامعة الخرطوم دراسات في تاريخ السّودان وإفريقيا وبلاد العرب ( حسن، يوسف فضل، ( ( . 187 ،ص 3 م)، ج 1980 للطباعة والنشر، الخرطوم، ، ترجمة يوسف كمال، (دار العلوم وثائق تاريخيّة وجغرافيّة عن إفريقية الشرقية جيسيور، جيان، ( ( ( . 66 ،ص 1 م)، ج 1972 للنشر والتوزيع، القاهرة، بعض ملامح الروابط التاريخيّة بين الجزيرة العربيّة والقرن الإفريقي منذ " ( حسن، يوسف فضل، ( ( . 37 ، مرجع سابق،ص العرب والقرن الإفريقي، جدلية الجوار والانتماء ، (في) " فجر التاريخ

31

فلم يكن البحر الأحمر يمثل عقبة أمام هذا الاتصال، وكانت بلاد اليمن بصفة خاصة مصدرًا لهجرات عديدة أثرت تأثيرًا بالغًا في الهضبة الحبشية وأعالي النيل الأزرق، وإرتيريا وســواحل السّــودان الشرقية، وكانت المؤثرات الســامية تتدفق من الجزء ونظرًا . ( (( الجنوبي لجزيرة العرب، وذلك لبراعة ســكان هــذه المنطقة في الملاحة للتقارب الجغرافي بين شبه الجزيرة العربيّة وساحل إفريقيا الشرقي، وبالإضافة إلى أهمية البحر الأحمر بالنسبة للعرب لنقل بضائعهم التجاريّة إلى ساحل إفريقيا؛ نجد أن الأرض الإفريقية أصبحت محط أنظار الهجرات العربيّة، إما بهدف الاســتقرار . وفي ( (( على السّاحل الشرقي لإفريقيا أو بغرض التجارة في منطقة القرن الإفريقي مقابل تلك الهجرات العربيّة، أشــارت المصــادر التاريخيّة إلى أن هنالك هجرات إفريقية من مناطق القرن الإفريقي اتجهت صوب مناطق شبه الجزيرة العربيّة وبلاد اليمــن، عبر الحقب التاريخيّة المختلفة. وأشــارت هذه المصادر إلى أن الأحباش هــم المجموعات الإفريقية الأولى التي هاجرت واســتقرت في المناطق المختلفة لشــبه الجزيــرة العربيّة بصورة عامة، وفي مكّــة على وجه التحديد. وذكرت بعض المصــادر أن قبيلــة الأحابيش بعد أن تزايدت أعدادهــا في الجنوب العربيّ، بفعل عملهــم في حراســة القوافل التجاريّة التي تنقــل المحاصيل الإفريقية إلى الجزيرة العربيّــة وبالعكــس دخلت في تحالفات مع بعض المجموعات العربيّة، وبسياســة عقــد التحالف والمعاهدات أصبحت قبيلة الأحابيش من اللاعبين الأساســيين في . ونتجت عن هذا ( (( تســيير مجــرى الأحداث التاريخيّة في المنطقة العربيّــة عمومًا التأثيــر المتبادل بين المناطق السّــاحلية لدى الجانبين عدة حوادث تاريخيّة جديرة بالوقــوف عندهــا، باعتبارها نماذج تاريخيّة مهمة يمكن أن نســتفيد منها في تقوية ، (المنظمة العلاقات الإفريقية العربيّة: دراسة تحليلية في أبعادها المختلفة ( عيسى، محمود خيري، ( ( . 2 م)،ص 1977 العربيّة للتربية والثقافة، القاهرة، ، (جامعة السلطان م 1964 - 1890 سلطنة زنجبار في شرق إفريقيا ( محمد، صالح محروس، ( ( . 28 م)،ص 2016 قابوس دائرة النشر العلمي والتواصل، مسقط، ، (في) أحمد المبارك " الجذور التاريخيّة للعلاقات بين العرب والأفارقة " ( خلف، محمد أحمد، ( ( ، مركز دراسات الوحدة 45ّ ، (سلسلة كتب المستقبل العربي العربوالدائرة الإفريقية وآخرون (محرر)، . 14 - 12 م)،صص 2005 العربيّة، بيروت،

32

وتطويــر العلاقــات الخليجيّة بدول القرن الإفريقي في المســتقبل. ومن بين تلك الحــوادث: حادثــة احتــكام القبائل العربيّة في الجاهلية إلى حكام الحبشــة لفض النزاعــات التي تدور بينهم. وفي ذلــك أورد ابن حبيب رواية تقول: حدث صراع شديد بين بني هاشم وبني أمية من قبيلة قريش، ثم اتفقوا بعد أن طال الصراع على الاحتكام إلى أحد ملوك ذلك الزمان فكان اختيارهم أن يذهبوا إلى أرض الحبشة ليحتكموا على أيدي ملكها، فكان أن قام بالصلح بينهم بعد أن طلبوا منه أن يحسم . وأيضًا حادثة هجرة المســلمين إلى الحبشــة، بعد أن اشتد إيذاء ( (( الخلاف بينهم قريش للســابقين إلى الإســ م من صحابة رسول الله؛ وأن الرسول صلى الله عليه لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن " وسلم أذن لهم في الهجرة إلى بلاد الحبشة قائ . وأيضًا تأتي ( (( " بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه حادثــة معونة الأخوّة في الدين والجــوار، وفي هذه الحادثة التاريخيّة طلب حكام وشيوخ مقديشو ورؤساء القبائل فيها النجدة من سلطان عُمان، صاحب أقوى بحرية في مياه البحار الشرقية يطلبون منه حق الإسلام والجوار، وذلك عند تزايد الخطر والضغط البرتغالي على مقديشو، فكانت استجابة سلطان عُمان سريعة وحاسمة في . ( (( انتصار القبائل الإفريقية على البرتغاليين في مقديشو نتجــت عن هذا التواصل التاريخيّ بيــن مناطق الخليج العربيّ ومنطقة القرن الإفريقي عمومًا عدة نقاط قوة تســهم بصورة إيجابية في تمتين الروابط والعلاقات المشــتركة بين الجانبين. ومن بين أهم نقاط القوة تلك: التلاحم العربيّ الإفريقي فــي مناطق التماس السّــاحلية بيــن المنطقتين العربيّة والإفريقية. وأشــارت بعض المصــادر التاريخيّة إلى قوة هذا التلاحــم العربيّ الإفريقي، الذي نتج في الفترات التاريخيّة المختلفة. وأكّدت على وجود ظاهرة التزاوج العربيّ الإفريقي والاختلاط ، تحقيق خورشيد أحمد فاروق، (دار بيروت كتاب المنمق في أخبار قريش ( حبيب، محمد بن، ( ( . 32 م)،ص 1985 للطباعة والنشر، بيروت، . 121 ،ص 1 ، تحقيق مصطفى السقا وآخرين، (د. ن، د. ت)، ج السيرة النبوية ( ابن هشام، ( ( . 489 م)،ص 1950 ، (دار المعارف للنشر، القاهرة، تاريخ الصومال ( أحمد، حمدي السيد، ( (

33

بين الشــعوب الناطقة . وأيضًا التداخل والتشــابه اللّغوي ( (( والامتزاج العرقي بينهم باللغات الحامية أو الكوشية والشعوب الناطقة باللغات السامية (كالعرب والأمهرة . ورجّح بعض المؤرخين أن هاتين المجموعتين عاشــتا في موضع ( (( والتيجــراي) . وبفعل هذا التداخل والتشــابه اللّغوي ( (( واحد، أو ربما تنتميان إلى شــعب واحد بيــن المناطــق العربيّة والإفريقية في القرن الإفريقي، ظهر ما اصطلح عليه في علم اللّغويّات، اللغات الآفروآســيويّة، وهــو المصطلح الذي يطلق على جميع اللغات التي تشمل اللغات: العربيّة والبيجاويّة والأمهريّة ولغة الأورومو والبربر والمصريّة وأخيرًا نتج عن هذا التفاعل التاريخيّ تواصل حضاري ديني بين مناطق . ( (( القديمة ( (( شبه الجزيرة العربيّة ومناطق القرن الإفريقي المختلفة، وتؤكد المصادر التاريخيّة أن المؤثــرات الحضاريّة والدينيّة بكتبها الســماويّة الثلاثة (اليهوديّة، والمســيحيّة، والإسلام)، انتقلت إلى المناطق المختلفة في القرن الإفريقي، وأسهمت في تشكيل ملامح الهُويّة الحضاريّة والدينيّة لشــعوب ومجتمعات القرن الإفريقي؛ ودرجة هذا . وعمومًا فقد أثرت الديانة الإســ ميّة بدرجة ( (( التأثير مختلفة من ديانة إلى أخرى كبيرة في تشكيل الملامح والهُويّة الحضاريّة والدينيّة لبلدان القرن الإفريقي الحالية ، (وزارة التراث القومي والثقافة، الوجود العُماني في شرق إفريقيا ( العدوي، ناصر بن حميد، ( ( . 12 م)،ص 2001 مسقط، م)، 2005 ، 311 ّ، (العدد المستقبل العربي ، " العلاقات العربيّة الإفريقية " ( المبارك، أحمد، ( ( . 113 ص ، (الجمعية الإسلام والممالك الإسلاميّة بالحبشة في العصور الوسطى ( طرخان، إبراهيم علي، ( ( . 5 م)،ص 1959 المصرية للكتاب، القاهرة، م)، 2005 ، (دار جامعة القاهرة للنشر، القاهرة، العلاقات الثقافيّة العربيّة فليفل، السيد، ( ( ( . 18 - 2 صص م)، 1938 ، 3 ، (المجلد مجلة جامعة القاهرة ، " البداية والنهاية في التاريخ " ( أبو الفداء، عماد الدين، ( ( . 52 ص ، ترجمة مختار سويفي، (الهيئة المصرية للكتاب، أطلس التاريخ الإفريقي ( فوي، كولين مالي، ( ( ، الإسلام والمسيحية في شرق إفريقيا . ومحمود، عبد الرحمن حسن، 100 م)، ص 1987 القاهرة، . 163 - 145 ،صص 69 - 53 م)،صص 2011 (مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت،

34

. وزاد الإسلام من وشائج التواصل بين ( (( التي تمتلك نسبة كبيرة جدّا من المسلمين العــرب ومناطــق القرن الإفريقي، ودخلت العلاقة في طور التفاعل المباشــر، بعد . وأدى ( (( أن اتخذ المســلمون من القارة الإفريقية أرضية لنشــر التعاليم الإســ ميّة هــذا التأثير الإســ ميّ إلى حالة فريدة من حــالات التفاعل العربيّ الإفريقي على الصعيد الحضاريّ والدينيّ، فقد أدى ذلك إلى حدوث تحول عميق في المجتمعات . ( (( الإفريقية المتأثرة بالدين الإسلاميّ والثقافة العربيّة وعليه يمكن الاستفادة من التفاعل الجغرافيّ والتاريخيّ لبناء علاقات سياسيّة استراتيجيّة متينة، تقوم على تبادل المنافع والمصالح المشتركة بين الجانبين، بشرط أن تتوفر الإرادة السياسيّة الخليجيّة والذهنية الاستراتيجيّة الجادة لدى صانعي القرار والنخــب السياســيّة في بلدان القرن الإفريقي. وفي ظل الأوضــاع الدوليّة الراهنة بــدأت تظهــر الكثير من الأطروحات التي تنادي بضــرورة تطوير العلاقات العربيّة الإفريقيــة في ظل النظام العالميّ الجديد وأبرزهــا أطروحة الأفرابيا التي يرى من ، على ســبيل المثــال، ضرورة قيام تجمع حضاري ( (( خلالها علي الأمين مزروعي جديد بين الشــعوب العربيّة والإفريقية، ويقول إن هذا التجمع يجب أن يقوم على الروابط المشــتركة بين البلدان العربيّة والإفريقية، مثل: الروابط الجغرافيّة والدينيّة واللّغويّة والاجتماعيّة والتاريخيّة وغيرها من الروابط؛ وأطلق على هذا التجمع اسم سلطنة عمان وإفريقيا الشرقية: وثائق تاريخيّة وجغرافيّة جيال، الأميرال الفرنسي المسيو جيال، ( ( ( . 72 م)،ص 2015 ، ترجمة، الأمير يوسف كمال باشا، (دار الفضيلة للنشر والتوزيع، القاهرة، وتجاريّة ، (الدار العربيّة للموسوعات، هـ 487 - 301 مكّة وعلاقاتها الخارجيّة ( الزيلعي، أحمد عمر، ( ( . 45 م)،ص 1981 بيروت، ، ترجمة محمد أمين عبد الله، (وزارة التراث عُمان وشرقي إفريقيا ( المعمري، أحمد حمود، ( ( . 48 ،ص 3 م)، ط 2016 والثقافة، مسقط، م)، أكاديمي ومفكر كيني الجنسية من أصول عربيّة، له 2014 - 1933 ( مزروعي، علي الأمين ( ( ( العديد من البحوثوالدّراسات التي تدعم تطوير العلاقات الإفريقية العربيّة، عمل بالتدريسفي جامعة نيروبي، وأستاذًا زائرًا بعدد من الجامعات العالميّة.

35

. ونرى أن رؤية مزروعي في نظرته للعلاقات العربيّة الإفريقية يمكن أن ( (( الأفرابيــا تمثل أساسًــا متينًا لعلاقات استراتيجيّة بين القرن الإفريقي ومنطقة الخليج العربيّ. خاصة أن إســهامات مزروعي قد تتوافق مع المعطيات الثابتة (الجغرافيّة، التاريخ، والعوامــل الاجتماعيّــة) في مبدأ العمق الاســتراتيجيّ، في بنــاء العلاقات العربيّة الإفريقية في المستقبل. تؤكد الشواهد التاريخيّة والسياسيّة أن عامل الموقع الجغرافي ذو أهمية بالغة ، وعلى الرّغم من اتسام ( (( في دراسة الأقاليم المختلفة وعلاقاتها السياسيّة فيما بينها الموقع الجغرافي للأقاليم السياسيّة بالثبات النسبي إلا أننا نجد قيمته الاستراتيجيّة في تغير. وعليه يمكن أن تتغير الأهمية الاستراتيجيّة للموقع الجغرافي بمرور الزمن والتقــدم العلمي والتكنولوجي. ويشــير الموقع الجغرافي إلى الاســتخدام العلمي لكافة أشــكال القوة المتاحة فيما يحقق أهدافها، ولهذا يعتبر الموقع أحد العوامل المهمــة التــي تؤثر في الجغرافيا السياســيّة للدولة، لتأثيره علــى اتجاهات الدولة . واتكاءً على ما تم ذكره، يُلاحظ أن هنالك تشابهًا ( (( وسياستها وسكانها واقتصادها بين أطروحته في بناء عمق اســتراتيجيّ خليجيّ في منطقة القرن الإفريقي، ورؤية الأفرابيــا للعلاقات العربيّة الإفريقية. وأن الروابط والمرتكزات التي اعتمدت عليها الأفرابيا يمكن أن تكون هي المدخل التطبيقي الأساســي لتحقيق العمق الخليجي فــي منطقة القــرن الإفريقي. ويظهر ذلك من خلال إســهامات مزروعي في رؤيته للعلاقات الإفريقية-العربيّة، التي يرى فيها بضرورة قيام تجمع حضاريّ جديد بين دول السّــاحل الإفريقي مع دول شــبه الجريرة العربيّة، عبر الاســتفادة من الركائز المشتركة بين دول هذا التجمع الحضاريّ الجديد. سواءً كانت هذه الركائز جغرافيّة أو تاريخيّة أو لغويّة أو دينيّة أو اجتماعيّة وثقافيّة. (1) Mazrui, Ali. The Africans: A Triple Heritage , (Little Brown and Company, London, 1986), p.25. . 29 م)،ص 1984 ، (دار النهضة، القاهرة، أصول الجغرافيّة السياسيّة ( محمود، أمين عبد الله، ( ( ، (مديرية دار الكتب للطباعة والنشر، الجغرافيّة السياسيّة وأسسوتطبيقات ( السماك، محمد أزهر، ( ( . 27 م)،ص 1988 الموصل،

36

ونحاول فهم هــذه المقاربات التاريخيّة للأبعاد الجغرافيّة بين القرن الإفريقي ودول الخليج العربيّ، بالاســتناد إلى إسهام الأفرابيا في تناولها لموضوع العلاقات العربيّــة الإفريقيــة. ونأمل أن نقدم قراءة تحليليّة لكتابات المفكر علي مزروعي في موضــوع العلاقات العربيّة الإفريقية بصفة عامــة، وبالتطبيق على العلاقات ما بين القــرن الإفريقــي ودول الخليج العربيّ بصفة خاصة. وتجدر الإشــارة هنا إلى أن الدّراســة لا تســعى إلى قراءة كتابات المفكر علي المزروعي قراءة تتبعيّة شــارحة أو تفصيليّــة، وإنما غاية الأمر تناول نموذجه في العلاقات العربيّة الإفريقية، ومدى إمكانيــة تطبيق أفكاره لتفعيــل علاقات منطقة القرن الإفريقي بدول الخليج العربي في المستقبل المنظور. تقوم نظرة علي مزروعي في العلاقات العربيّة الإفريقية على الضرورة الماسة إلــى قيام تجمع حضاريّ جديد بين شــبه الجزيرة العربيّــة والدول الإفريقية؛ وأن ثمة ركائز أساســية مشــتركة لهذا التجمع الحضاريّ الجديد الذي أطلق عليه اسم الأفرابيــا. ومن بين أهم هــذه الركائز: ركائز دينيّة ولغويّــة، واقتصاديّة واجتماعيّة . وبهذا يؤكد علي مزروعي على أن هنالك العديد من الروابط ( (( وثقافيّة وحضاريّة المشتركة بين الأفارقة والعرب؛ ويمكن أن تمثل هذه الروابط ركائز أساسية لإقامة علاقات أعمق بينهما. على الصعيد اللّغويّ، مث ً، يرى أن الروابط اللّغويّة بين إفريقيا والعرب أقدم من الروابط الدينيّة الإســ ميّة؛ وذلك أن كّ من اللّغة العربيّة واللّغة الأمهريّة لغة ســامية، حتى أن المؤرخين منقسمون حول ما إذا كانت اللغات الساميّة قد ظهرت أوً في إفريقيا ثم عبرت البحر الأحمر، أم أنها نشأت في الجزيرة العربيّة وانتقلت إلــى إفريقيــا في مرحلة لاحقة. كما أن اللّغة العربيّة مازالت هي اللّغة التي يتحدث بهــا أكبر عدد من ســكان القارة الإفريقية، فضً عن ذلــك تأثيرها في العديد من ، ترجمة صبحي قنصوة وآخرين، قضايا فكرية: إفريقيا والإسلام والغرب ( مزروعي، علي الأمين، ( ( . 139 م)،ص 1998 ، القاهرة، 4 (مركز دراسات المستقبل الإفريقي، سلسلة دراسات إفريقية

37

اللغات المحليّة في إفريقيا وبخاصة اللّغة السواحليّة في شرق إفريقيا، والهوسا في . ( (( غرب القارة وعلى الصعيد الدينيّ يؤكد علي مزروعي على حقيقة أن الإســ م في إفريقيا قديم قدمه في الجزيرة العربيّة تقريبًا. استنادًا على واقعة هجرة المسلمين الأولى إلى الحبشة طلبًا للملجأ والملاذ من بطش أهل مكّة، ويعلل ذلك بما أظهرته الحفريات الأثرية في شرق إفريقيا من آثار لمساجد ترجع إلى العقود الأولى للإسلام، ويؤكد أيضًا على نسبة تفوّق أعداد المسلمين في القارة الإفريقية. ويقول تكاد تكون أول . ( (( قارة في العالم يشكّل المسلمون الغالبية المطلقة من عدد سكانها وعلى الصعيد الديمغرافيّ أكّد مزروعي على أن المنطقة شــهدت العديد من الهجرات والتحركات السّكانية بين إفريقيا والجزيرة العربيّة خلال القرون الماضية، حيث تشــير الأدلة والشواهد إلى وجود مســتوطنات عربيّة على السّاحل الإفريقي الشــرقي قبل ميلاد النبي محمد صلى الله عليه وســلم. كما يرى أن وجود شخص مثل سيدنا بلال الحبشي في مكّة قبل البعثة النبوية، دليل آخر على حقيقة الوجود الإفريقي في مكّة والمدينة قبل الإســ م. وفضً عن ذلك يقول علي مزروعي إن التواصل العربيّ الإفريقي أسفر من خلال تلك الهجرات عن خلق مجتمعات إثنية . "ّ كالجماعات الكوشــيّة ومثال لها الشــعب الصومالي " جديدة في القارة الإفريقية ويــرى أنّ الإمارات التي قامت في اليمن وســلطنة عُمان قــد لعبت دورًا جوهريّا في هذا الشــأن. وبفعل ذلك أصبحت ســلطنة عُمان ذات أهمية مركزية في التاريخ . ( (( الحديث للتراث السواحليّ في شرق إفريقيا ومــن الناحيــة الجيولوجيّة التاريخيّة يذهب علــي مزروعي إلى أن التعريف بأنها تمتد من المحيط الأطلنطي غربًا حتى البحر الأحمر " الجغرافــيّ لقارة إفريقيا شــرقًا، ومن المحيط الأطلنطي جنوبًا حتى البحر الأبيض المتوســط شماً إضافة

(1) Mazrui. The Africans A Triple Heritage , p.25.

. 144 ،ص قضايا فكرية ( مزروعي، ( ( . 146 - 145 ،صص قضايا فكرية ( مزروعي، ( (

38

ويقول بالرّغم من كثرة إلى الجزر الواقعة في المياه المحيطة بالقارة شــرقًا وغربًا. الحديث عن زيف حدود الدول الإفريقية المعاصرة، فلم يهتم أحد من المتخصصين والباحثيــن بمــدى زيف حدود القارة الإفريقية نفســها. وتعجب من قبول الجميع بتلــك القيــود الجيولوجيّة، الممثلة في البحر الأحمر كحــد طبيعي وملائم لتعيين أين تنتهي الحدود الشمالية الشرقية للقارة رغم ضخامة الأدلة البيئيّة والثقافيّة التي . وبذلك يرفض مزروعي الاعتراف بهذا القيد الجغرافيّ الذي يفصل ( (( تثبت العكس بين الجانبين العربيّ والإفريقي، ويرى أن منطقة شــبه الجزيرة العربيّة انفصلت عن القارة الأم (إفريقيا) بسبب حفر قناة السويس كفعل ماديّ لخدمة المصالح الأوروبيّة . ( (( وتجارتها مع العالم وطبقًــا لهــذا الفهم، ووفقًا لمزروعي، تتخذ الأفرابيا مرتكزات أساســية لهذا التجمع الحضاريّ الجديد بين العرب وساحل شرق إفريقيا، منها: المرتكزات الجغرافيّة، للاســتفادة من التداخل الجغرافيّ بين شــبه الجزيرة أ. العربيّة وساحل إفريقيا الشرقيّ، لتمكين العلاقات بين الجانبين. المرتكزات الثقافيّة، للاســتفادة من انتشــار الإسلام ومكانته، فقد أضحى ب. مكونًا أساســيّا في الميراث الثقافيّ والحضاريّ الإفريقي، وفي التواصل بين بلدان شبه الجزيرة العربيّة والسّاحل الإفريقي. المرتكزات اللّغويّة، لتفعيل الجانب اللّغويّ في العلاقات العربيّة الإفريقية، ج. وذلك عن طريق الاستفادة من انتشار اللّغة العربيّة، وتأثيرها على عدد من اللغات الإفريقية المحليّة. المرتكزات الاجتماعيّة، للاستفادة من الجماعات التي ظهرت كنتاج طبيعي د. لعمليات المصاهرة والتزاوج بين العناصر العربيّة والإفريقية في كثير من مناطق شرق إفريقيا، لتمتين علاقات القربى والدم بين العرب والسّاحل الشرقيّ لإفريقيا. . 49 – 48 ،صص قضايا فكرية ( مزروعي، ( ( (2) Mazrui. The Africans A Triple Heritage , p.32.

39

ثانيًا: البعد الجيوسياسيّ والاقتصاديّ والأمني تشهد منطقة القرن الإفريقي حراكًا سياسيّا واستراتيجيّا وأمنيّا واقتصاديّا كبيرًا، نظرًا لما تمتلكه من موقع حيوي وفاعل لدى كل الأطراف المتنازعة أو الفاعلة في . ( (( المنطقة، ولما تمثله من عمق استراتيجيّ للمنطقة العربيّة يكتســب القرن الإفريقي أهمية اســتراتيجية خاصة لدى الدول الكبرى، فهي تطل على المحيط الهندي، وتتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر عن طريق بــاب المنــدب وتتحكم بالتالي في طرق التجارة العالميّة ولا ســيما تجارة النفط ومن هذا المنطق فقط ربط بعض دارسي الاستراتيجيّة . ( ((ّ القادمة من الخليج العربي بين منطقة الخليج العربيّ ومنطقة القرن الإفريقي، حيث يشكلان ما يمكن أن يطلق عليه اسم (قوس الأزمة) ذلك لأن أي تحركات عسكريّة أوروبيّة أو أميركيّة متجهة صــوب الخليج العربيّ عليها أن تمــر عبر المنطقة. كما أن منطقة القرن الإفريقي غنية بمواردها الطبيعية مثل النفط الذي أعلن اكتشافه في السّودان والصومال، ولعل ذلك يفســر تفكير بعض القوى العالميّة وعلى رأسها الولايات المتّحدة الأميركية، . ولهذا سيكون من الضروري لدول الخليج ( (( في إنشاء منطقة القرن الإفريقي الكبير العربيّ أن تعمل على توظيف الموقع الجيوسياسيّ للقرن الإفريقي ضمن مشاريعها الاســتراتيجيّة المستقبلية، وفق مبدأ العمق الاستراتيجيّ الذي يقوم على التوازنات (1) Shinn, Dauid H. "Horn of Africa and the Gulf", Discourse Debating Issues , (Addis Ababa, 2017), p. 27. الاســتراتيجيّة الإســرائيلية تجاه البحر الأحمر بين الاستمرارية " ( عبد الله، مخــتار شـعيب، ( ( )، القاهرة، 12 ، (مركز الخليج للدراسات الاستراتيجيّة، (العدد كراسات استراتيجيّة خليجيّة ، " والتغيير . 12 م)،ص 1998 ، (مكتبة مدبولي، القاهرة، إفريقيا وتحدّيات عصر الهيمنة أي مستقبل عبد الرحمن، حمدي، ( ( ( . 127 م)،ص 2007

40

Page 1 Page 2 Page 3 Page 4 Page 5 Page 6 Page 7 Page 8 Page 9 Page 10 Page 11 Page 12 Page 13 Page 14 Page 15 Page 16 Page 17 Page 18 Page 19 Page 20 Page 21 Page 22 Page 23 Page 24 Page 25 Page 26 Page 27 Page 28 Page 29 Page 30 Page 31 Page 32 Page 33 Page 34 Page 35 Page 36 Page 37 Page 38 Page 39 Page 40 Page 41 Page 42 Page 43 Page 44 Page 45 Page 46 Page 47 Page 48 Page 49 Page 50 Page 51 Page 52 Page 53 Page 54 Page 55 Page 56 Page 57 Page 58 Page 59 Page 60 Page 61 Page 62 Page 63 Page 64 Page 65 Page 66 Page 67 Page 68 Page 69 Page 70 Page 71 Page 72 Page 73 Page 74 Page 75 Page 76 Page 77 Page 78 Page 79 Page 80 Page 81 Page 82 Page 83 Page 84 Page 85 Page 86 Page 87 Page 88 Page 89 Page 90 Page 91 Page 92 Page 93 Page 94 Page 95 Page 96 Page 97 Page 98 Page 99 Page 100 Page 101 Page 102 Page 103 Page 104 Page 105 Page 106 Page 107 Page 108 Page 109 Page 110 Page 111 Page 112 Page 113 Page 114 Page 115 Page 116 Page 117 Page 118 Page 119 Page 120 Page 121 Page 122 Page 123 Page 124 Page 125 Page 126 Page 127 Page 128 Page 129 Page 130 Page 131 Page 132 Page 133 Page 134 Page 135 Page 136 Page 137 Page 138 Page 139 Page 140 Page 141 Page 142 Page 143 Page 144 Page 145 Page 146 Page 147 Page 148 Page 149 Page 150 Page 151 Page 152 Page 153 Page 154 Page 155 Page 156 Page 157 Page 158 Page 159 Page 160 Page 161 Page 162 Page 163 Page 164 Page 165 Page 166 Page 167 Page 168 Page 169 Page 170 Page 171 Page 172 Page 173 Page 174 Page 175 Page 176 Page 177 Page 178 Page 179 Page 180 Page 181 Page 182 Page 183 Page 184 Page 185 Page 186 Page 187 Page 188 Page 189 Page 190 Page 191 Page 192 Page 193 Page 194 Page 195 Page 196 Page 197 Page 198 Page 199 Page 200

Made with FlippingBook Online newsletter